واد مدني (السودان) ـ رويترز: يقول المزارع عبد الباقي عبد الله إن رقعة الأرض الصغيرة التي يمتلكها في أهم منطقة زراعية بالسودان أعطته محصولا وافرا من الذرة عاما بعد عام الى أن أهلكت الآفات والري غير المنتظم محصوله.
ويغطي عبد الله نفقاته بالكاد مستغلا ثلاثة اجولة من المحصول الذي أنتجته أرضه هذا العام مقابل اكثر من 40 جوالا كانت تنتجها في زمن الرخاء. ويقول عبد الله إنه اضطر الى إخراج ابنيه وابنته من الجامعة.
ويتهم عبد الله الذي يغمره الحزن والمرارة الحكومة بإهمال مشروع الجزيرة الزراعي وهو مشروع كبير تديره الحكومة السودانية ومن ضمنه الأفدنة الأربعة من الأرض التي يمتلكها.
وقال المزارع (55 عاما) ‘لم تقدم الإدارة اي مساعدة’. وأضاف ‘أنا غاضب جدا.
الآن أعيش على أقل القليل. حتى ابنائي الآن اضطروا للمكوث في المنزل’. وعبد الله جزء من موجة الاحتقان المتزايدة في أهم منطقة زراعية بالسودان حيث أدى ارتفاع تكاليف المعيشة الى تصاعد التوتر الذي يعتمل منذ فترة طويلة بسبب إهمال الخرطوم لقطاع الزراعة. ونظم مزارعو مشروع الجزيرة احتجاجا هذا الأسبوع مما دفع الحكومة الى الوعد بتقديم المساعدة على الفور.
ولا توجد مؤشرات تذكر على أن السودان سيشهد احتجاجات مناهضة للحكومة كتلك التي أسقطت زعيمي مصر وتونس لكن نشطاء يقولون إنه اذا حدث هذا فستأتي الشرارة من المناطق الزراعية التي تعاني منذ فترة طويلة كتلك القريبة من واد مدني.
ويشكو مزارعون بالجزيرة تسنى الاتصال بهم عن طريق نشطاء من كل شيء بدءا من عدم توفر التمويل الذي وعدت به الحكومة وانتهاء بنظام الري غير المنتظم والمخاوف من أن تصادر الحكومة أراضيهم وهي اتهامات ينفيها مديرو مشروع الجزيرة بشدة ويقولون إن لها دوافع سياسية.
وقال عثمان سمساعة مدير مشروع الجزيرة لرويترز إن الحكومة تريد أن يمتلك المزارعون أراضيهم رافضا المزاعم بوصفها كاذبة ويحركها مناهضون للحكومة. وأضاف أن الحكومة أنفقت اموالا لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة وأعطت للمزارعين حرية زراعة المحاصيل التي يختارونها.
وترجع أصول مشروع الجزيرة الذي يشمل اكثر من مليوني فدان على النيلين الأبيض والأزرق ويعمل بهما 130 الف مزارع الى عهد الاستعمار البريطاني.
وقالت الخرطوم العام الماضي إنها ستطرح قطاعات من المشروع لشركات القطاع الخاص لزيادة الفعالية في إطار محاولتها لأن تكون الزراعة أولوية بعد انفصال جنوب السودان المنتج للنفط هذا العام.
ويعترف محمد عبد المجيد رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة بأن المشروع يواجه صعوبات منذ التسعينات بسبب مشاكل في التمويل لكنه ينفي رغبة الحكومة في مصادرة أي أراض ويقول إنها تفعل العكس. وأرجع التوتر الذي ظهر في الآونة الأخيرة الى كم التعويضات التي ستعاد الى ملاك الأراضي عن اكثر من 800 الف فدان.
ولا شك أن الخرطوم لها من يؤيدونها في المنطقة. وقال محمد احمد ابراهيم وهو عضو في اتحاد محلي للمزارعين يؤيد سياسات الحكومة إن الحكومة لا تهمل المشروع وإنما تتطلع الى تحسينه. وبدا رئيس اتحاد للمزارعين في مشروع زراعي منفصل بوسط السودان جرت خصخصته ويدعى عبد العزيز البشير متفائلا بأن المزارعين يستطيعون عقد اتفاق مع الحكومة بشأن المشاكل المتعلقة بالأراضي.
غير أن التوتر تصاعد في المناطق الريفية التي ينتشر فيها انعدام الثقة في الحكومة ويكون الفرق بين الواقع والخيال غير واضح. وقال شاهد إن عدة مئات من المزارعين أغلقوا هذا الشهر طريقا رئيسيا الى الخرطوم في احتجاج على ما قالوا إنها خطة حكومية لمصادرة أراضيهم قبل أن تطلق الشرطة الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين.
وقال محمد مصطفى الذي يقول إنه يخشى أن تصادر الحكومة الأربعين فدانا التي زرعها لاكثر من 30 عاما في إطار مسعاها للخصخصة ‘لن نتنازل عن أرضنا’. وأضاف ‘سنقاتل. الموت أهون من فقد أراضينا’. وفي كانون الثاني/ يناير قالت مجموعة لم تكن معروفة من قبل تمثل المزارعين في ولاية سنار بوسط السودان إنها أحرقت خمسة آلاف فدان من قصب السكر احتجاجا على السياسات ‘الفاسدة’ للحكومة. وقالت الشركة السكر السودانية الحكومية إن جزءا صغيرا من المحصول هو الذي فقد في الحريق وتم إلقاء القبض على المجرمين.
كما شهدت واد مدني عاصمة ولاية الجزيرة التي يوجد بها المشروع الزراعي الذي يحمل اسمها احتجاجات أخرى هذا العام نظمها طلاب حاولوا محاكاة الانتفاضات التي تجتاح العالم العربي.
وفي العموم لم تنجح محاولات تنظيم احتجاجات مناهضة للحكومة في السودان في حشد الدعم وانتهت بسرعة في وجه ما تمارسه قوات الأمن من ضرب واعتقالات وإستخدامها للغاز المسيل للدموع.
ويبدو المجتمع الزاخر بالخلافات الذي مر بحربين في دارفور والجنوب الذي ينفصل في تموز/يوليو اكثر حرصا على الاستقرار من احتمال نشوب صراع اذا ضعفت سيطرة الرئيس عمر حسن البشير الذي يحكم البلاد منذ 22 عاما على السلطة.
لكن السودان يعاني من تضخم في أسعار الغذاء يصل الى عشرة في المئة وارتفاع في معدل البطالة بين الشباب وانتشار الفساد على نطاق واسع ويأمل نشطاء أن تكتسب الحركة الاحتجاجية زخما في مناطق مثل واد مدني البعيدة عن العاصمة الخرطوم.
ويقول مجدي عكاشة الناشط الذي يقود حركة شباب من أجل التغيير التي نظمت احتجاجات مناهضة للحكومة عبر موقع فيسبوك لكنها لم تستمر طويلا إنه يجب أن تبدأ اي انتفاضة في السودان من مناطق مثل واد مدني قبل أن تصل الى الخرطوم.
وأضاف أن الجهاز الأمني في الخرطوم ضخم وهناك الكثير من رجال الأمن بحيث يصعب في بعض الأحيان التفرقة بين المحتجين ورجال الأمن الذين يرتدون ملابس مدنية.
وأدى انتشار قوات الأمن الكثيف والاعتقالات الاستباقية الى فشل الاحتجاجات التي بدأ تنظيمها على موقع فيسبوك في الخرطوم. غير أنه في واد مدني تجمع نحو 250 محتجا في السوق الرئيسية قبل أن تفرق الشرطة المظاهرة.
ويقول النشطاء الذين يواجهون لا مبالاة من النخبة الحضرية في الخرطوم إن الرأي العام في صالحهم في مناطق مثل واد مدني والتي طالما كانت قاعدة دعم قوية للحزب القومي الديمقراطي وحزب الأمة وهما حزبان معارضان وحيث أذكت المشاكل الزراعية مشاعر خيبة الأمل.
يقول محمد علي مصطفى (26 عاما) وهو طالب جامعي في واد مدني إنه انجذب للاحتجاجات بعد فصل والده الذي كان يعمل كامين مخزن في مشروع الجزيرة ووالدته الموظفة التي تعمل على الآلة الكاتبة من عملهما في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009. وقال مصطفى الذي حشد الدعم لاحتجاج 21 آذار/مارس من خلال توزيع المنشورات مستعينا بدراجته النارية ليلا ‘أشعر بالقلق من الا أجد عملا حين أتخرج’. وأضاف ‘إعانة البطالة التي تحصل عليها أسرتي وتبلغ 350 جنيها سودانيا (117 دولارا) في الشهر لا تكفي لتغطية نفقات المعيشة’.