هل هناك أمل في إحياء صناعة السينما المصرية من جديد؟

حجم الخط
0

نحتاج الى استراتيجية واضحة بين أطراف المعادلة: أحمد يوسفلم أدرِ إن كنت أضحك أم أبكي، عندما قرأت خلال الأيام القليلة الماضية نداء استغاثة ممن يقولون أنهم صناع السينما المصرية، موجها إلى ‘الدولة’ يطالبونها بالتدخل لحماية هذه الصناعة التي يخافون أن تكون على وشك الانهيار، إن لم تكن قد انهارت فعلا. الآن يلجأ أصحاب ‘الفلوس’ في السينما المصرية إلى الدولة، وهم الذين كانوا يرفعون عقيرتهم دوما بشعار حرية السوق وعدم وجود أي نوع من القيود. إنهم هم أنفسهم من باعوا واشتروا في تراث السينما المصرية، الذي ذهب معظمه إلى شركتين فقط منذ عقد واحد فقط، والله وحده يعلم إن كان ذلك التراث قد بيع الآن لشركات ونظم أجنبية أخرى يهمها أن تضع قبضتها على كل مقدرات الشعب المصري. في الحقيقة إنه لا يمكننا أن نوجه اللوم كله للمتاجرين بهذه المقدرات، فاللوم الأكبر يقع بلا شك على مناخ سياسي واقتصادي استمر طوال الأربعة عقود الماضية، فإذا كان النظام السياسي المصري قد روج خلال هذه الفترة لمفهوم أن أوراق ‘اللعبة’ في يد أمريكا وحدها، وإذا كان العدو الصهيوني قد أصبح صديقا بينما تقطعت صلاتنا بأشقائنا الحقيقيين، وإذا كان الشعار المرفوع هو ‘اكسب واجرِ’ في كل أمور حياتنا، وإذا اختفى أي ظل لمشروع قومي بالمعنى الكامل للكلمة، وإذا أصبح المواطن المصري مجرد شبح إنسان ‘يرضى بالهم والهم مش راضي به’ كما يقول المثل الشعبي، فلا تنتظر إلا أن يتفكك الوطن، ويصبح أنقاضا يبيعونها في ‘سوق الكانتو’، والتاجر الشاطر هو من يعرف أنه ‘إذا تهدم بيت أبيك اخطف لك منه قالبا’، وليذهب البيت نفسه في ‘ستين داهية!!’. يضحكني ويبكيني الآن أن هؤلاء يتباكون على السينما المصرية، وهم الذين أوصلوها إلى ما هي عليه. تأمل ما حدث خلال هذه العقود الأربعة التي نتحدث عنها: في السبعينيات، وبعد تفكيك تجربة القطاع العام التي ألصقوا بها سلبيات أكثرها مختلق، سادت سينما محمود ياسين وحسين فهمي، لأبطال يسكنون بيوتا خرجت لتوها من مجلات تخصصت في صور الأثاث الحديث، وهم لا يعملون في مهنة محددة، وليست لهم أية ملامح سوى أنهم ‘يحبون على أنفسهم’. كان ذلك متسقا تماما مع مفهوم تلك الحقبة في النجاح، التي لخصها السادات بقوله: ‘اكسب زي ما انت عايز ما دام بتدفع لي’!! ثم جاءت الثمانينيات بقدر من التفاؤل في بداياتها، وظهرت سينما محمد خان وخيري بشارة ورأفت الميهي وعاطف الطيب وداود عبد السيد. لم تكن تلك السينما سائدة بالمعنى التجاري للكلمة، لكن ما ساعدها على الوجود عامل قد ننساه أو نتجاهل تأثيره، وهو سوق شرائط ‘الفيديو’ المتنامي آنذاك، وكان سببا في ازدهار كمّيّ ٍ في صناعة السينما المصرية، تجسد فيما نطلق عليه ‘أفلام المقاولات’، لكن وجود هذين التيارين المتناقضين معا يشير إلى حقيقة بسيطة: لكي توفر الظروف لسينما جادة يجب أن تدور عجلة الانتاج حتى لو جاء أغلب الحصاد متواضعا.

