د. نصار عبدالله
في ما أتصور فإن المؤسس الحقيقي للفساد السياسي في مصر وما اقترن به من انواع اخرى من الفساد على مدى العقود الثلاثة السابقة لثورة 25 يناير، ليس الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولكنه الرئيس المقتول أنور السادات. إن الذي أنشأ الحزب الوطني من موقع السلطة ليس هو المخلوع، ولكنه المقتول. فالسادات هو الذي قام ـ كما نعلم جميعا ـ بإنشاء حزب فوقي من أعلى موقع في الدولة وهو موقع الرئاسة، وقد كان من الطبيعي أن يجتذب ذلك الحزب إليه مجموعات شتى من المنافقين والانتهازيين والنفعيين والفاسدين، وهذا هو في الواقع ما كان يدركه جيدا، وربما هو ما كان يقصده الرئيس السادات، بدليل ما ورد قبل ذلك في الكثير من خطاباته وبياناته، راجع مثلا بيان مارس أو ورقة مايو وكلاهما من الوثائق الشهيرة للحقبة الساداتية، وفي كلا الورقتين حديث عن الأحزاب والتنظيمات التي تنشأ من موقع السلطة وكيف أنها.. ‘تجتذب إليها النفعيين والانتهازيين، وهؤلاء هم الأغلبية’، هذا هو كلام السادات نفسه وليس كلامنا.. صحيح أن السادات كان في حديثه هذا يعرض بالاتحاد الإشتراكي العربي، لكن عبارته تلك كانت تنطبق بنفس القدر على أغلب أعضاء الحزب الذي نزل إلى الساحة بعد ذلك، والذي ترأسه السيد ممدوح سالم رئيس الوزراء ونعني به (حزب مصر العربي الاشتراكي). أولئك الأعضاء أنفسهم هم الذين تركوا حزبهم مهرولين عندما عرفوا أن هناك حزبا جديدا اسمه (الحزب الوطني الديمقراطي) سوف يترأسه رئيس الجمهورية أنور السادات نفسه، صحيح أن بعض أعضاء حزب مصر العربي، من أمثال جمال ربيع ومدكور أبوالعز وعبدالعظيم أبو العطا، رفضوا أن يتركوا حزبهم وتمسكوا به، لكنهم لم يكونوا يمثلون أغلبية الحزب، شأنهم في هذا شأن العناصر الشريفة في أي حزب سلطوي، بما في ذلك الحزب الوطني ذاته الذي لم يكن يخلو من الشرفاء حتى وهو في أوج فساده. ومع هذا فإن إنشاء الحزب الوطني لم يكن هو الإسهام الوحيد الذي ساهم به السادات في تهيئة المناخ الملائم لشتى صنوف الفساد، فقد قام بعد ذلك بتفصيل دستور يمنح صلاحيات واسعة لرئيس الدولة وأعني به دستور 1971 حارثا بذلك الأرض وممهدا لها لبذور الفساد، فالسلطات الواسعة هي دائما التربة الطبيعية لنمو الفساد، ولو كان الذي يتمتع بها ملاكا، ثم خطا السادات بعد ذلك خطوة أخرى نحو التمهيد لمزيد من الفساد عندما قام في ايار/مايو 1980 بتعديل المادة 77 بحيث يصبح في إمكانه أن يعيد ترشيح نفسه ليس لمدة ثانية، كما كان يقضي نص المادة 77 قبل التعديل. بل يصبح في إمكانه أن يعيد ترشيح نفسه لمدد أخرى بلا نهاية، وهو التعديل الذي لم يستفد منه السادات، ولكن الذي استفاد هو خليفته مبارك، دائما كان الرئيس المقتول هو الذي يحرث الأرض ويهيئ التربة ويبذر البذور، وكان الرئيس المخلوع بعد ذلك هو الذي يجني الثمار، ومع هذا فإن إسهام السادات في بذر بذور الفساد لم يقتصر فقط على منح نفسه سلطات واسعة في دستور 71، ولا على اختياره للمعاونين الذين لم يكن يستهدف من اختيارهم سوى تحقيق مصلحته هو بغض النظر عن مصلحة مصر.
ومن بينهم نائبه حسني مبارك نفسه، ولم تقتصر كذلك على إنشائه لحزب يعلم سلفا أن معظم أعضائه سوف يكونون من الفاسدين، على الأقل بحكم طريقة إنشائه وموقعه من السلطة، ولم تقتصر كذلك على تعديله للمادة 77 تمهيدا لتمتعه بمزايا الرئاسة إلى الأبد، لم يقتصر على ذلك فحسب، ولكنه بدأ يحمي الفاسدين حماية مباشرة، وبدأ ينكل بالشرفاء الذين يؤدون واجبهم بنزاهة عندما يعترضون طريق الفاسدين (هل بوسعنا أن نتفهم إلغاءه لجهاز الرقابة الإدارية إلا في هذا الإطار)، ولعل المقال الذي كتبه النائب المخضرم أبو العز الحريري في جريدة ‘التجمع’ بتاريخ 18 آذار/مارس 2006 والذي أعاد فيه إلى الأذهان ما سبق أن نشرته ‘الأحرار’ في حينه عن التنكيل باللواء عبدالحميد الصغير مدير إدارة المخدرات لأنه تجرأ واعترض سبيل تاجر مخدرات لبناني جاء على متن سفينة رست في ميناء الإسكندرية وهي تحمل شحنة من الحشيش والمواد المخدرة الأخرى، مدعيا أن هذه السفينة تخص شخصا قريب الصلة جدا من الرئيس أنور السادات نفسه، يومها طلب وزير الداخلية من اللواء الصغير أن يترك ملف هذه السفينة، وبعدها بفترة وجيزة نقل إلى مكان آخر لم يدم فيه فترة طويلة ثم أبعد بعدها عن الخدمة نهائيا، وربما كان ما ذكره الأستاذ أبو العز الحريري نقلا عن ‘الأحرار’، ربما كان غير صحيح، أو ربما كان غير دقيق، غير أن الغريب في الأمر أن أحدا لم يعقب، وأن أحدا لم يكذب، وكأن أحدا لا تعنيه هذه الواقعة رغم جسامتها.’ كاتب مصري