عفواً… لا تنتظروا من الثورة المصرية أدباً جيداً!

حجم الخط
0

ناصر عراقإذا كنت من المبهورين أمثالي بعظمة الثورة المصرية التي خلعت الرئيس حسني مبارك في 11 شباط/فبراير الماضي، وإذا كنت من الذين يفتنهم الأدب الجميل والنصوص المدهشة. وإذا كنت، لآخر مرة، من أولئك الذين يتلهفون على قراءة قصة أو رواية أو قصيدة بديعة تحتفي بهذه الثورة المدوية وترصد حياة أبطالها وتضحياتهم إلى آخره، أقول: إذا كنت كذا وكذا وكذا فاسمح لي أن أهمس في أذنك: لا تنتظر من الثورة المصرية الباهرة أدباً جيداً أو جميلاً أو آسراً! وسأخبرك لماذا بعد قليل.

قانون الثوراتوفقاً لحكمة التاريخ، فإنه من الصعب جداً أن تنتج الثورات العظيمة أدباً رفيعاً على الفور. فإذا تأملت، على سبيل المثال، الثورة الفرنسية التي اندلعت في سنة 1789 ستكتشف أن الأمور لم تستقر للثوار الذين أطاحوا الملك لويس السادس عشر إلا بعد عشر سنوات تقريباً من الإبحار في نهر الدم، عندما آلت الأمور في نهاية المطاف إلى الجنرال العسكري نابليون بونابرت سنة 1799، ذلك أن النظام الإقطاعي الذي كان يمثله الملك المستبد لم يستسلم بسهولة أمام اندفاع الثوار الفرنسيين الذين يعبرون عن أشواق الطبقة الرأسمالية الوليدة. هذه الطبقة التي كانت تحلم بتطوير فرنسا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لكنها تواجه بمقاومة عصيبة من قبل النظام السياسي الإقطاعي الذي يخاصم العصر ويعرقل حصان الثورة من الانطلاق.

في هذا المناخ المشحون بتوتر شديد توقف الكتاب تماماً عن الإبداع أو كادوا، حيث استنزفت الصراعات الدموية بين الثوار وبين (فلول) النظام القديم طاقات الناس من ناحية، كما أن الخلافات بين الثوار أنفسهم اشتعلت وتأججت، فقُتل مَنْ قُتل، وسُجن مَنْ سُجن من ناحية أخرى!

كيف إذن يبدع كاتب ما بينما دماء الثائر موفور الشهرة جان بول مارا تسيل في البانيو إثر الطعنات التي سددتها له فتاة مهووسة يقال لها شارلوت كوردي في لحظة غدر مشؤومة سنة 1793؟ وكيف يبتكر شاعر قصيدة فاتنة في حين أن روبسبيير زعيم حزب اليعاقبة يجرجر رفاقه في الثورة نحو المقصلة، حيث أعدم 6000 رجل في ستة أسابيع فقط بتهمة أنهم يناصرون الملك المخلوع؟ الأمر الذي أدى في النهاية إلى شيوع ثقافة الرعب في أرجاء فرنسا كلها، التي كان من نتائجها إعدام روبسبيير نفسه سنة 1794! المثير أن أحد أهم العوامل التي أدت إلى اندلاع الثورة الفرنسية تمثل في الإنجازات الكبرى على صعيد الفكر والأدب والفن التي تحققت بامتداد القرن الثامن عشر وقبل انفجار هذه الثورة، فكتابات مونتسكيو (1689/1755) الذي كان أول من دعا إلى الفصل بين السلطات في كتابه (روح القوانين)، وإبداعات أديب فرنسا عظيم الصيت فولتير (1694/1778) الذي كان يندد بسطوة رجال الكنيسة على عقول الناس ووجدانهم، مطالباً بضرورة البدء في الإصلاح الاجتماعي، والأفكار الجريئة التي أطلقها جان جاك روسو (1712/1778) صاحب العقد الاجتماعي، أقول لقد أسهمت هذه الكتابات والإبداعات والأفكار وغيرها في تثقيف الناس وحضهم على الثورة ضد الظلم الدائم والاستبداد القادم من العصور الوسطى! لكن المفارقة تكمن في أنه ما ان اتقدت شموع الثورة حتى انطفأت قناديل الأدب والفكر والفن! الثورة الروسيةالحال نفسها نرصدها بوضوح في ثاني أعظم ثورة في العصر الحديث بعد الثورة الفرنسية، وأعني الثورة الروسية، أو كما ذاع صيتها باسم (الثورة البلشفية) وبالمناسبة كلمة (بلشفيك) تعني الأغلبية باللغة الروسية.

تأججت نيران الثورة سنة 1917، لتطيح بأسرة رومانوف آخر القياصرة الروس الذي يمثل النظام الرأسمالي في أردأ نماذجه، ولكن قبل أن يستطيع لينين الزعيم الذي نفخ في روح الشعب نيران الثورة الاشتراكية أن يحقق مبتغاه، كان الأدب الروسي يعيش عصوراً باهرة من التجلي والإبداع. دعني أذكرك بأصحاب القامات الرفيعة من المبدعين الروس في القرن التاسع عشر. هذا بوشكين (1799/1837) أمير الشعراء الروس، وهذا جوجول (1809/1852) أبو القصة القصيرة في العالم كله. وهذا دوستوفيسكي (1821/1881) صاحب أنصع سمعة في تاريخ فن الرواية على مستوى العالم. وهذا خالد الذكر تولستوي (1828/1910) الروائي الفذ طيب القلب. وهذا تشيكوف (1860/1904) القاص والمسرحي المدهش. لعلك لاحظت أن كل هؤلاء الكبار ولدوا وأبدعوا وأدهشوا ورحلوا قبل تَفجّر الثورة. يبقى في جعبتنا اثنان من أدباء روسيا العظام: الأول هو الروائي مكسيم جوركي (1868/1936) الذي تعد روايته (الأم) من لآلئ الأدب العالمي، وقد صدرت سنة 1905، أي قبل الثورة بنحو 12 عاماً. هذا الروائي الذي كان صديقاً للينين لم يكتب نصاً ذا قيمة مميزة بعد الثورة على الرغم من أنه عاش نحو 19 سنة بعد طرد القيصر واستيلاء الطبقة العاملة على السلطة بقيادة حزب البلاشفة.

أما الرجل الثاني فهو ماياكوفسكي (1893/1930) الشاعر المسكين الذي دفعه البطش الستاليني إلى الانتحار يأساً من تصحيح مسار الثورة بعد رحيل زعيمها لينين سنة 1924، ونفي مُلهمها الروحي تروتسكي سنة 1929 خارج الاتحاد السوفيتي من قبل ستالين الذي آلت إليه الأمور آنذاك!

ماياكوفسكي هذا أصدر سنة 1914 تحفته الخالدة (غيمة في بنطلون) وهو ديوان شعر أسهم في تأسيس المنهج المستقبلي في الأدب. ولما قامت الثورة التي كان من أخلص مؤيديها لم يستطع أن يبدع شيئاً مهماً أو لافتاً بعدها، حيث ظلت الثورة تواجه (فلول) النظام القديم لمدة أربع سنوات عسيرة. أي أن الدولة الجديدة التي أسسها لينين لم تستقر إلا سنة 1921، ثم اعترتها عواصف سياسية وفكرية واقتصادية أدت في نهاية المطاف إلى خمول أدبي بائس.(الثورات) المصريةلم تأت ثورة 1919 في مصر أكلها إلا بعد أكثر من أربعة أعوام على اندلاعها، على الرغم من أن هذه الثورة التي قادها سعد زغلول (1858/1927) لم تغير النظام السياسي، ولم تتمكن من طرد الاحتلال الإنكليزي الذي كان يمسك بزمام البلاد منذ عام 1882، إلا أنها حركت المياه الراكدة في الوسط السياسي المصري. ومع ذلك فإن شجرة الأدب الرفيع لم تطرح فواكهها اللذيذة إلا في منتصف العشرينيات تقريباً، فبدأنا نقرأ كتابات علي ومصطفى عبد الرازق وطه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد وسلامة موسى وغيرهم.

أما (ثورة) 1952، والأدق انقلاب أيده الشعب بقوة، فقد ظلت تتأرجح ذات اليمين وذات اليسار حتى استقر الأمر في نهاية المطاف إلى الزعيم جمال عبد الناصر (1918/1970) في أواخر سنة 1956. وهكذا لم نقرأ أدباً مصرياً فاتناً أو باذخاً إلا في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي. حتى نجيب محفوظ نفسه توقف عن الإبداع الروائي منذ تموز/يوليو 1952 حتى عام 1958 عندما كتب رائعته المذهلة (أولاد حارتنا) ونشرها مسلسلة في جريدة ‘الأهرام’ في العام التالي!

أرجو ألا تظن أن خفوت الأدب الرفيع لفترة أثناء الثورات وبعدها يمنع ظهور بعض الفنون المؤقتة التي تلبي أشواق الذين قاموا بالثورة، فقد يكتب شاعر قصيدة حماسية، أو يشدو مطرب بأغنية لافتة، أو يقدم مخرج مسرحية مهمة أثناء اشتعال الأحداث الثورية، لكنها تظل أعمالاً محدودة لا تمثل ظاهرة بحد ذاتها.

يقول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في الحوار الذي أجرته معه مجلة ‘العربي’ الكويتية في العدد 11 الصادر في تشرين الاول/أكتوبر 1959، وأعادت مقتطفات منه في العدد 614/ كانون الثاني/يناير 2010 ، يقول الأستاذ العميد: ‘الأصل أن يهدأ الأدب أثناء الثورات، ولا ينشط إلا بعد أن تستقر الأمور وتجري على طبيعتها. وذلك لأن الأدب محتاج إلى الحرية، والثورة مضطرة أن تحافظ على نفسها حتى تحقق أغراضها. فقل إن شئت أن بين الأدب وبين الثورة شيئاً يشبه الهدنة حتى تبلغ الثورة غايتها. انظر إلى الثورة الفرنسية مثلاً، فقد سكت أثناءها الأدب الفرنسي سكوتاً يوشك أن يكون تاماً، لم ينشط إلا بعد أن استقرت الأمور في فرنسا’. انتهت الملاحظة الصائبة لصاحب (الأيام)، ولم تنتهِ الثورة المصرية بعد، لذا دعنا نتابع تطورات هذه الثورة المجيدة وألاعيب بقايا النظام الساقط، ونتأمل كبار مسؤوليه وهم يدخلون في سجن مزرعة طره أفواجاً بتهم الفساد واستغلال النفوذ وقتل المتظاهرين، أما الأدب الجميل والرفيع، فلننتظر عليه بعض الوقت حتى تستقر الأمور في مصر المحروسة، وكلي أمل ألا يطول انتظارنا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية