آلان بلاتيل وفرقته في ‘خارج السياق’: أنثروبولوجيا الحركة وعلاقتها بالجسد والمحيط

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’ ـ من مازن معروف: ليلة للكوريغرافيا بلغت مدتها ساعة ونصف الساعة ضمن نشاطات مهرجان بيروت للرقص الدولي المعاصر في دورته السابعة كانت لآلان بلاتيل مع فرقته ‘Les Ballets C de la B’ (تأسست عام 1984). سمى عمله ‘خارج السياق’، وهو بهذا المعنى، اراد دفعه بعيدا عن أي تأويل. مع ذلك، كنا أمام اختبار لفطرية الجسد، وتعريه، والانعزال به بعيدا عن أي حكم عقلاني، او سلطة ذهنية عصبية. الكوريغراف البلجيكي، عمل على تحويل الجسد إلى مادة اولية، حيوانية، لا هوية لها خارج كينونتها، او ما يشكلها من لحم ودم وجلد وعظام وحركة وفضول أيضا. دخل الراقصون الثمانية تباعا إلى المسرح، وبدأوا بخلع ثيابهم. ثم، وضع كل منهم، بعد أن بقي بملابسه الداخلية، غطاء أشبه بجلد حيوان. لتبدأ معها رحلة الحواس. العلامة الاولى: توظيف الفعل الجسماني / الفيزيولوجي ‘العادي’ داخل سياق كوريغرافي، بإعطائه وظيفة ما. الخلع سيكون مقدمة لخطوة تالية، ينفلت فيها الجسد، ويتماهى مع فكرة الكوريغراف، بعيدا عما هو خارج الخشبة. قسم بلاتيل بذلك المكان إلى قسمين: داخل الخشبة وخارجها. الراقصون يصيرون أجسادا غير معلومة، حركية، مسيرة وفق منطق الفن، وليس الحياة. ليس عليهم أن يلتفتوا إلى هويتهم كبشر، بل إلى أجسادهم وحدها وما تطلبه هذه الاجساد وما تعيشه او ما يفرض عليها. التشكيل السينوغرافي، يتمثل سريعا بموضعة الراقصين أو تموضعهم على الخشبة، مدثرين أجسادهم العارية تقريبا، بتلك الملاءات الثقيلة، ذات اللون الواحد، التي تذوبهم، كعناصر في نظام محدد، الخروج عنه ممنوع في بداية العمل. أصوات حيوانات، بهائم، تكسر الصمت الذي يفرضه بلاتيل في البداية، مقابل تشديده على عشوائية، او خصوصية كل راقص/ كائن بدائي على حدة عبر وقوفه، أو إلى أي جهة من البوصلة يقف جسمه. وهي لعبة الإيقاع وتنويعه كذلك. يلفت النظر أن الطريقة التي يتدثر بها هؤلاء تذكر بالانسان القديم، أو إنسان الغابة، غير الناطق (يعمل بلاتيل على اختزال الصوت وتحويله إلى مجرد إشارة مسموعة ‘منزعجة’ وغير مفهومة)، غير المحكوم بسلطة الوعي والعلم والفلسفة. إنه جسد طبيعي، فطري، لذلك، سيوظف حواسه الاولى، الشم تحديدا، لتبيان علاقته بالآخر. يقترب الراقصون من بعضهم بعضاً. كل منهم يتحسس جلد الآخر بمنخريه. يشكل استثمار هذه الحواس، لغة فيزيولوجية تنبثق من الحاجة إلى التواصل مع المحيط، باستخدام الجسد نيئا. سنكتشف أن ما يسميه بلاتيل ‘خارج السياق’ هو على العكس تماما، ‘السياق الكلي’ للجسد، بيوغرافيا مسيرته وتطوره واستعماله الحركة للفرح، بعد أن كانت حاجة محض للبقاء. اتكل بلاتيل على حركة بدائية أحيانا، حيوانية (الرفس إلى الخلف)، ليؤلف لغة قصيرة، رمزية، سردية، مينيمالية. وهي الحركات التي تحاكي الدثار ذا اللون الجلدي لتؤلف رابطا مع البيئة الداخلية للعمل / البيولوجية. هذه الحركة لا تخرج عن كونها وظيفية، إيحائية، تمتثل لخيط السرد الواضح / القصة، في العمل. ستلي ذلك مجموعة حركات قصيرة، حادة، تتلمس الفضاء القصير/ مساحة الحواس الأولية – المحدودة. إنه تحسس الفضاء ‘المتواضع’ أو غير الطَموح، للجسد. هنا تشكيل أول الأنماط (paerns) في العمل، حيث الراقصون يتآلفون، في نظام حركي واحد، يمتثلون لحركة وحسب، وإن بصورة مؤقتة. الباب سينفتح أمام كسر نمطية الحركة. بلاتيل يُدخِل الجنون، الهيام بالجسد الحيواني، الاضطراب، الروبوتية، عبر رجل وفتاة، ينأيان عن الآخرين بالانعتاق في مساحة بسيكولوجية، مقابل تحميض الجانب الفيزيولوجي للكائن لدى باقي الراقصين. يعمل بلاتيل على فصل الدماغ عن الجسد. الاوامر العصبية المشوشة هي كل ما يدور في فلك هذا الجسد، ويحدد فضاءه. الكينونة الكلية للإنسان، تجتزأ. لا مكان لضبط علاقة الكائن الإنسان ‘الحيواني’ بنظيره. سيفتح هذا التخلي عن الدماغ ‘المهندس’ للحركة، مجالا امام الكوريغراف البلجيكي كي يقيم حوارات فيزيولوجية، تتشكل، وتتطور، ويأخذ الشق ‘المتعقل’، دورا أكبر فيها خلال العرض. وهو ما سيأخذ العمل ليتحول إلى مجموعة من الثنائيات / الكتل الراقصة من فردين، لكل منها ألفتها وسكونها وصخبها أو حتى استقلاليتها. إنها محكومة بنظام داخلي مستجد، أو تصبح كذلك. وفيها نلحظ انعكاسا لتطور العقل وتدخله في الجسد، ومن ثم ضمه العاطفة كشريك ثالث داخل الأنا الواحدة نفسها. يتحول الصوت ليغدو إشارة حركية. توظيف المؤثر الإيكوستيكي، يفتح المساحة البسيكولوجية، ويضعها ندا للجسد المادي (المعزول أصلا عن سلطة العقل)، الميكانيكي، و’ الحيوي’. هذا لا يمنع الدراما من أن تطل عبر تكثيف حالة فردية معينة، أو ربطها بفرد آخر، أو تكريرها أو التشديد عليها. الملامح الوجهية للراقصين ستؤدي شيئا من هذه المهمة (انقباض عضلات الوجه، انتفاخ العيون، شد العضلات وارتخاؤها عند محور الفم). بحث بلاتيل في علاقة الجسد بكينونته ومحيطه في آن، ومن ثم تطور قدراته التعبيرية، والذهنية والنفسية، سيضع العرض في إشكال ‘رومانسي’. إنه جسد يصرَّف كوريغرافيا. أبعاد جديدة تختبر للفضاء وتمدد الأعضاء، ومراوحة الجسم ما بين الأرضي والسماوي بعيدا عن الميتافزيقيا. الحيوان نفسه هو المرجع للسياق الحركي. تتعزز روابطه باللا غاية / الفطرة / التنويم، مقابل كثافة التفاصيل وتكومها فوقه. ‘خارج السياق’ هو دراسة أنثروبولوجية للجسد، وتطور علاقته بالحركة، أي، من كونها حركة ضرورية، إلى اعتبارها ترفا وشكلا فنيا. لهذا، يأخذ القسم الأخير من العرض شكلا مسرحيا استعراضيا، ينهل من موروث الحركة / الرقص الإيقاعي، في العقود الثلاثة الأخيرة ويذوبها ضمن ‘خارج السياق’، ولا بد من الإشارة إلى أن العمل، خصوصا في نهايته تضمن حشوا للحركة، وكان يمكن اختصاره بتشذيب اجزاء كبيرة منه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية