الصادق بنعلال يعيش الشارع المغربي على وقع الانتفاضات الشبابية التواقة إلى التغيير الجذري، والتحول الهيكلي في نسق الدولة ونظام الحكامة بالمعنى الأشمل، على أمل إنجاز إقلاع تنموي يتناغم وما تعيشه مختلف المجتمعات الغربية والديمقراطية بشكل عام، بعد انتظار طال أمده عقودا من الزمن وتجاذبات سياسية طاحنة بين أصحاب القرار وذوي الضمائر الحية من أبناء الشعب المغربي. وهكذا وبعد مسيرات شعبية حضارية تستحق التنويه والتقدير، أعلن عاهل البلاد الملك محمد السادس في خطاب ثوري ومتميز (9 3 2011)، عن رزمة من الإصلاحات التي فاقت سقف مطالب الهياكل والتنظيمات الحزبية والمدنية، ولعل المبادرة الملكية المعنية بالأمر من شأنها أن تشكل أوراشا وطنية لاجتراح القوانين والاقتراحات ذات الصلة بالأبعاد السياسية والدستورية والجهوية، من أجل صوغ ميثاق وطني يضع حدا للتعاطي السياسي المعهود والمتجاوز مع القضايا المجتمعية المصيرية، والتأسيس لعهد جديد يرنو إلى مغرب ممكن: مغرب الحرية والعدالة والكرامة. بيد أن السؤال الذي نود طرحه في هذا السياق هو: ما هي المطالب والأهداف التي خرج من أجلها الشباب المغربي؟ قبل تقديم بعض عناصر الإجابة، نذكر بأنه لا يحق لأي كان أن يدعي تحت أي ظرف أنه يمثل الشعب المغربي، لغياب دراسات علمية وميدانية واستطلاعات الرأي المتخصصة لإثبات ذلك.
وإذا وضعنا جانبا مبالغة بعض المقالات ‘الصحافية’ المتحدثة عن تجاوز كل التحفظات ومحو الخطوط الحمراء، والدعوة إلى صياغة ‘دستور’ شعبي يقوم مقام الدستور الرسمي.. فإننا نرى أن أبرز مطالب الشباب المغربي هو العمل الجماعي من أجل محاربة الفساد بكل أشكاله، وإقامة ملكية برلمانية ديمقراطية تستلهم آخر مستجدات الفكر السياسي الكوني، ويقيني أن أي مواطن مغربي غيور على حاضر ومستقبل بلده، لا يمكن إلا أن يساند من دون قيد أو شرط هكذا مرامي البناء العقلاني لمغرب الغد، مغرب اقتسام الثروة والتوازن الموضوعي بين جهات المملكة والقطع مع اقتصاد الريع والمحسوبية ونهب المال العام، وإقامة هياكل حزبية وأهلية مؤهلة، أو بكلمة مختزلة، الديمقراطية بمعناها الحصري؛ السلطة بيد الشعب المسؤول عن تقرير مصيره في مناخ من التنافس السياسي الحضاري. غير أننا نرى في الواجهة الأخرى من ‘يتطلع’ إلى أبعد من ذلك وأدهى، إلى خلق معارك وهمية وإشكالات مزيفة لا يوليها الشارع المغربي اهتماما يذكر، اللهم الا بعض ‘المناضلين والحقوقيين’ المزعومين الداعين إلى انتظارات من قبيل؛ العلمانية وترسيم ‘اللغة’ الأمازيغية وحرية ‘المعتقد’.. والحال أن الشعب المغربي (أكثر من 30 مليون نسمة) لا يمكن أن يتنازل قيد أنملة عن النظام السياسي الملكي الديمقراطي، والدين الإسلامي الوسطي / المعتدل، والوحدة الترابية للمملكة. وغني عن البيان القول إن الممارسة الديمقراطية السليمة لا يمكن إلا أن تفضي إلى هذا المنحى الإيجابي. وعلى الرغم مما تتميز به التجربة السياسية المغربية من حركية ملموسة، وفاعلية نشيطة مقارنة بمثيلتها العربية، إلا أنها في أمس الحاجة إلى المزيد من الاجتهاد المتواصل والذكاء الاستراتيجي لإحداث تغيير في البنية الثقافية ونمط معاينة الإنسان والعالم والمجتمع. إن الإطار المعرفي والسياسي الذي نشتغل داخله، لا يمكن أن يمدنا بالميكانيزمات او الآليات الكفيلة بإحداث طفرة نوعية نحو مأسسة المجتمع والسير بهذا الأخير نحو بر الأمان، وإذا كان المرحوم الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري قد طرح سؤالا دراماتيكيا في ثمانينيات القرن العشرين وهو: هل يمكن تحقيق ‘نهضة’ عربية بعقل غير ناهض؟ فإنه قد يجوز لنا أن نطرح سؤالا آخر على نفس المنوال: هل يمكن إحداث تغيير بنيوي بعقل غير ‘مغير’ ومهيأ إبستيمولوجيا وأيديولوجيا لكسب رهان البناء الأكبر، بناء وطن أبقى وأقوى وأسلم؟ فإذا كانت الثورتان التونسية والمصرية قد وضعتا حدا لزعيمين عربيين اشتهرا بالاستبداد والقمع البوليسي الرهيب، فإنهما لم تتمكنا من تغيير جذري للنظام السياسي الذي مازال يشتغل وبطرق مخالفة ومضمرة. إننا لسنا في حاجة إلى خرجات إعلاموية سائبة ومستفزة، وتصريحات سياسوية عمياء، بقدر ما أننا في حاجة ملحة إلى التعاطي العقلاني والنقدي مع متطلبات المرحلة المفصلية لبلادنا، وتحديد الأولويات والاستفادة من تجارب الآخرين، ولعل أوجب الواجبات بالنسبة للمغرب الآن، هو تحيين المطالب الواقعية وأجرأتها وتفعيلها على أرض الواقع، بعيدا عن الانشغال بالأسئلة المزيفة التي تروق بعض المتشددين يمينا ويسارا.’ باحث في قضايا الفكر والسياسة