بوشعيب الساوري1. يعد حبيب عبد الرب سروري واحدا من الروائيين اليمنيين الذين حققوا تراكما سرديا مهما في السنوات الأخيرة؛ فقد أصدر رواية ‘الملكة المغدورة’ (بالفرنسية عن دار لارماتان، ترجمها إلى العربية الدكتور علي محمد زيد، دار المهاجر،2000، وأعادت طبعها مجددا وزارة الثقافة اليمنية، ايار/ مايو 2004.). ثم انتقل ليكتب باللغة العربية ثلاث روايات وهي: ‘دملان’ (ثلاثية روائية، نُشِرت عن مؤسسة العفيف الثقافية، نيسان / أبريل 2004.) ورواية ‘عرَقُ الآلهة’ (مؤسسة العفيف الثقافية، كانون الاول / ديسمبر 2005.) التي نشرت بعد رواية ‘طائر الخراب’. يتسم متخيله الروائي بالانشغال بما يقع في بلده اليمن، بتشخيصه ونقده حينا وأسطرته حينا آخر، أو المزج بين ذلك حينا آخر، انطلاقا من المسافة المكانية التي تفصله عن وطنه، من خلال مقامه في فرنسا وتسمح له بالتأمل والكشف والمقارنة بين الهنا والهناك ورصد تحولات المجتمع اليمني.2. تحكي رواية ‘طائر الخراب’ قصة شخصيتين يمنيتين (نشوان وإلهام) جمعهما الحب والغربة في فرنسا، الحب الذي قاد البطل نشوان إلى الاصطدام بغموض والتباس إلهام وأفسد عليهما حبهما وحميميتهما. يضطر إلى كشف ذلك بالعودة إلى اليمن فيصطدم بصور الخراب والفساد على جميع المستويات اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
فيكتشف أن إلهام تعرضت لاغتصاب وهي في سن العاشرة، ساعدها زوج أختها خالد فسافرت إلى فرنسا عام 1985 لدراسة اللغة الفرنسية. لكنها اختارت البقاء في فرنسا ومواصلة دراستها الجامعية وتخصصت في الرياضيات. لكنها لم تستطع التخلص من ماضيها الذي كان سببا في غموضها، خصوصا في علاقتها مع نشوان الذي بلغ درجة علمية مهمة، فتظل إلهام غامضة في نظره تحمل معها سرا ما. وعلى الرغم من الحب والسعادة اللذين كان يعتقد أنه ينعم بها، وكلما حاول فهم غموض إلهام، كانت تفلح في مراوغته حتى اختفت من حياته في يوم من الأيام، الأمر الذي أدخله في غيبوبة. وعندما استفاق اكتشف كارثة، بعد أن فتش أوراقها وعلبة رسائلها وكراسة مذكراتها، وهي ديون إلهام. سددها عبر بيع منزله، ثم سافر إلى اليمن ليجد نفسه أمام مجموعة من الصور الصادمة؛ التخلف، الفقر، الاستغلال الجنسي، التسول، فوضى النسل.
حاول قراءة الأدب ليكشف مدى تفاعله مع الواقع، لكن الكتب المنشورة كانت ضعيفة ولم تشف غليله، فلجأ إلى الإنترنيت، فعثر على قصة للكاتبة اليمنية نادية الكوكباني، التي كانت صورة أمينة عن الواقع، إلى أن التقى مع صديقه حسن المرشدي الذي حكى له القصة فوجدها قصة واقعية أبطالها إلهام وأختها نعيم، فورد بالصدفة ذكر ‘نعيم’ بأنها زوجة صديقهما القديم خالد الشرفي فدله على مكان نعيم التقاها في فندق هيلتون بصنعاء بتنسيق من حسن المرشدي، فباحت له بكل تفاصيل القصة التي قرأها وكيف ساعدها زوجها خالد الشخصية المتحررة في تجاوز مشكلتها.
كلما حاول نشوان الاقتراب من إلهام ازدادت صور الخراب، وازدادت الكارثة، فهي تمثل الوطن الذي ابتعد عنه الكاتب، ففي كل مرة يحاول السارد فهمها والاقتراب منها، يعكر عليه غموضها ذلك ويحرمه من لحظات خطط لها كثيرا، وكلما ازداد الاقتراب ازداد الخراب. تقول إلهام السارد:’ لعلك اخترت بمحض إرادتك أن تنتقل إليك عذابات ‘طائر الخراب’! أنت مسؤول وحدك عن قرارك… اللهم إني بلغت!'(الرواية، ص.27.) هربها كشف خرابها النفسي(الديون، لعب اللوطو، الشعوذة)، في أرض الغربة، والسفر إلى اليمن جعل نشوان يكتشف تحول عدن وتراجعها عبر مجموعة من المظاهر والصور التي اكتشفها عن قرب، فكلما اقترب ازدادت حدة الخراب، كما اكتشف أنها تعرضت للاغتصاب.
فرض الغوص في شخصية إلهام الملغزة على نشوان الانتقال بين عدة أماكن، كما تطلب انتقاله بين عدة قضايا، ستجعل الرواية تتسم بتعدد لغوي يساير تعدد القضايا المطروحة، كما أن الانتقال في المكان طبع الرواية ببناء تقابلي سيغتني بتسلح السارد البطل بروح نقدية لا تهادن مظاهر الاستغلال والتخلف ليواجهها بالفضح والتعرية.3. من الخصوصيات المميزة لرواية طائر الخراب نسجل قدرتها الكبيرة على توظيف عدة لغات، فتتغير اللغة بتغير السياق، فنجد لغة التجارة، ولغة الحب، ولغة الرهان، ولغة المال والاقتصاد، ولغة العلم (الرياضيات، الكومبيوتر)، ولغة الانترنيت، ولغة كرة القدم، لغة التحليل الصحافي والسياسي. وهو أمر يعكس خبرة الروائي بالموضوعات التي يناقشها وبمعجمها ولغتها، فتتغير اللغة بتغير الموضوع المناقش، فتغير المضمون يقتضي تغير الشكل فتتلون اللغة بحسب الموضوعات التي تتناولها. فتصير الرواية توليفا بين عدة لغات.
كما تتحول اللغة العلمية إلى أداة في الوصف، فتستخدم لوصف أمر بعيد كل البعد عن العلم، إذ يتم توظيف اللغة العلمية في تقريب بعض الصور. وكذلك يحضر المعجم الإلكتروني الواصف يقول: ‘سكانير ذاكرتي’ (الرواية، ص.20 ) كما نسجل حضور الكومبيوتر. وهو ما سمح له بإدخال مجموعة من الكلمات إلى اللغة العربية (تتأرشف) (الرواية، ص.152.). كما أن اللغة لا تبقى أداتية فقط بل تصير أحيانا لغة شعرية محضة.
تحقق الرواية تجاورا وتحاورا بين لغة العلم الصارمة والدقيقة وبين لغة الأدب الاستعارية، انطلاقا من التعدد المميز لشخصية الكاتب التي تجمع بين العلم والأدب فهو عالم رياضي قبل أن يكون أديبا، وعندما يكتب يحضر الشخصان الأديب والعالم، فينعكس ذلك على اللغة. نجد لدى الروائي دراية بكل اللغات؛ لغات الحيوان، والنبات، والعلوم، والأدب والفن والاقتصاد والسياسة.4. يعود البطل من الخارج بحثا عن حبيبته إلهام ليكتشف صور الدمار والخراب المسيطرة على الوطن، مقارنة مع ماضيه ومقارنة مع البلد الذي كان فيه (فرنسا)، وهو الأمر الذي جعل الرواية تقوم على التقابل انطلاقا من فكرة ناظمة وهي أن من يأتي من الخارج تكون لديه القدرة على ملامسة التحولات والتغيرات الطارئة بالداخل بالمقارنة مع الماضي والخارج طبعا، تمكنه من ذلك المسافة الزمنية والمكانية، وهو ما سماه سروري في أحد حواراته بـ ‘رؤية البيضة من الخارج’ أما من يوجد في الداخل فكأنه تساكن مع ذلك الوضع.
وارتباطا بما سبق تقوم رواية ‘طائر الخراب’ على عدة تقابلات تتجلى في تقابلين أساسيين الأول مكاني والثاني زماني:- التقابل الزمني بين ماضي السارد وحاضره في علاقة بالمكان والمتغيرات الطارئة عليه، أي بين ما قبل الهجرة وما بعدها (العودة). وتتفرع عنه تقابلات أخرى:- ما قبل الوحدة اليمنية وما بعدها، إذ تسجل تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعد وحدة اليمن، والتحول إلى الأسوأ بعد مغادرة البطل البلاد قبل الوحدة، يكشف تلك التحولات بالمقارنة مع الماضي (ما قبل الوحدة).- المقارنة بين زمن الطفولة وزمن العودة حيث يسود الخراب. وكذلك تنتج عنه مفارقة ما بين أماكن الطفولة وحاضر البطل. فالماضي يمثل السعادة، أما الحاضر فيجسد الخراب والجوع والفقر واللواطة والسياحة الجنسية وضمور المحميات وانقطاع الماء والكهرباء. فيعيد نشوان اكتشاف اليمن انطلاقا من المقارنة بين ماضيه فيها وحاضرها بعد عودته.- التقابل المكاني بين فرنسا بلد الهجرة والدراسة والإقامة الحالية واليمن الوطن ويتجسد في عدة تجليات:- الحرية في فرنسا مقابل انعدامها في اليمن.- تحرر المرأة الفرنسية في حين تتكبل المرأة اليمنية بتقاليد رجعية.- انعدام الثقافة الجنسية في اليمن بالمقارنة مع فرنسا. يقول:’ أما دروس الثقافة الجنسية الرسمية فتتلقاها البنت عشية ليلة زواجها فقط!'(الرواية، ص.87.)- الغربة داخل الوطن مقابل الإحساس بالمواطنة في فرنسا. يقول:’ البلد الذي وصلته في 17 تموز (يوليو) 2000 لا تنتمي إليه فعلا!…'(الرواية، ص.147.)لقد وسم هذا البناء التقابلي الرواية بروح نقدية، بل كان معول النقد حاضرا بقوة داخلها، فلم تعد الرواية سردا خالصا بل استعار تقنيات التحليل والكشف والبحث والمقارنة وغيرها من أساليب الاستطراد التي لم تؤثر على متعتها السردية. فيستنفر الروائي كل خبراته في هذه الرواية. ليتداخل الإيديولوجي بالجمالي ويتفاعلا. ويرتبط النقد في الرواية بشخصية إلهام تلك الشخصية الغامضة المختلفة عن كل النساء الأجنبيات اللواتي عرفهن البطل أثناء مقامه في فرنسا، شخصية لا يمكن أن يكتفي البطل بسرد تجربته معها، فهو محتاج إلى فك غموضها والتباسها وكشف أسرارها، مسلحا بكل تجاربه مع من سبقها من النساء. كشف سيقوده إلى خراب مزدوج: ذاتي يخص إلهام وآخر موضوعي يخص الوطن. الأول يكتشفه في فرنسا بعد غيابها في البحث في خصوصياتها، فيجد أنها وقعت ضحية للكثير من العادات السلبية؛ ديونها الكثيرة ولعبها الرهان وغرقها في المسابقات وذهابها إلى المشعوذين. والثاني يكشفه أثناء عودته إلى الوطن، حيث سيكتشف من تكون إلهام وكيف هاجرت إلى فرنسا وكذلك العالم الذي جاءت منه. عندها حاول الاقتراب منها أكثر. فيدفعه ذلك الكشف إلى نقد مجموعة من المظاهر السلبية سواء المرتبطة بإلهام أو بالوطن.
فبالنسبة للمظاهر السلبية التي ينتقدها الكاتب في حياة إلهام بفرنسا:- نقد النظام العالمي. يقول: ‘العالم مجنون يلهث وراء الكسب السريع.'(الرواية، ص.53.)- نقد العقلانية المعاصرة ببعض قيمها السلبية عندما تصبح في خدمة اللاعقل فتجعل مدرسة رياضيات تقع في فخ الشعوذة من أجل كسب أحد الرهانات: ‘كيف يعقل أن تقع إلهام العبقرية الرائعة، الحادّة الذكاء والبصيرة، في هذا الشرك؟ كم هو غريب هذا العالم! نفس شعوذات ما قبل التاريخ، تعشعش بأساليب جديدة في عقر دار الحضارة الإلكترونية!'(الرواية، ص.128.)- نقد بعض شركات القروض التي كانت تستنزف حياة إلهام وتمص دمها.
أما بالنسبة للوطن، سواء أثناء مقامه في فرنسا أو بعد عودته، فينتقد عدة مظاهر:- نقد واقع يحد من حرية الفرد ويجعله يتأخر إلى الوراء.- نقد النظرة الذكورية للمرأة.
ـ نقد الثقافة السائدة التقليدية ومواجهاتها والدعوة للتخلص منها: ‘لم أكن.. قادرا أن أستهل قبلاتي معها بغير هذه الطريقة البدوية، الرعوية، الفوضوية!…'(الرواية، ص.40.)- نقد الفكر الخرافي والدعوة إلى تمجيد العقل.- نقد عادات الشرق في التعامل مع المرأة.- نقد كل الخرافات والأساطير المستغلة لاحتقار المرأة مثل أسطورة التفاحة، ونقد الأطروحات الذكورية ونظرتها التحقيرية للمرأة.- نقد الخطاب الوعظي الذي يحط من قيمة المرأة.- نقد الوضع الثقافي المتردي المتسم بالتكرار الذي يطبع الشعر والضعف وشبه غياب القصة القصيرة والرواية.
كان النقد في الرواية مرتبطا دائما بشخصية إلهام الملتبسة منذ أن التقاها البطل وهو يحاول الفهم. فقاده إلى مجموعة من المفارقات المرتبطة بها، سواء في فرنسا أو في اليمن. ويتأسس النقد على أسلوبي التقابل والمقارنة التي يجريها البطل بين الماضي والحاضر ومظاهر الخراب المُشاهدة والمعاينة، وكذا تقارير المنظمات الدولية الموظفة توظيفا سرديا جيدا. قاد النقد البطل إلى اكتشاف عدة مفارقات:- التخلف رغم وجود البترول والمؤهلات السياحية.- الولادات والوفيات.- من يدّعون تحرير المرأة هم أول من ينتهك حقوقها.
تؤكد رواية ‘طائر الخراب’ فكرة أساسية وهي أن الإنسان المهاجر لا يمكن أن ينسى ماضيه الذي قد يفسد عليه سعادته، فيكون مضطرا للعودة إلى بلده لفهم وكشف ما جرى. فكان اختفاء إلهام مناسبة للبطل نشوان ليكتشف مجموعة من التناقضات المسكوت عنها التي يتخبط فيها الوطن، وكذا المسكوت عنه بالنسبة إلى إلهام وما تعرضت له من عنف واغتصاب قبل هجرتها وأثر ذلك على حياتها في الغربة، بالإضافة إلى تخلف المجتمع والبيئة التي أدت إلى مثل تلك السلوكات، فالسلوك ابن بيئته إن صح القول. كما أن النقد في الرواية لم يكن فجّاً وإنما تم تأطيره داخل حبكة روائية شديدة الإحكام.* حبيب عبد الرب سروري، ‘طائر الخراب’، رواية، منشورات مؤسسة العفيف الثقافية، اليمن، كانون الاول (ديسمبر) 2005.