فتحي أبو رفيعة’مدينة اللذة’، ‘غرفة ترى النيل’، ‘الحارس’ هي العناوين الروائية الثلاثة السابقة للروائي والكاتب عزت القمحاوي قبل أحدث أعماله ‘بيت الديب’ الصادر مؤخرا عن دار الآداب، بيروت. تميزت الروايات الثلاث الأولى بصغر حجمها، وربما محدودية مواضيعها أو توجهاتها. فالأولى أشبه بعمل فانتازي عن مدينة متخيلة، والثانية عن تجربة متابعة موت صديق في غرفة مستشفى تطل على النيل، أما الثالثة فهي استقصاء في القمع والسلطة وطبائع الاستبداد. على أن ذلك لم يمنع المؤلف من أن يتخذ من الموضوع الرئيسي لكل من هذه الروايات الثلاث ركيزة انطلق منها للبوح عن طائفة عريضة من الشواغل التي تراود مبدعا واعيا بقضايا وطنه ومهموما بها، وباحثا متعمقا في تاريخ هذا الوطن وتراثه، ومدافعا غيورا عن قيمه وثوابته. تأخذ ‘بيت الديب’ شكل السرديات الكبرى بصفحاتها التي تتجاوز 300 صفحة، وامتدادها الزمني الذي يغطي حقبة طويلة من تاريخ مصر الحديث، ورقعتها المكانية، التي وإن كانت تتخذ من قرية ‘العش’ مرتكزا لها تمتد وتتسع، من خلال حراك وتجارب أبنائها، لتشمل كامل الوطن العربي من مصر إلى فلسطين والشام والخليج العربي، حيث يبحر المؤلف في تاريخ الأمة متتبعا مصائر أفراد أسرة الديب في إحدى قرى مصر، وتصبح ‘العش’ تجسيدا لتاريخ الوطن على مدى حقبة زمنية طويلة منذ أن حلت بها أول حملة تركية لجمع الضرائب حتى حرب العبور في عام 1973. على أنه ينبغي التأكيد على أن ‘بيت الديب’ ليست في المقام الأول ‘رواية تاريخية’ وإن كان ‘التاريخ’ يشكل أحد مكوناتها الأساسية. وهذا المكوِّن التاريخي للرواية هو ما يجعلها تجسيدا للهوية الوطنية استنادا إلى رؤية ميشيل فوكو الذي يرى في السرد وسيلة لتجسيد التقاليد الثقافية وبناء القيم والمعتقدات التي تحدد الهويات القومية وللتعبير عن هذه التقاليد والقيم والمعتقدات. وهو السرد الذي يشكل وعاءً للهوية التي تستمد استمرارها وترسخها من القصص والروايات التي نقصها نحن على أنفسنا وعلى الآخرين عن تاريخنا الوطني. استنادا إلى هذا المفهوم عن السرد، تنطلق ‘بيت الديب’ من قلب الريف المصري الذي يشكل، بفطرته وبساطته، منجما زاخرا من الحكايات والحواديت عن تعاملات البشر وعن الأبطال الحقيقيين أو المتوهمين الذين تصدوا لسلطات قمعية وظالمة دفاعا عن حقوق أهلهم ومجتمعاتهم. من هذه البيئة ظهرت شخصيات مثل أدهم الشرقاوي، وكتب يوسف إدريس ‘الغريب’، وعبد الرحمن الشرقاوي ‘الأرض’، وهذه الأخيرة تحمل ‘بيت الديب’ الكثير من روحها وتوجهها الإنساني. ‘بيت الديب’ تنتصر للمرأة، وتبرز دورها وقدراتها، ويمكن القول إنها في المقام الأول رواية ‘جندر’، هذا المصطلح الحديث الملتبس الذي يشير أساسا إلى ‘نوع الجنس’ أو المرأة على وجه التحديد. وسيلاحظ القارئ عبر صفحات الرواية الدور الفاعل لنساء ‘الديب’ على عكس الكثير من رجال ذلك البيت. ومن خلال البطلة الرئيسية للرواية ‘مباركة الفولي’ سيدرك القارئ كيف أن هذه الفلاحة البسيطة العادية المهمشة كانت تدرك بفطرتها كل ما يقال اليوم عن حقوق المرأة التي تنادي بها منظمات دولية من قبيل تمكين المرأة وحقوقها الجنسية والإنجابية، وكيف أن ‘مباركة الفولي’، التي ظلمها أبوها بتزويجها لرجل في سنه استطاعت أن تنتقم لنفسها وأن تبني إرادتها وتقويها إلى أن تصبح عماد أسرة الديب وأن تعيش الحياة بطولها وعرضها وتصبح محل غواية للرجال، بل وللنساء على السواء. ‘عاشت مباركة الفولي حتى رأت أحفادها يخاطبون أصدقاء من أطراف الكرة الأرضية لم يروهم أبدا؛ فأخذت تطلب منهم أن يبعثوا برسائل إلى الله: رسالة صغيرة بس تفكروه بيَّا’، السطور الأولى من الرواية التي تنم عن جرأة فلاحة ‘وجودية أو علمانية’، وهي جرأة سيلمس القارئ مزيدا منها في تصرفات مباركة على مدار أحداث الرواية. (حينما جاءوا إليها من اليمن بابنها الشهيد ملفوفا بالعلم، كانت تنفطر بكاء عليه؛ تحاول إحدى حفيداتها تهدئتها: وحِّدي الله يا ستي، النبي مات، إحنا ح نعيط على نفسنا ولاَّ ع النبي؟ تزجرها مباركة قائلة: النبي؟ يعيطوا عليه أهله، أنا أبكي على ابني يا قليلة الحياء). أحبت مباركة ‘منتصر’، اليتيم، الذي غابت عن الوعي بين يديه في أول لقاء لهما. وطلب من عمه الذي يعيش في كنفه ‘مجاهد الديب’ أن يخطبها له. كان رد فعل العم: المجنونة بنت بدر الفولي؟ دي كل ‘العش’ بتقول مخاوية. لكن حينما طلب مجاهد يد مباركة من أبيها، تصور الأب أن مجاهد يطلبها لنفسه، وكان رده على الفور: دي تروح لك خدَّامة. إحنا نلاقي أعز منك؟ وهنا تبدأ محنة مباركة كزوجة ثانية لكبير عائلة الديب، إضافة إلى زوجته الأولى ‘حفيظة’ ذات الأبناء الأربعة: سلامة، وناجي، وعلي، ونجية الحدباء.
قضت مباركة أياما عصيبة في مقاومة مجاهد، إلى أن بدأت حفيظة تنغص عليها، فكان أن خففت من تشددها معه، وحينما وضعت وليدها الأول أسمته منصور: ‘ولم يعترض مجاهد على الرغم من إدراكه الصلة بين الاسم المقترح واسم منتصر’. أما عن منتصر نفسه، فبعد أن غادر ‘العش’ احتجاجا على فعلة عمه، انخرط في أعمال المقاومة ضد السلطة، وانتهى به الحال إلى الفرار إلى فلسطين. سيعود منتصر (الحفيد) في نهاية الرواية إلى ‘العش’ بعد تجربة مريرة رأى فيها زوجته ‘نازك’ العراقية وطفلتهما ‘مائسة’ تموتان أمام عينيه في رمال الصحراء إثر غزو العراق للكويت التي كانا قد سافرا إليها للعمل بواسطة من خالها الذي كان يعمل مهندسا هناك. هكذا تتكشف أحداث ‘بيت الديب’ في ظل خلفية تاريخية محلية وعربية وعالمية لها تفاعلاتها وتأثيراتها على أسرة الديب وقرية ‘العش’ والوطن عموما. ففي أثناء معارك الإنكليز والألمان، جاءت حملة إلى ‘العش’ لجمع الشباب للتجنيد. وتدافع شباب القرية أمام دكان سرحان الجزار لكي يستأصل لهم سبابة اليد اليمنى (وكانت وسيلة شائعة للتهرب من التجنيد آنذاك). لكن خسران السبابات لم يمنع السلطة من مداهمة ‘العش’ لتشكيل فرقة ليس الغرض منها القتال، بل خدمة جنود الإنكليز وحلفائهم من الفرنسيين والروس في سيناء وفلسطين وبلجيكا. كان من نتيجة هذه الحملة تجنيد سلامة الابن الأكبر، واضطر مجاهد وحفيظة إخفاء ابنهم الثاني ‘ناجي’ لدى مباركة، التي كانت قد انتقلت إلى بيت أبيها بعد وفاته لكي تستقل بنفسها عن بيت الديب. في إحدى المرات، وبينما تقوم مباركة بتنظيف خراج متقيح في جسد ‘ناجي’: ‘اضطرب قلبها عندما وجدت نفسها مرة أخرى أمام رائحة الذكورة التي عرفتها في ابن عمه (منتصر)’، وتكررت لقاءاتهما الجامحة التي كان ثمرتها ‘سالم’. وهبَّت حفيظة إلى مساعدتها مرددة: إنتي زي بنتي الغائبة. هذه البنت الغائبة هي نجية الحدباء والدميمة التي كانت تؤرقها كوابيس العنوسة وتقلق نومها كل ليلة. وحينما فاتحت حفيظة زوجها في الأمر، قال سارحا إنه لا مفر من سوق رفح. وتردُّ الأم مذعورة: تبيع بنتك يا مجاهد؟ كانت رفح سوقا للرقيق ألغي منذ مئات السنين، لكنه بقي مكانا للقاء المتوحدين من المسنين الذين فقد الجمال أهميته بالنسبة إليهم ويريدون زوجة تؤنس وحدتهم. تواجه نجية الفشل في الزيارة الأولى، لكن في المرة الثانية قال أحد الشيوخ إنه استراح لمجاهد، وطلب نجية للزواج من دون أن يراها. وسوف تمر السنون، ويفاجأ أهل ‘العش’ ذات يوم بامرأة ستينية تصحب فتاة أربعينية جميلة اسمها ‘زينة’ قادمتين من فلسطين، هربا من مذابح اليهود. ‘زينة’ أيضا لها حكاية فهي أرملة غسان الفدائي الذي قتلته العصابات الصهيونية، وهي المكلومة على طفلها رياض الذي أخذه خاله زياد إلى سورية هربا من المعارك، إلى أن تدرك وندرك معها بعد مرور السنين، أنه اغتيل في قبرص باعتباره قياديا في تنظيم حركة الجهاد الإسلامي. يتكاثر الأبناء والأحفاد في بيت الديب حتى يصعب على القارئ متابعة أنسابهم، ولربما كان من المفيد أن يذيل المؤلف الرواية برسم يوضح شجرة العائلة مما كان سيسهل على القارئ الولوج إلى متاهة شخصيات لا تحصى. وتبرز عبر الرواية أحداث هامة تعرضت لها ‘العش’ من وباء الطاعون والفيضان وقمع السلطة، وتنتشر بين أهلها حكايات خيالية عن الضابط الشاب جمال عبد الناصر الذي أزاح الرئيس نجيب من منصبه، وعن أنه موجود في كل مكان من أرض مصر، ويستطيع أي شخص أن يصل إليه، إلى درجة أن تلاميذ المدارس يراسلونه فتأتيهم صوره ممهورة بتوقيعه، وصار حاضرا دائما في رهانات الصغار والكبار، ويتحدى أحدهم الآخر بقوله: لو كان أبوك جمال عبد الناصر أن تفعل كذا. وتتوالى على ‘العش’ أحداث النكسة وموت عبد الناصر والعبور وزيارة السادات إلى القدس، إلى أن يموت عميدها مجاهد الديب عن تسعين عاما، ويتلقى عزاءه تسعة وثلاثون ابنا وحفيدا. تصبح ‘العش’ اسما على مسمى، ورمزا للمأوى والمآل الذي يعود إليه أهله بعد سنوات الشتات والغربة كي يدفنوا في ترابها. ورغم متاهة الأسماء والأنساب وتشابك الشخصيات والعلاقات التي يصعب حصرها في هذا المقام، يغوص القارئ في صفحات العمل، تشده لغة سلسة معبرة عن واقع تاريخي واجتماعي وإنساني لأجيال متعددة لم يكن قوامها فقط بيت الديب ولكن الوطن على اتساعه.
من أجواء ‘بيت الديب”لم يخطئ سلامة في اختيار الوقت المناسب، ولا مرة واحدة في حياته، لكنه اختار التوقيت الخطأ لموته. كان متكئا في فراش احتضاره تسنده مسعدة، بينما وقف شقيقه محمود والحاجة مباركة والحدباء يتابعون لهاثه الواهن، عندما قطع التليفزيون إرساله وبدأ في بث تلاوات قرآنية. ‘رد يد مسعدة بكون الليمون. غمست إصبعين بالكوب وبللت شفتيه. أشار إلى الملتفين حوله فمددوه، تجشأ بعمق، وسكن. أسبل محمود عينيه متمتما بالدعاء، وشدت مسعدة الغطاء حتى أخفت وجهه. في اللحظة ذاتها، توقفت التلاوة في التليفزيون، وانطلق صوت متهدم: ‘أيها الاخوة المواطنون، فقدت الإنسانية كلها رجلا من أغنى الرجال، رجلا من أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال، هو الرئيس جمال عبد الناصرô’. (الرواية، ص 259)ناقد من مصر يقيم في نيويورك