باريس ـ «القدس العربي» ـ من راشد عيسى: ليس لدى السوريين الوقت، ولا الترف، لممارسة ألعاب ذهنية افتراضية، من قبيل ماذا لو كان التشكيلي فاتح المدرس، أو الشاعر محمد الماغوط أو الكاتب المسرحي سعدالله ونوس على قيد الحياة إبان سنوات الثورة السورية، أي موقف سيتخذ كل منهم من مجريات الثورة في بلده، وهل كانوا في الأساس سيسمونها ثورة أم «رقصاً على الجثث»، حسب وصف سينمائي سوري بارز.
مع ذلك فقد كان موقف عدد كبير من المثقفين السوريين مخيباً إلى حدّ دفع السوريين أحياناً للتلهي بخيبتهم بافتراضات من هذا النوع. ماذا لو كان ممدوح عدوان هنا، عبدالسلام العجيلي، بل وكذلك محمود درويش وسواه ممن له هذه المكانة أو تلك في قلوبهم. غير أن أمسية سينمائية حزينة ضمت فيلمين في باريس أخيراً، الأول هو فيلم «المدرس»، التسجيلي الذي أنجزه عمر أميرالاي وأسامة محمد ومحمد ملص، عن التشكيلي السوري الأشهر، والثاني فيلم «إذا تعب قاسيون»، فيلم هالا محمد عن الشاعر محمد الماغوط، كان لها أن تجعل السوريين على يقين من أن المبدعيْن الكبيرين لا يمكن لهما إلا أن يكونا إلى جانب دفاعهما الفطري عن الحرية، والعدالة، ووطن يتساوى فيه الجميع.
ومع أن فيلم «المدرس» (إنتاج العام 1995) يفرد حيزاً مهماً لجوانب تفصيلية في التجربة التشكيلية للفنان المدرس (1922- 1999) إلا أن بضع عبارات كانت حاسمة في تلخيص حال سوريا كما عاشها الفنان ورآها. «كأن سوريا كانت تعيش وراء بوابة حديدية أسطورية مقفلة، فُتحت فجأة، فخرجت منها جموع من البشر، الحيوانات، العربات، الجنود، الأطفال». يقول المدرس هذه العبارة التي تصف سوريا إثر الاستقلال في خمسينيات القرن الفائت. إنه يتحدث عن العيش في ظلمة القرون الماضية، لكنه لا بدّ، في الوقت ذاته، يشير إلى أي حال تدهورت حياة السوريين. فلا شك أن شارع البارون (في حلب)، شانزيليزيه الخمسينيات لم يعد موجوداً في سوريا التالية، وكذلك المستوى الثقافي والإبداعي الذي كانت عليه البلاد في تلك الآونة، لم يعد موجوداً في أزمنة البعث، لم تكن البلاد بُعيد الاستقلال خارج العالم. لم يكن الشعب السوري خارج حلم القرن العشرين، كما يقول المدرس.
يُسأل المدرس في الفيلم عن أحبّ الأصوات إليه، فيقول إنه مغرم بصوت الريح، حتى لو كانت تلك تأتي على تحطيم بيته، أما أبغض الأصوات فصوت رجل يلقي أوامر، فمن أنت حتى تأمر على حساب حريتي، ولحساب مصلحتك.
مؤلمة حياة المدرس كما ظهرت في الفيلم، خصوصاً تجربة الفقد لولدين. هي حكاية ولد وبنت قضيا في حادثتين مؤلمتين في روما، الولد يسقط على رأسه من فوق سياج الحديقة، فيصمت، ثم يموت بعد ذلك بوقت قصير، والبنت تسقط عن أرجوحتها لتعيش بلا حركة أو كلام خمسة عشر عاماً، إلى أن ينفجر قلبها. يقول المدرس «كانت خمسة عشر عاماً من الصمت الداخلي، المغلّف بالعمل والسفر والقبول بصبر وصمت».
شاعر مذعور
أما الماغوط (1934-2006) فيبدو، في الفيلم الخاص به (إنتاج العام 2006)، كائناً مذعوراً نسيجه الخوف، يقول «عندي احتياطي من الخوف لا ينضب، كالبترول». لم يتمكن الشاعر أن يغادر تجربة السجن المبكرة، فتجربة «شرّشت» في كل شيء حوله، ولم يعد بالإمكان الفكاك منها. إنه يروي كيف أن دقات الباب الليلية تفزعه، فيظن أن زوار الليل قد أتوا ليأخذوه، علماً أنه مكرّم من مستويات رفيعة في الدولة كما يؤكد هو نفسه. هذا هو معنى أن يعشش الخوف، كما حدث لدى معظم السوريين بسبب القمع الرهيب والدموي للنظام على مدى أربعين عاماً.
المدينة حاضرة في هموم الماغوط، يبدأ الفيلم مع صوته يقول « إذا تعبتُ أضع رأسي على كتف قاسيون وأستريح، ولكن، إذا تعب قاسيون على كتف من يضع رأسه؟». البداية من قاسيون، كما أن خاتمة الفيلم ستكون مع إطلالة من شرفة الشاعر على قاسيون، قبل أن يختم بشكل نهائي على صورة للماغوط وراء قضبان شباك كما لو أنه سجين.
يلقي الشاعر عدداً من قصائده، فيما الكاميرا تمرّ على أغلفة كتبه، وعلى بعض صور قديمة مع العائلة أو مع النخبة الثقافية. سيمرّ الفيلم على لحظات صمته أيضاً، ونظرته المصوبة إلى أعلى. بدا الماغوط طفلاً حقيقياً كما كان أبداً، طفلاً حتى وهو في هذا العمر. روى قصصاّ وطرائف، تحدث عن القمع، وعن خلافه مع سعد الله ونوس حول أن القمع أكثر توليداً للإبداع، مرّ على تجربه سجنه وسجن زوجته سنية صالح لليلة واحدة، وعلى تجربة سجن الشاعر أدونيس في المهجع المقابل له في سجن المزة العسكري. روى وضحك وأضحك الجمهور. دخّن عشرات السجائر، ملأ فضاء المكان بالسعال، ثم بأنفاس لاهثة، باتت أشبه بموسيقى تصويرية للعمل. إن الصوت بارع حقاً هنا، يمكنك أن تنسى كل شيء، لكن يظل ذلك الإيقاع اللاهث لتنفس الماغوط في الرأس، كما لو أنه كان يركض مذعوراً ومطارداً طوال الوقت. صوت لا يشبهه إلا صوت فرشاة الرسم على قماش لوحات فاتح المدرس. كذلك كان صوت الفرشاة أشبه بموسيقى في خلفية حديث الرسام الراحل.
المدرس والماغوط في أمسية سورية واحدة في باريس. لا شك أن في ذلك ضرباً من الرثاء، للرجلين، كما لسوريا الحزينة المنكوبة بالفقد. لكن ليس رثاء وحسب، بل ربما هناك نوع من التغني بسوريا التي أنجبت هذه القامات الكبيرة.
لا بد من القول أخيراً إن للأمسية خصوصية لا ندري إن كانت ستتكرر، حيث مشاهدة هذين الفيلمين في الظروف التي تمر بها البلاد لها حساسيتها الخاصة. أعتقد أن الأثر الذي سيتركه عرض الفيلمين عند الجمهور لن يكون كمشاهدته قبل اندلاع الثورة في سوريا. للسوريين اليوم عيون أخرى تفيض بالدمع إزاء أي شعور بالفقد أو الحنين. إنها سوريا اليتيمة حقاً.