القاهرة ـ ‘ القدس العربي’ ـ من محمود قرني عن سلسلة ‘ آفاق الفن التشكيلي’ التي تصدر عن ‘ الهيئة العامة لقصور الثقافة’ صدر للتشكيلي والناقد عز الدين نجيب كتابه ‘ محمود عويس، الابداع والثورة ‘ بتقديم لرئيس تحرير السلسلة الدكتور مصطفى عبد المعطي الذي يرى في تقديمه للتشكيلي محمد عويس انه رائد ما يسمى بالواقعية الاشتراكية في التصوير المصري المعاصر. حيث تبدو أعماله ملحمة يمثل الانسان فيها البطل الحقيقي، وينفي فيها ان يكون عويـــس قد ترجم انجازات ثورة يوليو في اعماله التشكيلية المهمة، بمعنى انه لم يكن بوقا ولا مروجا لدلالات او شعارات ايديولوجية سلطوية، ويرى الدكتور عبد المعطي ان ثورة يوليو هي التي حققت الكثير من احلام حامد عويس لا سيما وانه كان يعمل بالسياسة في صفوف اليسار قبل الثورة، وكان مهموما بالانسان في كل زمان ومهموما ايضا بكيفية توصيل فنه إلى الذائقة العامة لكي يتحول الفن ـ بشكل ما ـ الى شريك في صياغة المستقبل.
يتناول الناقد والتشكيلي عز الدين نجيب في الفصل الأول من الكتاب سيرة حياة الفنان حامد عويس الذي ولد في احدى قرى محافظة بني سويف جنوب القاهرة بحوالي مئة كيلومتر، وتفتحت مواهبه في النحت والرسم في سن مبكرة حتى انه عمل الى جوار احد الرسامين الشعبيين في الرسم على الجدران في مواسم الحج على ما جرت به العادة المصرية في مثل هذه المواسم، وعندما اشتد عوده وحصل على الشهادة الاعدادية نصحه معلمه الرسام الشعبي بالالتحاق بمدرسة الصنائع بقسم الزخرفة، وكان ذلك على غير رغبة والده الذي كان يحلم بأن يراه ضابطا متخرجا من مدرسة البوليس الا ان حامد عويس خالف كل رغبات والده وذهب في غفلة منه لتقديم اوراقه الى المدرسة، وفي بداية العام الدراسي واثناء توزيع الطلاب على الاقسام المختلفة، اختاروه ليدرس في قسم الحدادة حيث كان فارع القامة قويّ البنية، وكانت صدمة الفنان الصغير فادحة وفشلت جميع المحاولات التي بذلها لكي ينتقل الى قسم الزخرفة، فما كان منه الا ان سحب اوراقه من المدرسة وعاد بها كسيرا الى والده راضخا لأمانيه.
بعد ذلك انتقل حامد عويس الى القاهرة بصحبة ابيه للتقدم لمدرسة البوليس الا انه كان رافضا لما يحدث، غير ان الاقدار كانت الى جانبه عندما رفضته مدرسة البوليس، فما كان منه الا ان تقدم بأوراقه على الفور الى مدرسة الفنون الجمـيلة في القاهرة فقبلته على الفور بعد اجـــراء الاختبارات المطلوبة ونجاحه بتفوق رغم ان موعد التقديم للمدرسة كان قد انتهى.
انخرط الريفي القادم من الجنوب وسرعان ما امده زملاؤه بالكتب فقرأ بنهم وأخذته قراءاته للاقتناع الكامل بالفكر الاشتراكي فعمل تحت مظلة احد التنظيمات اليسارية.
ورغم ان الاعمال النحتية التي قدمها حامد عويس لفتت انتباه استاذه النحات المعروف عبد القادر رزق، الا انه بعد تأهله في السنة الأولى اختار قسم التصوير وذلك بسبب حبه الشديد للألوان التي لم يكن ليستطيع استخدامها في النحت.
بعد ذلك تبنى حامد عويس استاذه الفنان شفيق زاهر عميد المدرسة آنذاك، ثم انضم عويس الى القسم الحر، بعد ذلك تعرف الى زميليه وليم اسحق ( 1924 ـ 1999) وداود عزيز 1922 وكانا عضوين في حركة حدتو اليسارية، فوجها نظره الى قراءة الأدب العالمي والفكر التقدمي.
في عام 1944 قدم حامد عويس مشروع تخرجه حول موضوع الكوليرا وملائكة الرحمة وذلك وقوفا على وباء الكوليرا الذي اجتاح مصر ابان هذه الفترة، وبعدها تخرج عويس في عام 1945 لكن الظروف العامة كانت سيئة فلم يجد فرصة عمل وكان يرى في العمل الثوري حلا لكل مشاكل مصر، فقام بتشكيل جماعة فنية باسم ‘ صوت الفنان’ عام 1945 وذلك بتكليف من المنظمة اليسارية التي ينتمي اليها، وضمت الجماعة الفنان جمال السجيني، صلاح يسري، صلاح عبد الكريم رغم بعده عن النشاط السياسي.
ويذكر المؤلف عز الدين نجيب ان الجماعة اتخذت من شارع بورسعيد مقرا لها واقامت معرضا واحدا عام 1946 ثم سرعان ما خرج من عباءتها تكتل آخر لاصحاب المؤهلات الفنية اطلق على نفسه ‘ اتحاد خريجي الفنون الجميلة’ تولى قيادته الفنان ابو صالح الألفي استاذ تاريخ الفن فيما بعد، غير ان حامد عويس بقي مع جماعته التي كانت تؤمن بالموهبة بعيدا عن المؤهل الدراسي ومدى اهميته، وسرعان ما اطلقت على نفسها ‘ جماعة الفن الحديث’ التي ضمت جمال السجيني، وعز الدين حمودة، وزينب عبد الحميد وصلاح يسري ويوسف سيدة ونبيه عثمان وسعد الخادم، وعددا آخر من الفنانين.
ويشير عز الدين نجيب إلى ان حامد عويس، ومع بداية الخمسينيات، رسم عدة لوحات ذات موضوعات اجتماعية مباشرة مثل النسوة الكادحات في العمل على ماكينة الخياطة والتريكو، والعمال في المصانع او المهن الصغيرة وكذلك المزارعون في الحقول، وكانت تبدو في اللوحات الألوان الرمادية والبنية التي تشـــيع جـــوا من القتامة، وذلك كان الطــــريق الذي رآه حامد عويس معبرا عن موقفه الفكري المنحاز.
بعد ذلك انتقل حامد عويس الى رسم تكوينات من الطبيعة الصامتة متأثرا ببيكاسو وقد اخذت منه هذه التجربة السنوات الأولى من الخمسينيات وقد حاول فيها المزج بين الواقع والخيال للجمع ين المنظور الثوري والحرية التعبيرية، وقد تمخض ذلك عن لوحات عديدة مهمة مثل ‘ ماسح الاحذية’، ‘ الشحاذون’، ‘ قرية بهوت’ التي صور فيها ظلم الاقطاع.
يرصد بعد ذلك عز الدين نجيب الانتقالة الواسعة في اعمال حامد عويس بعد رحلته وزيارته لبينالي فينيسيا بايطاليا عام 1952 وهي رحلة نظمها ‘ اتحاد خريجي الفنون الجميلة’، لا سيما خلال الزيارة التي شاهد فيها الجناح الايطالي في المعرض، وهو الجناح الذي ضم اعمال الاشتراكيين الثوريين مثل جوتوزو، وكازوراتو، وبعد ذلك انتقل الى مرحلة جديدة وظهر ذلك في لوحات عديدة مثل ‘ خروج الوردية’ وهي من مقتنيات متحف الفن المصري الحديث، وكذلك لوحة ‘ عمال الدريسة’ ولوحة ‘ اصلاح السكة الحديد’ التي فازت بجائزة جوجنهايم بنيويوك عام 1956. بعد ذلك وبسبب علاقته بالفنان محمود سعيد حاول عويس اعادة اكتشاف مدينة الاسكندرية من حيث طبيعة البحر وعوالم الصيادين، ومجتمع الفلاحين والعمال، بعد ذلك اخذ اسلوبه ينتقل الى تمايزاته الخاصة، وهنا يقول المؤلف عز الدين نجيب اتخذ اسلوبه الفني سمته المميزة بنكهته الخاصة، مؤكدا عنصر الخط الرابط بين عناصر التكوين كالجديلة المحكمة، متأثرا ـ الى حد ما ـ بأسلوب المدرسة المكسيكية الحديثة، في صناعة الألوان ووضوح الخطوط وبساطـة الحركة واحكام التكوين والاعتماد على المشخصات المجسمة وفق مصادر ضوء داخلية باللوحة، والوصول من اقصر الطرق الى التعبير الدرامي والمضمون الرمزي والحس العقلاني حتى تصل الرسالة ببلاغة الى المشاهد، بعيدا عن التأثير السطحي المباشر، بل تبدو الرؤية نقية مقطرة وكأنما مرت بعملية فلترة للضوء واللون والاحجام.
بعد ذلك يعرض الفنان عز الدين نجيب علاقة حامد عويس بثورة يوليو، ورغم ان الثورة رفعت شعارات كان ينادي ويعمل من اجلها كثير من الفنانين الا انه ـ حسب نجيب ـ التزم منهجا يسميه الحياد الايجابي حيث لم يكن في علاقة سياسية مع النظام ولم تصله في نفس الوقت اجهزة الأمن كما طالت كثيرين، وكان هذا التوجه نابعا من ان دور الفن ليس في حاجة الى حزب ما دام قد وجد وظيفته الحقيقية، وبفضل وجود ثروت عكاشة على رأس وزارة الثقافة ـ هكذا يقول نجيب ـ توفر قدر كبير من الحرية وفي هذه المرحلة استطاع حامد عويس ان يحقق الكثير من الشهرة والحضور بعيدا عن اي نشاط سياسي ووجدت لوحاته طريقها الى المحافل الدولية لتمثيل مصر من الاتحاد السوفييتي الى ايطاليا الى المانيا الى اسبانيا، ولفتت اعماله انظار النقاد والمهتمين بشؤون الدول النامية الى موهبته المتميزة، وكتب عنه في عدة كتب واصدارات فنية، واقتبست بعض لوحاته في متاحف موسكو ودرسدن ومدريد والقاهرة.
بعد ذلك يرصد المؤلف تأثيرات هزيمة 1967 على حامد عويس حيث تحول شيئا فشيئا الى الرمزية والملحمية والاسطورية، ويعبر عن ذلك الناقد الاسباني كارلوس اريان قائلا:
ان التصوير الذي يقدمه لنا حامد عويس يمثل لمشاكل تعاني منها البشرية جمعاء، القى عليها الضوء في لحظة معينة وفي مكان معين، وخلاصة القول انه تصوير عالمي بقدر عالمية النمو والحق المشروع في الدفاع عن النفس الذي يواجه شعبه، شعب مصر.
وقد حصل حامد عويس على اول منحة تفرغ تمنح لفنان مصري عام 1957، وهو الشيء الذي ترك اثرا كبيرا على اعماله بعد ذلك اختير استاذا للفن بكلية الفنون الجميلة بالاسكندرية مع افتتاحها عام 1957 ـ 1958، وحصل على جائزة جوجنهايم عام 1956 وكذلك شارك في عدد من اهم بنياليات العالم مثل بينالي فينسيا عام 1952 وتقلد عويس منصب عميد كلية الفنون الجميلة بالاسكندرية بين عامي 1977 حتى 1979 وانتخب كأول نقيب لفرع نقابة الفنانين التشكيليين في الاسكندرية، واخيرا حصل على جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2000. ويقول المؤلف عز الدين نجيب ان حامد عويس استطاع بموهبته ان يؤسس لنفسه مكانة مرموقة في عدد من المحافل الدولية، فاتخذت اعماله مكانها اللائق بها في بعض متاحف العالم الكبرى مثل الارميتاج وبوشكين في روسيا، ودسدن بالمانيا والفن المعاصر باسبانيا، فضلا عن متاحف القاهرة والاسكندرية.
ويؤكد عز الدين نجيب ان محمد حامد عويس يتجلى ـ على صعيد الحركة التشكيلية المصرية التي تبدو مسلوبة الهوية بتبعيتها لرؤى الفن الغربي وابتعادها عن القضايا الاجتماعية والموضوعات القومية ـ صوتا فريدا، وسوف يظل كذلك، ما لم يلتقط منه الشعلة فنان او جماعة، تحاول ان تعيد مجد جماعة الفن الحديث قبل ان يتحول فنه الى ماض يليق ـ فقط ـ بالمتاحف.