يوم حزين ومؤلم

حجم الخط
0

أشرف الشكعةكان يا ما كان يا بابا يا فيدريكو، واحد إسمه فيتوريو اريغوني، صحيح جاء من بلدة ايطالية اسمها ‘بيسانا ان بريانزا’ لكن روحه كانت معلقة بين نابولي ويافا، واختارت أن تعيش في غزة وتصعد منها.

فيتوريو قرر أن يكون في وسط المأساة. الأجساد الغضة التي تلقت تقنية أسلحة ‘الدفاع’ المتقدمة، من قنابل عنقودية وفسفورية وغيرها من أسلحة الموت ‘التقليدية’، هذه الأجساد صعدت إلى السماء، لربما فزعة من هذا الرحيل المبكر لكنها إطمأنت لأن قلوبا كقلب فيتوريو آثرت أن تحمل شعلة محبة في قطاع، اقتلع معظم سكانه من بياراتهم وقراهم وبلداتهم، ليحشر أهله مبكراً في جحيم الموت المؤجل والمنتظر، جحيم حصار المحتل والأخ والجار.

فيتوريو، ذهب مع فلاحي الأرض إلى حقولهم، هناك بالقرب من الخطوط الحدودية، عرى فيتوريو صدره للقناصة، ليحمي بظله حق البذر والحصاد، لتواصل أرض كنعان خصبها.

فيتوريو يا فيدريكو كان بطلا في الحقل والبحر، دمه الايطالي النضالي وقلبه الفلسطيني يعنيك تماماً، ليس لأن جيناتك اختلطت بين نابولي ونابلس بيولوجيا، بل لأن جينات فيتوريو، كما يقول هو، هي جينات النضال والكفاح ضد الظلم. أجداد فيتوريو وأجدادك يا فيدريكو ناضلوا وحاربوا المحتل، المحتل المركب، المحتل النازي والفاشستي، محتل دخيل بجسده وآخر دخيل بفكره، محتل مركب صادر لسنوات رحابة وطيبة أهل إيطاليا.

محتل أجدادك المركب يا فيدريكو، هو تماماً كمحتلك المركب الحالي، صهيونية تمتزج مع فكر ظلامي، يسميه البعض جهادي وتكفيري، لكنني أرى نفس الجذور لهذا الاحتلال المتواصل. في الماضي تمت مصادرة وإقصاء النضال الشيوعي الإيطالي، لصالح المال خطة مارشال- والامبريالية، التي وضعت خطاً أحمر لحزب وطني شيوعي مناضل، استحق أن يقود مستقبل البلاد، لكن أصحاب القرار في البلاد الجديدة لم يمكنهم أن يتقبلوا حزباً شيوعياً يحكم في قلب أوروبا.

محتلك الآني، لديه ذات الجذور، مع بعض الإضافات، نفط يمول الفكر الظلامي وبمباركة أصحاب القرار في البلاد الجديدة، نازية الألمان لا تختلف بالمنطلق والشكل والفعل عن نازية الصهاينة من دير ياسين، مروراً بصبرا وشاتيلا وقانا 1-2 وغزة.

كل هذا وأكثر كان واضحاً وجلياً لفيتوريو، فيتوريو اختار بصلابة الفكر ورقة القلب أن يقف ليس إلى جانب الضحية بل معها. وليؤول الأمر إلى تراجيديا مركبة، هو، نعم هو، فيتوريو، القلب والإنسان، هو الضحية.

دعني، يا فيدريكو، أعود قليلاً إلى مسألة الجينات، الجينات ليست مسألة بيولوجيا تفحص وتمحص وتدرس في المختبرات، الجينات التي تحدث عنها فيتوريو هي مثيولوجيا الإنسان، منها البقاء والفناء، منها مجده وذله، هي التي تقودك إلى الطرق المظلمة والأقبية الشريرة الخسيسة، أو أن تكون تحت الشمس، وسط الموج وبين الحقول.

سأبدأ من الإسم، يا له من عبء، لماذا فيدريكو؟

فيدريكو جارسيا لوركا، لم يختر أسواق المال وبريق بورد ويه في نيويورك، اختار هارليم، اختار النضال، أحب الغجر، وناضل ضد ‘المحتل’ وقُتل مجسداً هول المأساة.

فيدريكو فليني، القوة الملهمة والمبدعة التي خرجت عن طور مجتمع المحرمات الكاثوليكية.

فريدي ميركوري، أو فاروق بوليساري، وحد بريطانيا والعالم على حب الموسيقى والجمال، العرق، الدين، الميول الجنسي، كلها ترهات أمام هالة الجمال.

أما إسمك العربي، فريد، فله قصة أخرى. فريد ضمرة، من كفل حارس، التي ترقد بين الهضاب التي تتوسط رام الله ونابلس، من هناك جاءت الروح الثائرة المثقفة، الإعتقال والإقامة الجبرية ومن ثم الإبعاد كانت هدية الحتلال لينطلق في شبابه، وفي زمن تراكم الاحتلالات، جواز سفر استغرق تجديده عشر سنوات، لفظته سلطة رام الله، لم يعد العراق مضيافاً كما كان، توجه فريد، بحقيبة تحمل قسوة بالغة إلى بلاد العملة الصعبة، سويسرا، إلى الآن هو كائن مؤقت.

إذاً الإسم فيه عبء وجمالية وإلهام، روح الشعر وفضاءات المسرح وسحر السينما وقوة الموسيقى، لكنها كلها تصب في صلابة النضال والإصرار على الإنتصار للحق والمظلومين، قيم جسدها فيتوريو في حياته ورحيله المفزع.

فيدريكو، دعني أحدثك عن نابولي، المدينة التي تعشقها أمك، أذكر كل خطوة في أول زيارة لي للمدينة التي تزهو ناعسة في حضن المتوسط. ما أن ترجلنا من الباص حتى شاهدت تظاهرة تطالب بحقوق عمالية، مشهد هجين بدأنا نعرفه مع ربيع ثوراتنا فقط. فنجان الاسبرسو الذي يلسع شفتيك cazz comm coce وفي المحلات صور مارادونا وحنظلة وعلم فلسطين، نعم أهل نابولي يراهنون على دماء القديس جينارو كل عام، وعلى عودة مارادونا، وهم يحبون حنظلة وفلسطين، رهانات قد تبدو للوهلة الأولى خاسرة، ويعزز خسارتها أناس مثل بيرلوسكوني، مخلص نابولي من قمامتها! لكن الرهان، لا بل الإيمان بالجمال والحق أبهى من كل الانتصارات المبنية على الاستحواذ على مستقبل وآلام الضعفاء.

في نابولي درست أمك في جامعة الاستشراق، من هناك إنطلقت روحها لتحب اسطنبول والقاهرة، لكنها لم تتقبل دبي ولم تستوعب عمان. من أزقة البلدة القديمة في نابولي حيث جامعة الاستشراق، شاركت أمك في مظاهرات واعتصامات تضامناً مع الشعب الفلسطيني وقضيته، حيث درس والدك، لم يشارك بأي تظاهرة أو نشاط لدعم الشعب الفلسطيني، لأن أنشطتنا يجب أن تقتصر على الشؤون الداخلية، أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني في الأردن مسجل في دفاتر الاونروا أمر غير ‘داخلي’ أو محلي!

انتبه يا فيدريكو، في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي تم ترهيب الرأي العام الايطالي من الفكر اليساري والشيوعي من خلال أنشطة وعمليات الألوية الحمراء. فيتوريو جاء من الشمال الإيطالي، ليس كالصقلي والمناضل الشيوعي’بابينو امباستاتو، الذي اغتيل في زمن ‘شيطنة’ اليسار. فيتوريو حتماً لم يصوت لحزب بوسي، صوت الكراهية واليمين والعنصرية المنادي بإطلاق النيران على المهاجرين وهم في مراكبهم.

من قتل فيتوريو، له مهمة واحدة، لا أنسنة الشعب الفلسطيني وتقويض قضيته. لن ننجرف إلى شيفونية النقاء، نحن لدينا رصيدنا المركب من الخراب، احتلال داخلي يغزيه الفكر الظلامي المغرورق برائحة النفط.

فيتوريو، رحل فتياً بهياً، الكوفية كانت إضافة خلابة لأناقته الثورية، على ذراعه دق وشم ‘المقاومة’ بحروفية عربية رشيقة. مقتله هو قتل لكل شيء نبض بفلسطينيته في هذا الكون. فيتوريو تركتِه هي ‘جيناته’، لك أن تحملها يا فيدريكو، الخيار لك.*كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية