الكاتب المصري خليل الجيزاوي: نطرح الاسئلة وليس مطلوبا أن نعطي جوابا لها!

حجم الخط
0

حاوره: إبراهيم محمد حمزة ‘لقد طالت مواقيت الصمت.. فمتى تحين مواقيت الكلام’ جملة من رواية ‘مواقيت الصمت’ للاديب خليل الجيزاوي، تضمنتها روايته ‘مواقيت الصمت’ في معرض حديثه عن الفساد والقهر والخوف والصمت الرهيب، جملة تعبر عن فكر صاحبها، الأديب القاص والروائي والصحافي خليل الجيزاوي. والذي أصدر مؤخرا مجموعته القصصية الثالثة ‘حبل الوداد’ عن وزارة الثقافة، صدرت له الروايات ‘يوميات مدرس البنات’ أحلام العايشة، الألاضيش، ومواقيت الصمت’ والمجموعات ( نشيد الخلاص / أولاد الأفاعي/ حبل الوداد) فضلا عن كتابه (الشاروني: عمر من ورق) في هذا الحوار نكتشف أن ‘الجيزاوي’ الأديب لا ينفصل مطلقا عن السياسي، مثلما لا يتناسى ولا يتغافل عن صفته كمواطن مصري شارك – بشجاعة – في ثورة مصر البيضاء الطيبة… وبمناسبة صدور مجموعته القصصية الثالثة (حبل الوداد) التي صدرت سلسلة أصوات أدبية التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2010 كان هذا الحوار:* في كل عمل إبداعي لك جزء شديد الوضوح من حياتك: كأنك تعيش في المدينة بقلبك الريفي، هل الكتابة – في تصورك – لا بد أن تنطلق من ‘الذات’ لتغزو الآخر؟ * نعم وضح ذلك في مجموعتي القصصية الأخيرة (حبل الوداد)، بل تجده في الكثير من القصص القصيرة التي أكتبها، وكذلك الروايات ـ سيجد القارئ أن التجربة الذاتية تفرض حضورها الفاعل داخل النص، حيث ترصد الذات الساردة الكثير من تجاربي الشخصية مع معركتي في هذه الحياة، وهكذا تجد حضور السارد/ الكاتب يظهر داخل متن الحكاية دون مواربة، ربما كانت قناعاتي أن الأديب لا بد أن يرصد الكثير من تجاربه وينقلها على الورق، وهكذا أكتب عن المنطقة التي أعرفها والشخصيات التي مرت في حياتي، ولكني لا أنقل حياة هذه الشخصيات كاملة بل أنتقي بعض المشاهد المؤثرة والتي تضيف جديدا للتراث الإنساني. جوائز سيئة السمعة * كما تعلم هناك محترفو جوائز عرب، وأنت فزت بعدة جوائز، لكنك لست منشغلا بها، ما علاقة المبدع بالجوائز؟ وكيف نحولها من إطار المجاملة والمعارف إلى سبيل للتعرف على الإبداع الكامن؟ * الجوائز نوعان: جوائز تنظمها بعض الجهات الثقافية تشجيعا للكتّاب الجدد، وهذه جوائز محترمة ومفيدة في بداية حياة المبدعين الذين يحصلون عليها، ولقد حصلت على خمس جوائز من نادي القصة عن روايتي الأولى (يوميات مدرس البنات) وجائزة المجلس الأعلى للثقافة في مسابقة محمود تيمور على مستوى الوطن العربي عن مجموعتي القصصية الأولى (نشيد الخلاص)… وهناك جوائز ينطبق عليها السؤال بعدم المصداقية، لأن هذه الجوائز مسيسة أو موجهة، ولقد تابعت جائزة ساويرس هذا العام والكلام الذي أثير حولها وأتفق مع الكثير منه. كما أن جوائز الدولة التقديرية في مصر بها آفة كبيرة وخطيرة، حيث تمنح بنظام الأصوات، حيث يطلب من نقيب الموسيقيين ونقيب التطبيقيين ورئيس المجلس الأعلى للآثار أن يقوم بالتصويت على جائزة الدولة في الأدب، وهذه آفة كبرى، إذ كيف يطلب من أناس التصويت على شيء لا يعرفون عنه شيئا، فأرى أن يتغير نظام التصويت على الجوائز الأدبية، فيكون هناك تصويت من الأدباء والنقاد على جوائز الأدب، وطلبنا مرارا تغيير قانون التصويت، وعلى ذلك فنظام التصويت الحالي على الجوائز الأدبية في المجلس الأعلى للثقافة المصري نظام فاسد. نعم لقد باتت معظم الجوائز في عالمنا العربي جوائز سيئة السمعة. ثورة خلاقة * كنت مشاركا فاعلا في ميدان الثورة المصرية، وصرخت فرحا وقت التنحي، وتركت بيتك لتدافع عن حريتك: ما شهادتك على النظام السابق كأديب؟ وهل تراه خاليا تماما من كل ميزة؟ * نعم شاركت شباب التحرير أكثر من 15 يوما، وتحديدا من ظهر السبت 28 كانون الثاني (يناير) حتى فجر 11 فبراير/ شباط احتفالا بخطاب التنحي، وهتفت ضد قمع الحريات، ضد ظلم وزير الداخلية السابق الذي أعطى أمرا مباشرا بضرب المتظاهرين بالرصاص الحي عن طريق قناصة وزارة الداخلية وبلطجية الحزب الوطني، وكم كانت فرحتي كبيرة عند القبض عليه وتحويله إلى محكمة الجنيات، وها أنا أضم صوتي لصوت مئات أمهات شهداء ثورة 25 يناير بضرورة القصاص العادل من وزير الداخلية وكل من ضرب شباب المتظاهرين وبالرصاص الحي وفي مناطق قاتلة مثل الصدر والرقبة والرأس.

نعم صرخت فرحا بتنحي الرئيس السابق بعد 30 عاما من الاستبداد والفساد والدكتاتورية، وجاءت صرختي عالية وقوية ومدوية، بعدما صرخت على الورق عشرات السنوات، يمكنك قراءة ذلك ص 159 من رواية (مواقيت الصمت) طبعة بيروت 2007، وها أنا أنقل من كتبته عام 2005: ‘بعد كل هذه السنوات أعود أبحث وحدى عن الحرية، حرية هذا الشعب، لكن أين…. ؟!

أين نعثر عن هذه الحرية؟! حتى نتوقف عندها بالدرس والتحليل!

لكن لماذا أرى الهزيمة ترتسم على كل الوجوه؟1 متى تحين مواقيت الكلام؟ متى يصرخون؟

متى يثورون؟…. متى؟! لقد طالت مواقيت الصمت.. فمتى تحين مواقيت الكلام؟!’. هذه شهادتي على النظام الفاسد الذي باع الدولة لرجال الأعمال وبثمن بخس، نعم سقطت رموز الفساد وهم الآن ينتظرون حكم القضاء العادل خلف القضبان.

وهكذا انتصرت إرادة الشعب وسقط الطاغية، وسقطت رموز الفساد، وعاشت مصر حرة. * في روايتك ‘يوميات مدرس البنات’ قدمت صورة مخيفة لحال التعليم المصري، ولحال التربية أيضا في البيوت، ما مقدار النضج السياسي في الرواية، وكيف أشرت إلى سبل الخروج؟ * عملت مدرسا بالتربية والتعليم أكثر من عشر سنوات، قبل أن أعمل بإدارة النشر بالمجلس الأعلى للثقافة، ثم أعمل حاليا مراسلا صحفيا لإحدى المجلات الثقافية العربية.

أعتقد أن الخراب الذي حدث في المجتمع المصري هو نتيجة طبيعية لخراب المؤسسة التعليمية، نعم التعليم المصري منظومة فاسدة، هذا ما رصدته على الورق أثناء كتابة روايتي الأولى: (يوميات مدرس البنات)، كذلك رصدت تغير وتدهور منظومة القيم الاجتماعية داخل الأحياء الراقية بالقاهرة، وبات من ينادي بالمحافظة على القواعد الدينية والقيم الاجتماعية كأنه متخلف وقادم من عصور الجهل والظلام.

في اعتقادي أن الكاتب يرصد المشكلة ويثير الإشكاليات فقط وليس مطلوبا من الروائي أن يطرح الأسئلة في روايته بل أن يجيب عنها. في مديح.. الوزير * في كتابك الرائع ‘يوسف الشاروني… عمر من ورق’ أظهرت ببراعة ميل الأديب العملاق يوسف الشاروني إلى التجريب طوال عمره، وعدم تخليه عنه، قدمت الكتاب بـروح لم تعد مألوفة في زماننا الذي امتلأت فيه قلوب كثيرة بمشاعر عدوانية تقوم علي عدم الاعتراف والضيق بالآخر والعمل على طمس دوره وتأثيره – وهو تعبير فاروق شوشه في عرضه للكتاب: ما شهادتك على الواقع الثقافي الذي أنت جزء منه؟ * يوسف الشاروني قامة أدبية كبيرة ورمز من رموز حياتنا الثقافية، تدرج بمناصب المجلس الأعلى للثقافة، حتى أصبح وكيل وزارة الثقافة، وترأس نادي القصة بالقاهرة بعد الروائي الكبير نجيب محفوظ، خلال السنوات الخمس الأخيرة اقتربت كثيراً من يوسف الشاروني بعد نجاحي في انتخابات مجلس إدارة نادي القصة وترأس هو النادي، ولما كنت أسكن بالقرب منه كنت أصحبه على الأقل في رحلة العودة المسائية عقب ندوة الاثنين الأسبوعية بنادي القصة، وطوال الطريق كنت أحب أن أناوشه وأشاكسه، وتقبلني بصدر رحب وأجاب عن كل أسئلتي، وهكذا بدأ هو يحكى وأنا أسجل ما يقول وكان هذا الكتاب: يوسف الشاروني.. عمر من ورق. تحية له في عيد ميلاده الثمانين.

أما عن شهادتي عن الواقع الثقافي: فإن الواقع الثقافي لا يزال ملبدا بالغيوم، لا يزال الكثير من الأدباء قصيري النظر وباتوا ينظرون إلى مصلحتهم الضيقة، لم تعد هناك مشاريع أدبية كبرى، وألحظ انكفاء الكثير من الأدباء على كتابة سيرتهم الذاتية وتسجيل تجاربهم العاطفية الفاشلة في كتابة ضعيفة القيمة، ورأيت أنصاف الشعراء من يكتب ديوانا شعريا كاملا في مدح وزير الثقافة حتى يحصل على منحة تفرغ من الدولة، ويظل يجلس على المقاهي الأدبية دون أن تعرف ما العمل الأساسي الذي يعمله.* أنت تلميذ ليحيى حقي وليوسف إدريس وغيرهما: هل – في تصورك – أدبهما إن كتب الآن، يحمل نفس قيمته وريادته؟ وهل الأدب يحمل ‘جينات’ الخلود، أم أنه تعبير عن مرحلة، ثم يقرأ كتاريخ؟ * نعم في البداية تأثرت كثيرا بالكاتب الكبير يحيى حقي وانحيازه للمفردة العامية، بل أعترف أنني سكنت منطقة السيدة زينب بعد نصيحة مباشرة منه، وأشرت إلى ذلك في مقدمة روايتي الرابعة (مواقيت الصمت) بل رحت أبحث عن الأماكن التي رصدها في كتاباته خاصة روايته الفذة (قنديل أم هاشم)، بل تجاوز الأمر أنني رحت أبحث عن الشخصيات التي وصفها بدقة وحميمية في هذه الرواية.

وكذلك فتنت برائد القصة العربية القصيرة يوسف إدريس، وفرحت برؤيته بندوة أثناء معرض القاهرة للكتاب أيام كان يعقد بدار الأوبرا قبل أن ينتقل إلى أرض المعارض، وكنت لا أزال طالبا بآداب عين شمس، وسألت يوسف إدريس سؤالا في هذه الندوة قائلا: كيف تكتب القصة القصيرة يا أستاذ؟

نظر ناحيتي وتأملني طويلا ثم قال ضاحكا: أنا لا أكتب فيه واحد قاعد في دماغي يملي عليا وأنا أكتب وراءه! لكن أعتقد أن كل أديب لا بد أن يخط لنفسه طريقا وحده ولا يمشي على خط أحد مهما كانت درجة افتتانه بأساتذته الذين فتن بهم، وهكذا أفعل منذ سنوات الرشد الأدبي، وأعتقد أنني تجاوزت منذ سنوات طويلة مرحلة الافتتان هذه. بالفعل الكتابة الجيدة والصادقة تحمل جينات الخلود، ولا أزال أقرأ بكثير من الدهشة بعض قصص يوسف إدريس وكأنها مكتوبة منذ فترة قصيرة خاصة مجموعته القصصية الفذة: بيت من لحم! * هل تتصور أن مأزقا سيواجه المبدعين بعد ثورة 25 يناير؟ بمعنى عدم وجود رموز الفساد والخداع والقهر.. في ما سيكتب الكتاب؟ * نعم لقد صمت نجيب محفوظ بعد ثورة 1952 أكثر من عشر سنوات، ليتأمل المشهد السياسي والاجتماعي مرة أخرى، وأعتقد أن المبدع الحقيقي عليه ألا يستعجل رصد أصداء هذه الثورة حتى يتأملها جيدا ثم يرصد وعن قرب هل نجحت هذه الثورة الشعبية في تحقيق المطالب المشروعة التي قامت من أجلها أم انحرفت عن مسارها الحقيقي؟! لكني لا أعتقد أن صور الفساد ستنتهي لأن بعض النفوس لم تطهر بعد من أدرانها.* لا يمكن الحوار معك بدون تأمل تجربتك كناشر ومدير لدار نشر خاصة، الكتاب سلعة، كيف توفق بين التجارة والأدب والرسالة؟ وكيف نعالج الفجوتين معا: فجوة عدم القرائية، وفجوة التهام مكاسب الكاتب عبر البائع الذي يبتلع نصف ثمن الكتاب أحيانا؟ * مع بداية 2011 تكون دار سندباد للنشر بالقاهرة قد دخلت عامها الثالث، نعم لقد عانيت كثيرا عند نشر أعمالي، فروايتي الأولى ‘يوميات مدرس البنات’ عمل مميز وجريء، بدليل حصولي عنها على الجائزة الأولى لنادي القصة، ورفض رئيس نادي القصة نشرها في الكتاب الفضي للنادي، لأنه كان التقليد أن العمل الذي يفوز بالجائزة الأولى ينشر، لكنه رفض إلا بعد أن أقوم بحذف 20 مشهدا، فرفضت ذلك، ثم كان السبب في نشرها عند ناشر آخر هو أنني عندما حصلت على الجائزة كان الذي أعطاني الجائزة وزير الثقافة، ونُشر ذلك في الجرائد، لذلك تحمس أحد الناشرين ونشرها، فلولا نشر صورة الوزير وهو يسلمني الجائزة لماتت الرواية. ودور النشر الرسمية في مصر تنشر الأعمال بالدور، فقد يظل العمل من ثلاث إلى خمس سنوات في انتظار النشر، فمجموعتي القصصية ‘حبل الوداد’ ظلت لمدة ثلاث سنوات مركونة، ونشرت بعد ذلك، فذهبت إليهم فقالوا إنك أحسن من غيرك، فهناك أعمال منذ خمس سنوات ولم تنشر حتى الآن، وهذه إشكالية كبرى موجودة حتى الآن. ومن أجل ذلك قمت بعمل دار نشر ومعي مجموعة من الزملاء، ونعمل بروح الفريق الواحد، وأتولى مهمة مدير النشر، وأعتقد أن الناشر عندما يكون أديبا فلا بد أن يكون ناشرا مستنيرا.* متى نرى رواية ‘حدائق النساء’؟ وما أسباب تخوفك من نشرها إن كان هناك تخوف ما لديك؟ * رواية (حدائق النساء) رواية جريئة جدا بل صادمة؛ لأنها تسرد تجربة أحد أصدقائي، وكان مشهورا بيننا بتعدد علاقاته النسائية، وقد استغل وسامته التي تشبه الفنان حسين فهمي وعينيه الزرقاوين في جذب البنات حوله، خاصة بعد عمله مدرسا للغة الإنكليزية زادت علاقاته الجريئة مع البنات، حتى بعد زواجه.

لا أعرف ربما نشرها يثير الكثير من المشاكل، بعد أن رفض نشرها كثر من ثلاث دور نشر عربية، وهذا هو سبب تأجيل نشرها المستمر حتى بعد أن أصبحت صاحب دار نشر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية