ثقة الشارع : تلك الفرصة الثمينة التي قد يهدرها الإعلام التونسي

حجم الخط
0

لسنين طوال، ظل التونسي يتابع أخبار بلده من الخارج، من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة القادمة من خارج تونس. كان في السابق يستعمل جهاز الراديوا محاولا إلتقاط موجات الإذاعات الأجنبية سواء الناطقة بالعربية أو الفرنسية (خاصة الأوروبية منها). ويبقى متسمرا حتى يدقّ ناقوس ‘بيج بان’ ويسمع ‘هنا البي بي سي’ أو ليقول المذيع ‘راديوم مونتي كارلو’ أو ‘دوتشي فلي’ ليتعرف على ما تتيحه تلك الإذاعات من أخبار عربية علّ خبرا محليا يتسرب عبر تلك الموجات.

وبعد تعدد المطبوعات القادمة من الخارج تعددت الخيارات المتاحة نسبيا أمام التونسي، فتجده يتسمّر أمام أكشاك الجرائد والمجلات كل صباح لوقت طويل حتى يقرر شراء الجريدة أو المجلة القادمة من وراء الحدود. ويكون قراره مبنيا في الأساس على ما قد تحتويه المطبوعة من مقالات وأخبار في الشأن الخارجي وخاصة الداخلي تكون قد تسربت من مقصّ الرقيب الذي نادرا ما يفلت منه خبرا أو مقالا ذا قيمة حقيقية من دون قطع.

أما إذا كانت الجريدة قديمة بعض الشيء لأنه أفرج عن أعدادها المتتالية دفعة واحدة بعد بضعة أيام (مثلما كان يحدث مع ‘القدس العربي’)… فذلك لا يهم، المهم أن الخبر الذي يتحدث عن واقع تونس لايزال موجودا. أما تلفزيونيا فالتونسي خاصة في العقد الأخير أصبح مجبرا على السهر حتى الساعة الحادية عشرة ليلا بتوقيت تونس لمتابعة ‘الحصاد المغاربي’ عبر قناة الجزيرة وهو متلهف لخبر أو صورة قد تقع عيناه عليه ويتطرق لشأن بلده الذي حرمته وسائل الإعلام المحلية من رؤية بقية فصوله الثلاثة عدا الربيع المزدان باللون البنفسحي أو بصورة ‘سيادة الرئيس’ أو في أقصى الحالات ‘باتجاه معاكس’ موضوعه كروي.

لكن، طوال كل تلك السنين العجاف إعلاميا لم يكن التونسي العادي فقط هو الخاسر الوحيد، بل إن الخاسر الأكبر كان الإعلام في تونس ككل.

الجريدة كانت من الخاسرين، والقناة التلفزية خاسرة والمجلة خاسرة والإذاعة خاسرة وكل صحفي منفرد خاسر أيضا. هذا ناهيك عن الشركات المحلية الباحثة عن وسائل إعلام حقيقية قادرة على تبليغ رسالتها الدعائية. فالتونسي هجر تماما الإعلام المحلي كما هجر هذا الأخير همومه الحقيقية وآلامه وتركه في غربة لا يجد من يضمّ صوته إليه. وكانت حجة هذا الإعلام الوحيدة خلال تلك الفترة – القريبة زمنيا – أنه كان مغلوبا على أمره وكان بين مطرقة منع الدعم الحكومي وسندان المنع من النشر والتداول تمام (أو البث). وفي مقابل ذلك كان الكلّ يتفهّم الكل، فالمواطن العادي كان مغلوبا على أمره وبعلم الإعلام، والإعلام أيضا كذلك وبعلم وتفهّم المواطن (ولو أحيانا). وهذا التوازن والتفهم بين هذه الجهة وتلك لم يغير في الواقع شيئا غير إطالة عمر الاستبداد والفساد وإطلاق يد النظام للقمع والاستفراد بكل طرف.

أما بعد الثورة مباشرة فإنه من سارع بتغيير النظرة كما سارع في تغيير النظام هو المواطن الذي كان في غاية التسامح مع كل وسائل الإعلام خاصة المكتوبة منها، رغم تواطئها في الماضي. فتصالح التونسي مع وسائل الإعلام المحلية وزاد إقباله عليها على اعتبار أنها تمثل صوت الثورة الموحد (والأكيد أن الجرائد والمجلات من أكثر العالمين بذلك من خلال زيادة حجم مبيعاتها). فالثورة كما يعتبرها التونسي العادي ليست ملك شخص ولا تمثل شريحة ولا مؤسسة ولا طبقة، بل هي ثورة للجميع ومن أجل الجميع. لكن يبدو أن خيبة أمل التونسي في وسائل الإعلام بدأت تظهر ملامحها. ويبدو أن المؤسسات الإعلامية بدأت تفصح عن وجهها الحقيقي المعادي لتطلعات المواطن التونسي الباحث عما يرسخ إنتماءه لمحيطه وثقافته وأصله بعد سنوات من الغربة وسط الديار. ويظهر ذلك جليّا في الحملة الشعواء التي تشنها أغلب المؤسسات الإعلامية على كلّ من يحاول العودة إلى دينه الحنيف من خلال التقيد بالسّنن النبوية. وأصبحنا نرى أو نقرأ كل يوم عنوانا تلفزيونيا أو عمودا صحافيا يحاول التطرق لظاهرة من الظواهر التي عادت إلى الشارع التونسي بطريقة مشوّهة لا تغني عن الحقّ شيئا.

صحيح أن الشعب التونسي متحمس ومتعطش كثيرا للخطاب الإسلامي الحق الذي غيّب عنه لسنوات وهذا دفع بعض الإخوة للحديث فيما لا يفقهون وتقمّص أدوار ليسوا مؤهلين لها، لكن ما هو صحيح أيضا وثابت وخطير أن الإعلام التونسي أظهر حقدا شديدا على كل من يتبع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ويتقيد بها وعلى كلّ متديّن، فنرى الإعلام ينهمك في تضخيم كل تصرف ولو كان فرديا ويخوّف منه ويهوّله في محاولة إلى فرض رأي واحد أو دعم موقف واحد… أو العودة بتونس إلى خدمة السيّد العلماني الواحد.

لم نعد نعرف سبب الهجمة الشرسة والمنظمة التي يشنها الإعلام التونسي بكل أشكاله على من يرفعون راية الإسلام سبيلا للخلاص في تونس بعد زوال نظام القمع والتعتيم. وهذه الهجمة غير المبررة قبيل استحقاق انتخابي مهم في تونس قد تثبت للتونسي يوما بعد يوم أن الإعلام في تونس ليس من الشارع والشارع ليس منه في شيء. وأن ما ادعاه هذا الإعلام في السابق من أنه كان مغلوبا على أمره إنما هو محض ادعاء لا صحة له. لكن أصحاب هذا الشأن (الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية) نسوا أنها فرصة واحدة أتيحت لهم لكسب ثقة المجتمع من جديد (أو بالأحرى لأول مرة)… وقد يهدرها.

بدرالدين ميساوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية