لعل الأحداث المتسارعة التي تعرفها منطقتنا العربية، على المستوى السياسي تطرح العديد من التساؤلات والفرضيات التي تطرح بقوة على المستوى الجماهيري لمختلف الأطياف الاجتماعية بالوطن العربي.
ومن ضمن هذه التساؤلات هل يمكن فصل ثورات الشعوب العربية بمحيط صناع القرار العربي الذي ما فتئ يخرج علينا في عدة مناسبات ولقاءات مبرمجة يدعو فيها إلى إصلاح النظام السياسي وتقريب الفجوات التي باعدت بين المواطن ومؤسساته الوطنية، وهل يمكن إرجاع الثقة المفقودة بين المواطن العربي وأجهزته الأمنية التي برهنت في هذه الثورات على أنها مجرد تابع مملوك للبلاط السياسي الذي يتحصن فيه الحاكم العربي، وجعلها أداة قمعية جبارة لوأد أي تحرك يدعو إلى الحرية ورفع الظلم عن المواطنين.
بالنسبة للسؤال الأول لا يمكن أن نتجاهل أن هناك مجموعات محدودة من داخل المنظومة السياسية العربية حاولت أن تجد نقطة التقاء وجسرا للتواصل بين الشعوب والحاكم، وهذا لا يمكن نكرانه لان التاريخ علمنا أن هناك أناسا مسؤولين حاولوا إصلاح النظام بطريقة يمكن أن تجنب البلاد والعباد تبعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية تقوض استمرار الدولة حتى ولو كانت هذه الدولة غير ديمقراطية يسود فيها القمع والتقتيل المعنوي للشعوب، إلا أن لوبي الفساد والعمالة والتبعية التي تعتبر من خصائص النظام العربي لا يمكن إصلاحه، لان الدولة العربية هي دولة هشة، بنيت على أسس غير متينة وغير واضحة، فبعد استقلال الدول العربية من ربقة المستعمر الأجنبي، التفت مجموعة من السياسيين الذين ادعوا الوطنية زورا وبهتانا وباعوا الوطن إلى لوبيات من أبناء جلدتنا رضعوا من صنوف القوادة والعهر السياسي، وبنوا لنا دولة هجينة لا يمكن أن تصنف ضمن قواميس النظام السياسي للأمم، وأحاطوها بهالة من القداسة والخوف وخطوا لها قوانين ودساتير تضمن بقاءهم على هرم السلطة، وسيجوا البلاد بسياج امني واستخباراتي لضرب أي مبادرة شعبية تحرك روح الإصلاح والحرية الإنسانية.
أما بالنسبة للأجهزة الأمنية التي تشكل الذراع الأساسية والواقية للبلد من الفتن الداخلية، فإنها خرجت من سكتها الطبيعية التي تتمثل في حماية امن المواطن قبل امن العروش، لان المواطن هو أساس الدولة الديمقراطية التي تحترم إرادة مواطنيها، دون أي قيد أو شرط.
وهذا ما يفسر نفور جل المواطنين وخاصة الشباب الذي هو وقود هذه الثورات من اجهزته الأمنية التي استشرى فيها الفساد السياسي والإداري، وأضحت ماخورا للبلطجة، والتقتيل ضمن حلقة من حلقات النظام السياسي العربي التي يرتكز عليها.
فالنهج الذي اتبعته أجهزة البوليس في وطننا العربي، هو إخماد روح النشاط عند الفرد للإخماد روحه السياسية وضميره الحر وشعوره بالكرامة، أي إخماد كل ما يجعل منه إنسانا مبادرا وفاعلا ومتطلعا للتراكم والإبداع وهو ما يؤدي إلى فشل المجتمعات والطاقات الشبابية في سبيل ضمان واستمرار واستقرار نظام الحكم. وهو ما لا يترك للفرد خيارا آخر سوى الانسحاق أو الاستسلام أو التمرد والعصيان.
عبد الحي كريط [email protected]