يا دامي العينين والكفين إن الليل زائل!

حجم الخط
0

مالك التريكي كتب طالب بحريني يدرس الهندسة الميكانيكية في بريطانيا مقالا في الغارديان قبل أيام قال فيه إنه شارك الشهر الماضي في مظاهرة سلمية في مدينة مانشستر نادى فيها المتظاهرون بتأييد ‘الدعوة إلى الديمقراطية، والمساواة في الحقوق والإصلاح الدستوري الكفيل بتأمين الحقوق الإنسانية الأساسية والتعايش السلمي بين جميع الفئات الدينية والعرقية’ في البحرين. وبعد ثلاثة أيام من المظاهرة تلقت عائلته اتصالا هاتفيا من وزارة التعليم في البحرين تخطرها بأن منحة ابنهم الدراسية قد قطعت، وأن عليه أن يعود إلى البحرين على الفور وإلا فإنه سيواجه ‘عواقب وخيمة’. وأوضح الشاب أنه يعاني الآن هو وبقية الطلاب البحرينيين الذين قطعت منحهم الدراسية عقب مشاركتهم في المظاهرات السلمية في بريطانيا، وأنهم يعيشون في ضنك وخوف وأنهم يعرفون أنهم سيتعرضون للاعتقال حال عودتهم إلى البحرين، حيث أن ‘هنالك كثيرا من الحالات الموثقة لطلاب اختفوا إثر عودتهم إلى البحرين’. ليس في هذه القصة أي شىء خارج على معتاد سلوك النظام السلطاني في الوطن العربي: انتقام فوري بسحب المنحة الدراسية، فتربص بالضحية حتى تعود إلى البلاد… هنالك ينزل بها أشد العقاب. تنكيل. وتعذيب. وقتل. كثيره عمد وقليله ‘بوجه الخطأ’. ومصير لا اسم له ولا تفسير. مصير يظل غفلا في مجاهل ‘الاختفاء’ فيزلزل بتراجيديته كيان العائلة الملتاعة. قصة تجري في البلاد العربية مجرى القاعدة. ولهذا فقد نشرتها الغارديان تحت عنوان ‘إذا كنت بحرينيا، فإن احتجاجك في بريطانيا قد تكون له عواقب وخيمة’. قصة عادية في سائر الأيام. لكنها تصير استثنائية في مثل هذه الأيام. ذلك أنها تنشر في صحيفة أجنبية باعتبارها مشهدا خلفيا من مشاهد ثورة شعبية بحرينية لم يعد لها من ذكر ولا صورة ولا أثر في الإعلام العربي. هذا رغم أن الانتهاكات وأعمال القمع داخل البحرين لا تزال مستمرة. قصة لا يمكن أن تسمع مثلها اليوم في أي قناة إخبارية عربية، ولم يعد من الممكن أن تقرأ مثيلا لها إلا في قلة قليلة من الجرائد العربية.

إذ الحقيقة المرة الشائنة هي أن الإعلام العربي السائد لم يبذل أي جهد في تأييد ثورة الشعب الشقيق في البحرين. بل إن الأمر قد آل بسائد الإعلام العربي، ‘ثوريّة’ و’رجعيّة’ على حد سواء، إلى الإشاحة بالنظر عن دوار اللؤلؤة في المنامة وإلى تغييب القضية البحرينية تماما. لقد ولدت ثورة شعب البحرين العربي في وضح شمس الحقيقة الإنسانية ووئدت في ظلام الأباطيل الرسمية. لكن الإعلام العربي، المكروه منه والمحبوب، لم يؤيد الثورة الشعبية ولو بأضعف الإيمان. كانت الثورة البحرينية، التي تطالب بالمساواة في حقوق المواطنة المدنية والسياسية، ثورة سلمية تناضل بالتي هي أحسن. لكنها قوبلت بالعنف الممنهج والقمع الشديد. تعرض المحتجون المسالمون للتقتيل بينما كانوا نياما. ومنعت سيارات الإسعاف من القيام بدورها الإنساني، ووضع الأطباء والممرضون موضع الاتهام وحولت المستشفيات إلى مصائد للمعتقلات. وبعد كل هذا الاستئساد الداخلي تم الاستنجاد بالقوات الخارجية. فإذا بالثورة البحرينية تقمع بالحديد والنار بمثلما قمعت الثورتان المجرية عام 1956 والتشيكوسلوفاكية عام 1968: جمعا بين الاجتهاد في التنكيل المحلي وبين الاستنجاد ببأس ‘الأخ الأكبر’. صحيح أن أهمية البحرين الجيوستراتيجية البالغة بالنسبة للقوى الكبرى والإقليمية إنما تضع الجزيرة الصغيرة في قلب لعبة دائمة تتجاوزها- لعبة لا مجال فيها لمخالفات من جنس حق الشعوب في ‘تقرير المصير’. لكن في التاريخ مؤشرين، على الأقل، يبشران بأن البلاد سوف تؤول لأهلها جميعا في دولة مدنية تنتمي لمنطق العصر. المؤشر الأول هو أن بين البحرين وتونس شبها من حيث عراقة الاستثمار في السلم والعلم والثروة الإنسانية. وبما أن الشعب أراد الحياة الديمقراطية، فلا بد… ولو بعد حين. أما الثاني، فهو أن بودابست لم تمت. وبراغ لم تمت. أما الديناصور السوفييتي فقد مات قبل الموت. فيا شباب البحرين: ‘يا دامي العينين والكفين.. إن الليل زائل. لا غرفة التوقيف باقية ولا زرد السلاسل. نيرون مات ولم تمت روما، بعينيها تقاتل. وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية