بلاد العرب اوطاني

حجم الخط
0

خليل قطاطويحكى أن والياً ـ ولى نفسه بنفسه ـ على اليمن السعيد مدة تزيد على ثلاثة عقود، ويقال ان في عهده لم يعد اليمن سعيداً أبداً، وانتشر الفساد والفقر والبطالة حتى كثرت الشكاوى دون جدوى، ومن طريف القول انه كان يدعى صالحاً، ولم تكن افعاله تطابق كنيته فكان ان اشتهر اسمه بين الرعية طالح.

في نهاية العقد الاول وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أفاقت الشعوب العربية فجأة من غفوتها التي دامت اكثر من أربعة عقود وانتفضت وثارت على حكامها في عدة اقاليم اذ تبخر الخوف دون سابق انذار، وغادرت الجماهير منازلها وافترشت الشوارع والميادين واقسمت ان لا تغادرها الا اذا حصلت على حريتها المسلوبة في البداية خرج الشباب واليافعون ثم لم يعد هناك للسن اي اهمية فخرج الكبار ايضاً.

في البداية تمسك الولاة الفاسدون بعروشهم، وانتشر العسس والجند يفتكون بالعزل من الناس في الساحات، وأفتى علماء السلاطين بأن الخارجين على الولاة ـ بغير حق ـ زنادقة يقام عليهم الحدود لدرء الفتن حتى تستقر البلاد.

فئات قليلة في كل اقليم اصطفوا خلف الولاة، وسماهم العامة بلطجية في اقليم مصر، وبلاطجة في اقليم اليمن والشبيحة في اقليم الشام والكتائب في اقليم ليبيا… قام المناصرون لولاتهم الفاسدين بقتل الثائرين، وأصدر الولاة مراسيم يشهّرون فيها بالمتظاهرين، فتارة يصفونهم بالعملاء وطوراً بالمندسين ومثيري الفتن. ومن طريف القول ايضاً ان مراسيم صدرت من كل الولاة تتفق في مجملها بان مطالب الحرية التي تنادي بها الشعوب هي مطالب مشروعة وانهم ـ الولاة الفاسدين ـ مستعدون للاصلاح واطلاق الحريات، وتوسلوا شعوبهم ان تمنحهم فرصة اخرى ويكملوا فترة ولايتهم غير المنتهية بعد وأصرت الشعوب على مطلب واحد لم يتغير في كل المدن والبلدات ـ الرحيل.

مرت الشعوب بأوقات عصيبة، وبلغت القلوب الخناجر ولكنهم لم يلينوا ابداً وأصروا على مطالبهم رغم قلة عتادهم او بالأصح انعدامها.

مفارقات طريفة وغريبة سجلها الرحالة اثناء تلك الفترة من تاريخ العرب الحديث نذكر بعضها منها:

صالح اليمن الذي عاد سعيداً بعد رحيله كانت خطاباته تشير امتعاض اللغويين وحتى المبتدئين في علوم النحو والبلاغة، فكان صالح هذا لا يهدأ له بال ولا تقر عينه الا اذا نصب الفاعل ورفع المفعول به وأضاف الضمة الى المجرور وخلط بين اخوات ان وكان، ومع كل هذا كان ولاة الحجاز يحسدونه على بلاغته وارتجاله لانهم بالكاد كانوا يستطيعون تهجي الاحرف والكلمات التي كتبت لهم.

والي ليبيا كان بدوياً ولكنه لم يعرف من البداوة الشهامة او النخوة او الحلم. أحاط نفسه بالنساء كحرس، وبشقراوات من العجم يعتنين بصحته على مدار الساعة. كان فظاً غليظ القلب على الناس قصفهم براً وبحراً فما زادهم ذلك الا ايماناً. كان غريب الأطوار لدرجة ان الكثيرين من المحللين والمراقبين شككوا في قواه العقلية. كان زاهداً لا يستقبل ضيوفه الا في الخيام ويأخذ خيامه معه في حله وترحاله مع ان المؤرخين قدروا ثروته او جزءا منها باثنين وثلاثين ملياراً في امريكا فقط، اي ما يكفي لاشباع افريقيا كلها. كان له من الاولاد سبعة وبنت دربهم على الحرب وقتل ابناء عمومتهم واخوالهم في البلدات المجاورة مثل مصراتة والبريقة واجدابيا…. الصورة كانت مشابهة في الشام، فواليها لم يكن له ابناء بل اخوة لهم نفس المهمات كأبناء العقيد. كان يتقن فن الخداع والمراوغة والتلون حسب الحاجة، عاث في الاقليم فساداً، وسمى اقليمه اقليم الحزب الواحد. في عهده امتلأت السجون وأنكر وجود سجناء الرأي، وعد الرعية بالاصلاح وبقي عشر سنين يفكر، ثم فكر وقدر ثم ادبر واستكبر وقال انه يريد المزيد من الوقت، فالاصلاح سيتم والسرعة مطلوبة ولكن التسرع له محاذيره وعواقبه، ولكن الشعب لم يستطع الانتظار سنين عجاف اخرى فانتفض. نشر القتل والقمع في البلاد كما في اليمن وليبيا ولكنه رحل كما رحلوا لانه لم يع الدرس قط.

في اقليم الكنانة استهان الوالي بداية بالشباب المنادي بالحرية والاصلاح، ويقول المؤرخون انه وصفهم بـ’شوية ولاد صُيّع’ اخطأ في الحساب، واضطر ايضا الى الرحيل بعد محاولات مستميتة للبقاء بعد معركة الجسر، ومعركة الجمل والبغال والخيل في الايام الاخيرة عين مدير العسس ويدعى عمر سليمان نائبا له وكان ان حطم سليمان هذا رقما قياسيا في الموسوعة فكان اطول نائب رئيس لأقصر فترة في التاريخ المعاصر، وكان لخطبته العصماء القصيرة جداً شهرة واسعة ترددت اصداؤها في مختلف الاقاليم ‘قرر الرئيس محمد حسني مبارك تخليه عن منصب رئيس الجمهورية…’ الوالي مبارك ـ الذي ما داقت ارض الكنانة في عهده طعماً للبركة ـ قدم للمحاكمة هو ونجلاه جمال وعلاء.

في اقليم تونس الخضراء اعترف الوالي الذي جثم على صدور الرعية اكثر من عقدين بانه فهم رجاء الفهم متأخرا جدا جدا، ولكنه فهم بسرعة كيف يفر بطائرته الى ارض الحجاز. بعدها انتشرت الثورات كالهشيم في بلاد العرب كافة، مشرقها ومغربها حتى لم يبق اقليم واحد بمعزل عن تيار الحرية والاصلاح ومحاربة الفساد، اينع ربيع تلك السنة انظمة جديدة نزيهة وعادلة من الشعب وله ثم تلاه صيف حار جداً على عواصم عديدة مهد لخريف الانظمة الباقية التي تنتظر لملمة حاجياتها للرحيل.

احتار الدارسون كيف تم كل ذلك في وقت قصير، وكيف استطاع الشعب الاعزل التصدي لجبروت الاستبداد، ولكن ما اجمع عليه الباحثون انه لم تكن هناك قوى خارجية ابدا بل كانت عفوية جداً، ولكنها شاملة وقوية، وللغرابة متشابهة الى حد بعيد، اعتقد كل والي بانه مختلف عن الآخرين، وانه سيستطيع البقاء، ولم يتخيل اي منهم ان موقفه سيكون مثل الواقف على سطح عال لا حواف له ثم جاءت الرياح العاتية فرمت به من عل الى القاع في لحظات قاتلة لم يكن منها اي فرصة لمفر.

في البيضاء، في اقليم الشام، اعتقل جنود الوالي (والشبيحة) كل شباب القرية ورجالها، وصور له خياله الواسع ان النساء الكسيرات سيخرجن مكسورات الجناح يستعطفنه الافراج عن بعولتهن وفذات اكبادهن… وفعلا خرجن… قويات كالرجال يتحدين عصاباته ويؤكدن ان نسائم الحرية التي لاحت هي المتنفس الحقيقي لهم ولهن، ولن يقبلن بعد اليوم رياحه العفنة التي تزكم الانوف.

العُرب لا يعرفون الذل والهوان، ولكنه الصبر حتى اللحظة المواتية، هذه اللحظة دامت اكثر من اربعين عاماً، لا بأس، ولكنها حانت، رائعة، كالحلم الجميل الذي لا نهاية له.

لم تكن هذه العروس البكر ـ الحرية ـ بلا مهر، بل كان مهرها غالياً جداً، دماء زكية لشهداء شباب بالالاف، صعدوا منتشين بالنصر لتمتلئ حدائق وساحات الوطن بشقائق النعمان والياسمين، الشهداء يبتسمون الآن راضين، ونحن تدمع اعيننا قائلة لهم شكراً ـ اعدتم لنا… حياتنا.’ كاتب فلسطيني مقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية