ميراث ممدوح عدوان بتوقيع محمود خضور مخرجادمشق ـ ‘القدس العربي’ ـ من أنور بدر استعاد المخرج محمود خضور نص ‘الميراث’ للكاتب الراحل ممدوح عدوان ليقدم لنا جرعة من الخراب الذي يسكننا جميعا، الخراب الذي يدمر أرواحنا، حيث الجشع والقسوة يدمران كل المشاعر النبيلة في الذات الإنسانية التي ينهشها الخواء وتلك النزعة الذئبية الكامنة في أعماقنا. وكأنني بعدوان معاصرا بيننا أبدا، يعري الواقع ويفضح الفساد، هو الذي ترجم كتاب ‘التعذيب عبر العصور’ وألف كتابه الرائع بقسوته ‘حيونة الإنسان’.وهل أقسى من رجل يتاجر بأخته وزوجته معا؟ ليس مهما بعد أنه كان عقيما ويحتاج للتداوي أو العلاج، ولا يعتقد أحد أن هكذا مشكلة يمكن أن تدفع بنا إلى هكذا حلول، فالأمر أصلا كامن في الفساد المسبق للشخصية، والعقم الحقيقي في الروح قبل أن يكون في الإنجاب، فساد وعقم يطبع الشخصيات الثلاث للعمل: الزوج بهجت ( يوسف مقبل) والأخت هناء ( ريم درويش) والزوجة هدى ( لمى الشمندي)، والتي بدت كلها شخصيات معجونة بالفساد وملطخة بالطمع وقادرة على العدوان.لذلك توزعت المعالجة الدرامية للعرض في مستويين متداخلين، تطور كل شخصية في سياقها الدرامي المستقل، وتطور الشخصيات في تفاعلها المتنامي مع تنامي الحدث، وصولا إلى الذروة حيث الفجيعة التي تصيبنا نحن كمشاهدين على مجموع الخيبات التي دمرت الجميع.يبدأ العرض مع وصول هناء إلى بيت شقيقها بهجت، فهي قد علمت بمرضه، وجاءت تطمئن عليه، لكن لقاءها بزوجة أخيها هدى لم يكن وديا بالطبع، فمن أين لهذه الأخت التي جاءت بعد انقطاع خمسة عشر عاما هذه الجرعة من الحنان؟الحوار بين المرأتين بدأ يُعري مطامعهما معا، لنكتشف خلف كل منهما ذئباً كامناً في أعماقهما، تضطران لإخفائه أو التمويه عليه مع وصول بهجت إلى البيت، لكنه الوجه الحقيقي للمرأتين والذي يُعاود الظهور، ويذهب العرض في تعرية تلك الشخصيات، خاصة بعد أن أصيب بهجت بنوبة قلبية خلنا معها أنها قد أودت بحياته، ولم يعد من مبرر لتمويه الصراع بينهما فالقضية بوجهها السافر هي قضية إرث، وعليهما نهش لحم الميت قبل دفنه، إن صح التعبير، وبشكل خاص أن الأخت تعتبر المسألة حقوقا قد ترتبت على الأخ قبل هذا الزمن بكثير أو هي ديونا عليه، إلا أن صحوة بهجت من غيبوبته المؤقتة فضحت الأوراق، وينتهي المشهد بخروجه من حياتهما حيث سافر خارج البلد.عودته في المشهد الثاني ليقود الصراع الدرامي للعرض بعد أن غدت كل الأوراق مكشوفة، تفضي إلى وفاته الحقيقية، لكنه قبل ذلك ينجح في إخبارهما أو إخبارنا أنه قد أنفق كل ثروته في هذه الرحلة التي استمرت ثلاثة أشهر، أنفق كل ثروته التي جناها بطريقة غير مشروعة كي لا يترك لهما شيئاً، ويبدأ إحساس المرأتين بالخيبة مكان الطمع، ويظهر الخواء والزيف على الجميع، فالعرض كشف لنا الدوافع العميقة للشخصيات، عرفنا على مساحات من الخداع التي تلعب فيها كل شخصية في مواجهة الآخر، ويأتي موت بهجت الثاني كنهاية لزمن اللعب، وبداية المواجهة مع الحقيقة بكل مرارتها. حيث يموت بهجت وهو يطلب حبة دواء، دون أن تتكلف أيّ ٌ من المرأتين عناء مساعدته في ذلك، يموت أمام فجيعتهما بضياع الميراث، فهل كان موتا أم أنه قتل؟! وهل كان طمعا أم أنها خيانة؟!ألم يكرر لهما بهجت عبارته التي قالها في بداية العرض: ‘هذا هو عالم الذئاب الذي حدثتكما عنه، يموت الإنسان فلا يخطر لأخته، أو زوجته، أو لأحد أن يتطلع إلى وجهه.. يا إلهي، لم أكن أتصور الحياة بهذه القسوة’.هذا العرض الذي قدم في اليوم العالمي للمسرح في دمشق، لم يستطع جذب جمهور كان يتعطش إليه قبل أيام فقط، فالأحداث التي اجتاحت البلاد ظلمته حقيقة، إذ كادت صالة القباني على صغرها تكون خاوية، مقابل ثلاثة ممثلين يتألقون يوميا على الخشبة، حيث غاب الجمهور وراء انشغالاته بما يجري أو خوفه مما يجري، فشاهدنا عرضا متميزا لكنه بلا جمهور.مع أن هذا العرض الذي استمد قوته من البنية الكلاسيكية التي اشتغل عليها فريق العمل، حيث كان الممثلون حاملين حقيقيين لمقولة العرض في مستويات الفعل الدرامي التي أشرنا إليها. غير أن جزءاً آخر من أهمية العرض يكمن في راهنية الموضوع الذي يفضح الفساد الكامن في كل شيء، إنه فساد الروح كما قلنا، وأثر الهزيمة التي سكنت في تفاصيل حيواتنا كلها، وصولا إلى الخراب الذي نعيشه، حيث نكتشف كيف تتسع حياتنا لكل هذا الفساد؟. بطاقة العمل: ‘الميراث’ تأليف: الكاتب الراحل ممدوح عدوان.إخراج: محمود خضور.تمثيل: يوسف مقبل – ريم درويش – لمى الشمندي. الفنيون: ديكور وإعلان: زهير العربي، تصميم إضاءة: نصر الله سفر، إعداد موسيقي: نزيه أسعد، ملابس: ربيع الحسين، مكياج: هناء برماوي، تنفيذ إضاءة: بسام حميدي، صوت: شادي ريا، مدير منصة: أحمد السماحي، مخرج مساعد: كميل أبو صعب، والعرض من إنتاج وزارة الثقافة، المديرية العامة للمسارح والموسيقا. تعليق الصور: صور من العرض.