ليس من الغرابة أن تجد الآلام تحيط بالشعوب العربية من كل زاوية وناحية، إذ ان السكوت على ما هو قائم في بلاد العرب يشعرك بالألم؛ لأنه لا يلبي أقل الطموح، ولا يرقى إلى معشار المأمول، وكذلك الحال إذا كَسرت هذه الشعوب سدود الصمت، وفاض معينها غضباً، في محاولةٍ لالتقاط تباشير المستقبل الأكثر أمناً ورفاهية، وفي أثناء ذلك لا بد من الوقوف على لحظات الألم.
ولكن الشعوب العربية أدركت أن الم السكوت أكثر مرارة وأعظم مصيبة من التي تُدفَع على حساب الخلاص كدفعة اولى تُخصم مما عليها من ديون، مقابل السكوت والخنوع والذلة. لقد عرفت الشعوب العربية طريقها وما عادت ترضى أن تعامل كالقاصر الذي يحتاج إلى وصي عليه يرى له ويختار أدق شؤونه من مثل: ماذا يأكل، وماذا يلبس، ومتى ينام، ومتى يصحو، وحتى ماذا يشاهد أو يشاهد له على شاشة التلفاز. أغمضت الشعوب العربية أعينها طويلاً إلى أن وجدت نفسها تعيش على هامش الحضارة، بعد أن كانت لقرون قليلة مضت صانعة الحضارة ومصدرها الأول.
ان الآلام كبيرة فشهداء الثورات العربية كثر وعلى رأسهم وأولهم محمد البوعزيزي وسائر شهداء الثورة التونسية، مروراً بشهداء ثورة 25 يناير، وصولاً إلى شهداء الثورة الليبية وشهداء الثورة اليمنية، لهم منا الدعاء بالقبول والجنات، أما الجرحى فهم مَن تدمي مشاهدهم القلوب الصادقة والنفوس الحرة من جراء بطش الدكتاتورية والاستبداد والمستبدين، الذين كشفوا عن وجوههم الحقيقية الكالحة المرعبة، ليثبتوا مرّة بعد أخرى أنهم جلادون وانتهازيون للسلطة وليسوا حكاماً، وأنهم أداة الاستعمار الحديث في قمع الشعوب والأمم، وأنهم سُبّة هذا الزمان ولعنة الزمن القادم.
ليفعل القذافي في شعب ليبيا ما نراه وأكثر، ولِيرينا علي عبد الله صالح في الثائرين ما يشاء من سفك للدم البريء وأكثر، وإن أحالوها صحراء قاحلة وتركوها لأهلهـــــا أرضاً يباباً… فان هذه الشعوب التي أثبتت بأن عروقها تنبض بالحياة لقادرة على إحياء الموات وصناعة المستقبل على أفضل ما يمكن أن يكون.
تدفع الشعوب اليوم هذا الثمن الباهظ من الآلام والدم والدمار والأحزان لتعيد الصورة المقلوبة لعلاقتها بحكّامها، فبدل أن يكون الحاكم أجيراً عند شعبه، يسهر على مصالحه ويحقق أمنه وطمأنينته، ويجبي إليه الثمرات من كل مكان، إذ أن هذا الحاكم بخلاف ذلك تماماً، فهو السيد الآمر الناهي والشعب كل الشعب عبيد وان اختلفت مراكزهم ومناصبهم. وهو مصدر السلطات أو ان شئت قل السلطات بذاتها والشعب كل الشعب المتسلّط عليه، وبدل أن يكون الحاكم مصدر الأمن والطمأنينة أصبح مصدر الرعب والخوف، وبدل أن يكون الساعي لرغد الشعب ورفاهيته أصبح مصدر ابتلاع الثروات وإخفائها وتصديرها إلى بنوك سويسرا وأمريكا وسائر أوروبا.
هذه الحقائق التي كشفتها الثورات في عالمنا العربي ليعرفها العامي بعد أن كانت حكراً على المثقف، ويتداولها الجميع فيما بينهم بعد أن كانت لعقود مضت سرّ الأسرار، نعم لقد هُتكت الأستار وفضحت الأسرار، وليتحسس كل طاغية عنقه حتى يأتي حكم الثورة عليه، ومن هذا الحين إلى ذلك الحين تبقى الآلام هي الطاغية، ومن رحم الآلام تولد المنجزات. قال تعالى: (ان تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما يألمون وترجون من الله ما لا ترجون).[سورة النساء، الآية 104]. د. رامي عياصرة ـ باحث أردني