الكاتب الذي يقول لا يقول ‘نعم’ لما هو صحيح لا يمكن ان يقول ‘لا’ لما هو باطل او زائف، والكاتب الذي يقول ‘لا’ مطلقة لا يختلف في اثره من الكاتب الذي لا يقول الا ‘نعم’. نعترف بأن الشعوب العربية تعيش هذه الايام في مرحلة مفصلية من حياتها، لأن الاحداث تتغير وتنقلب بسرعة مذهلة، تكاد ان تسبق كل التقديرات والتوقعات، بالتأكيد أن هذه الشعوب كانت ستقبل بقيام ثورة واحدة في قطر عربي كل سنة او سنتين، لكن عجلة الثورات دارت بسرعة مذهلة من دون استئذان من احد، دفعتها قوى خارقة لا احد يستطيع وقفها.
هذه الثورات المتلاحقة جعلت المواطن العربي يشعر بأنه ولد من جديد، وانه لا توجد هناك معجزات باستطاعتها منع تحرك الشعوب، اليوم يشعر المواطن العربي بأن هناك دماء جديدة قد ضخت في عروقه، الشجاعة وانكسار كل حواجز الخوف.
اعتبرنا سنوات الخمسينات من القرن الماضي سنوات ومنعطفات خالدة في تاريخ هذه الأمة، بسبب تلاحق الثورات التي عصفت بانظمة فاسدة خارج التاريخ، بدأت بحركة السنوسيين الذين قارعوا الاستعمار الايطالي، حتى نالت ليبيا الاستقلال سنة 1951، تلتها ثورة الضباط الاحرار في مصر، فحررت هذه الثورة العرب من العبودية وفرضت واقعاً قومياً ووطنياً جديداً، بفضل هذه الثورة ثار الشعب السوري ضد الطاغية أديب الشيشكلي وعاد الحكم الديمقراطي الى هذا القطر العربي المهم، في سنة 1956 كسرت هذه الثورة شوكة الاستعمار بعد ان افشلت العدوان الثلاثي على مصر، هذا الفشل حول بريطانيا وفرنسا الى دولتين من الدرجة الرابعة.
في سنة 1958 ثار الشعب العراقي وتخلص من التبعية ووضع حداً لنظام نوري السعيد وتخلص العراق والشرق الأوسط من حلف بغداد، هكذا فتحت وطويت صفحات التاريخ في هذه الفترة، لكن ما يميزها أن عمليات تغيير الحكم صنعتها الجيوش وليس الشعوب، وهذا بدوره ابعد الشعوب عن سدة السلطة، وبدلاً من ذلك سادت الأنظمة الدكتاتورية وحكمت تحت حجج واهية، مثل محاربة اسرائيل وردع الأخطار الخارجية، والحقيقة ان هذه الأخطار جاءت من الداخل اكثر منها من الخارج، بسبب ممارسات الأنظمة العسكرية الدكتاتورية، تجسدت هذه الأخطار بوقف عجلة التقدم والتطور، وتفشي الفساد والترهل السياسي وغياب التعددية الفكرية والاعلامية والتبعية للعناصر والقوى الامبريالية.
هكذا صنعت الانظمة التاريخ وحددت مصير شعوبها، خلال هذه الفترة تضاعف اتساع الهوة الحضارية والتكنولوجية بين العرب والعشرات من دول العالم في آسيا وفي اوروبا وامريكا.
لم تحتمل الشعوب العربية اكثر هذه المهانة والتهميش والتغييب من قبل حكامها، فتحولت هذه الاوضاع الى الزناد الذي قدح اذهان الشعب التونسي اولاً، فقلب هذا الشعب موازين الأمور وحطم كل حواجز الخوف وعبد طرقا جديدة لأنواع الثورات في العالم العربي، فاستبدل الجيش وآلته الحربية بملايين المواطنين الذين هبوا كالطوفان، وقامت اول ثورة شعبية جماهيرية في العالم العربي.
لم يتأخر زناد الغضب الشعبي في مصر، فقدح اذهانهم ومشاعرهم، فتحولت النسائم التي هبت من تونس الى زوابع داخل مصر خلعت جذور النظام المتحجر منذ ثلاثة عقود، ومن مصر الى اليمن والبحرين وليبيا وشرق الجزيرة العربية والاردن.
اما سورية فلها مكانة خاصة في الزوايا الشفافة من قلوب العرب، بسبب مخزونها التاريخي الذي لا يعرف سوى التحدي، منذ استقلالها حتى اليوم فقد تفتحت من دمشق وقاهرة عبد الناصر اول براعم المناداة باجماع عربي قومي شعبي كادح، من دمشق والقاهرة تلاقى التاريخ العربي من جديد ورسمت اول خارطة جغرافيةوسياسية لاول دولة عربية واحدة، بعيدة عن التمحور الاصولي الطائفي، داخل حدود هذه الدولة اعيدت صياغة التاريخ الذي نسجه الخليفة عبدالملك والوليد وهارون الرشيد، سورية التي وقفت دائما في (باب البوغاز) تدافع عن حمى العرب ضد المشاريع التي حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها تصديرها الى الشرق الاوسط بعد ان ضمنت تدجين نظام مبارك وتركيع اسرة بني عنيزة في السعودية وامراء الخليج الفاسدين. سورية التي قدمت خيرة شبابها شهداء على مذبح وحدة لبنان ودعم مقاومته هذه المقاومة التي تعتبر أمل العرب ومفخرتهم ونداً لقوى الظلام في المنطقة.
سورية التي دفعت ولا تزال تقدم ثمن ممانعتها ضد جميع المشاريع الامبريالية والرجعية في المنطقة، هذا غيض من فيض مما قدمته سورية، انتظرنا ان تكون سورية في طليعة مواكب التغيير ورباناً يبحر للوصول الى شواطئ الحرية، لم يتوقع احد ان تصطدم رياح التغيير بحواجز بعض المتشنجين من القيادة السورية الذين يصمون آذانهم ويغطون عيونهم حتى لا يسمعوا عن أعراس النصر في القاهرة وتونس، وعما قريب في طرابلس وصنعاء والمنامة، ألا يستحق الشعب السوري مزيدا من التعددية والحريات كالشعب اليوناني والتركي والاسباني وغيرهم.
لماذا يجب ان تفرض على الشعب قوانين الطوارئ اكثر من نصف قرن؟ جميع الاحصائيات تؤكد ان حوالي 60′ من ابناء الشعب السوري هم من الشباب، من يستطيع الاستمرار بتكبيل هؤلاء ومنعهم من الانطلاق؟ من يستطيع كسر ارادتهم وخداعهم بشعارات أصبحت خارج دوائر العصر.
الحرية لا تتجزأ وهي حركة فردية داخل دائرة الجماعة، هذه الجماعة يمكن ان تكون اسرة او قبيلة او جمعية او وطنا، حتى يعطي الشعب ويتفانى في خدمة الوطن يجب ان يرضع من ثدي الوطن لبن العزة والكرامة والحرية المطلقة.
متى يدرك القادة والزعماء العرب بأن قوة الزعيم تأتي من شعبه ودولته وليس من الخارج، على رأي المثل الشعبي (المية الغريبة لا تدير الطواحين)تميم منصور