بين نهاية عقدي الثمانينيات وبداية التسعينيات بدأ الانهيار، جاءت أزمة الخليج لتعلن عن شرخ عميق في التوجهات العربية، اكتمل مع تداعي الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية مما جعل أغلب المثقفين المصريين يكفرون بكل الأيديولوجيات (مع أن هذا الموقف ذاته نوع من الأيديولوجيا!!)، ووصلت إلينا موجة ما بعد الحداثة التي تقول أنه لا توجد أية حقيقة مؤكدة (لكن لماذا تكون تلك ذاتها حقيقة مؤكدة؟!). لقد كان ذلك كله مناخا ملائما لكي يعلن النظام السياسي المصري عن حقيقته دون مواربة، باعتباره ‘سمسارا’ لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، وكان الوجه الآخر لذلك سياقا اقتصاديا يفكك كيان ‘الدولة’ ليستولي بضع أفراد على ما تبقى منه. في ظل هذا المناخ الذي تزامن مع توقف سوق الفيديو، ليبدأ عصر الفضائيات التي تعرض الأفلام المصرية القديمة أو الموجودة بالفعل، تراجع الإنتاج إلى حد كبير، واختفى الفنانون السينمائيون الجادون واحدا وراء الآخر (من يتصور أن آخر أفلام خيري بشارة التي عرضت تجاريا يعود إلى عام 1995؟!). منذ ذلك الحين عادت السينما المصرية نصف قرن أو يزيد إلى الوراء، إلى أفلام فوزي الجزايرلي وتوجو مزراحي، إلى كشكش بك وبربري مصر الوحيد، هذه المرة تحت ذلك الاسم السخيف السقيم: ‘المضحكون الجدد’. وإذا لم يكن في الإضحاك نفسه ما يعيب، فالعيب كل العيب أن يكون لديك ماضٍ طويل عريق في اللغة السينمائية ثم تتخلى عنه بإرادتك لكي تتهته وتفأفئ بأفلام تخجل أن تراها، لكن صناعها لم يكونوا يخجلون أن يصنعوها!! عندما ننظر إلى الأمر اليوم نرى أنهم جزء من تجريف هذا الوطن، ماديا ومعنويا، لا فرق بين بيع مصانع الشعب ليبيعها بعد ذلك من اشتراها أرضا للبناء، أو بيع تراث السينما المصرية لأصحاب قناتين فضائيتين أو ثلاث، أو الدخول لعالم إنتاج أفلام من نوعية ‘اسماعيلية رايح جاي’ وحتى ‘أبو العربي’. كنا قبل تلك المرحلة ننتظر ظهور مخرجين جدد يضخون دماءً شابة في جسد السينما المصرية، لكن ما حدث بعدها كان مخيبا للآمال إلى حد كبير، فمعظم من بدأوا أول أفلامهم خلال العقدين الماضيين توزعوا بين اتجاهين: أفلام مغرقة في التقعر الأجوف، وأفلام أخرى تغرق في الخفة (لا أقصد خفة الظل)، بل لم يكن غريبا أن يبدأ الواحد منهم بالتعقيد المفرط لينتقل في فيلمه الثاني إلى النقيض، ويمكنك على سبيل المثال أن تقارن بين فيلمي المخرج أحمد عاطف ‘عمر 2000′ و’ إزاي البنات تحبك’، وكان هذا الفيلم الثاني هو أول أفلام السينما المصرية التي تعلن دون مواربة عن ‘بيزنيس’ صاحب الفلوس، حيث تم تصوير الفيلم في القرية السياحية التي يملكها، بالإضافة إلى تقديم التحية له في جملة حوار، بتعريف بطلة الفيلم بأنها ‘بنت كامل بيه أبو علي، الراجل الطيب’، وهو إن لم تكن تعلم اسم منتج الفيلم!! وكان كامل ‘بيه’ أبو علي نموذجا حقيقيا لمنتجي هذه المرحلة، كما كانت علاقته بالسينمائيين مثالا على حالة التجريف أو حتى التشويه. وربما كان كامل أبو علي فخورا بفيلميه ‘أبو العربي’ و’ درس خصوصي’، فهما أبلغ تعبير عن دور المنتجين الجدد، فالفيلم الأول لا يفوت فرصة لكي يحول ‘حرب أكتوبر’ لنكتة سقيمة، ولا أدري ما يمكن أن يتركه ذلك في وجدان الجيل الجديد الذي يسمع عنها ولم يحضرها. أما الفيلم الثاني فهو يهيل التراب على ‘كل’ التاريخ النضالي للشعب المصري، فكأنه محاولة لمسح هذا التاريخ من وجدان أجيال تعلمت أن تكره ‘الشعارات’ الوطنية والقومية، بسبب المهانة التي يعيشها أبناء هذا الجيل في حياته اليومية، والتناقض الصارخ (وأراه مقصودا) بين الأقوال والأفعال. ولكي يكتمل دور هذا الرأسمال الجديد فصولا، زعم أيضا أنه يصنع أفلاما عن ‘الفقراء’ كتلك التي قدمها أبو علي بالتعاون مع خالد يوسف، في سلسلة ‘حين ميسرة’ و’ كلمني شكرا’، تلك التي تجعلك تتمنى لو اختفى هؤلاء ‘البشر’ الذين لا يستحقون الحياة، لأنهم كما تقدمهم هذه الأفلام مجرد حيوانات ليس فيها إلا كتلة من الغرائز البهيمية. وها هو كامل أبو علي ينسحب من صناعة السينما بعد أن كان المسيطر على معظمها في الفترة الأخيرة، لأنه لم يكن ينتمي بحق لهذه الصناعة ولن يدافع عنها في محنتها، أما عن أحلام خالد يوسف معه فلعله سوف يجد بديلا، وأتركك ياعزيزي القارئ تعرف هذا البديل بنفسك كما سوف تسفر عنه الأيام القادمة. هذه هي حكاية صناعة السينما في العقدين الأخيرين، التي يمكن أن ألخص لك نتائجها في سطور قليلة: تراجع على مستوى الكم والكيف معا، وسيطرة مفهوم الكسب السريع، وترويج بضاعة لبضع أشخاص يسمونهم نجوما بينما أغلبهم لا يملك أية موهبة، واضطرار معظم الفنانين إما للبقاء في بيوتهم أو التحلي (وإن كانت كلمة غير دقيقة في هذا السياق) بقدر من الانتهازية، وغياب متعمد عن تناول قضايا حقيقية تهم المواطن المصري، والاختفاء وراء بعض البهلوانيات الشكلية السينمائية التي قد تغطى على غياب مضمون جاد، لكنها تفقد بريقها سريعا (وأفلام ساندرا نشأت خير مثال على ذلك). ما الحل الآن؟ أعود إلى نقطة البداية مع مناشدة بعض ‘المنتجين’ إياهم الدولة للتدخل لمساعدتهم. ياه!! أليست هذه هي ‘الدولة’ التي ألصقوا بها كل عيب، واتهموها بأنها السبب وراء تخريب السينما المصرية حسب أقوالهم. دعني يا قارئي العزيز أتفق معك على مبدأ: وهو ألا نبدأ بمقولات أو مفاهيم جاهزة، تحكمها دائما المصالح الآنية ضيقة الأفق أو قصيرة النظر، كما يحدث مع أصحاب الفلوس الذين يكرهون دور الدولة عندما يعيثون في الأرض فسادا، ثم يتملقونها لكي تقيلهم من عثرتهم. ولعل البداية هي تحديد معنى الدولة في هذا السياق تحديدا (فمن المؤكد أنه أشمل كثيرا مما سوف نذكر)، فالدولة ببساطة هي ما لا نستطيع أنا أو أنت بمفردنا أن نقوم به، وهو الدور الذي يوازن بين كل الأطراف حتى لا يطغى طرف على آخر. لذلك فالدولة موجودة بقوة في كل الأنظمة القوية حتى الرأسمالية منها (على عكس ما يتم الترويج له عندنا)، إنها مثلا موجودة في قانون الضرائب التصاعدية الذي ترفضه الرأسمالية المصرية برغم أن هدفه تحقيق نوع من العدل الاجتماعي، وموجودة في قانون منع الاحتكار الذي حاربته رأسماليتنا بشراسة، مع أنه بالنسبة للسينما أحد الأسباب القوية لازدهار صناعة السينما الأمريكية.

ربما لا يعادل دور الدولة في السينما إلا دورها في الدفاع عن أرض الوطن، فالسينما أحد الخطوط الدفاعية (والهجومية أحيانا) بالغة الأهمية بالنسبة لوجدان الأمة. وإذا كان علينا أن نبدأ بـ ‘تشخيص’ المرض تمهيدا لعلاجه، فالحقيقة المريرة هي أن السينما المصرية تعاني من حالة هي أقرب للموت الإكلينيكي، أو الحركة بالقصور الذاتي حتى تتوقف أو ترتطم بما يدمرها. أما الأعراض فهي تراجع حاد في أعداد الجمهور ونوعياته، فالزبون اليوم بدوره عابر سبيل يدخل السينما بالصدفة. والعلاج هنا يبدأ من زيادة عدد دور العرض الصغيرة، المنتشرة في كل المدن وحتى القرى، وعلى الدولة أن تقوم بتشجيع إنشاء هذه الدور بسن كل التشريعات التي تضمن ذلك. من جانب آخر، فإن إحجام المواطن البسيط عن ارتياد السينما يعود إلى أن ميزانية أسرته لا تكفيه للطعام والدروس الخصوصية والدواء، فكيف له أن ينفق على السينما أيضا؟ والحل هنا هو إصلاح حقيقي للاقتصاد المصري لكي يعود بالفائدة على حياة المواطن.

ها أنت قد رأيت إن إصلاحا في جانب واحد فقط يحتاج إلى رؤية أشمل، وهو ما ينطبق على الجوانب الأخرى جميعا، التي يمكن أن نلخصها في بعض النقاط. لا بد أولا من مراجعة سياسة الإنتاج الحالية، حيث تُنفق أغلب ميزانية الفيلم على هذا النجم المزعوم أو ذاك، فاللجوء إلى الأفلام قليلة التكاليف لا يعني أبدا انخفاضا في الجودة الفنية، بل ربما كانت الأفلام القصيرة حلا للأزمة الإبداعية، وأرجو أن نتأمل مثلا كيف أن السينما الإسبانية تصنع عشرات من الأفلام القصيرة فائقة الجودة (يشهد على ذلك مهرجان الاسماعيلية)، وهي أفلام تشارك في إنتاجها ‘البلديات’ التي توازي المجالس المحلية عندنا. كما أرجو أن تقارن ما يصيبني دائما بالمرارة حين أتذكر أن إسرائيل تقوم بإنتاج عشرة أفلام روائية طويلة كل عام، ينافس ثلاثة أو اربعة منها في المهرجانات العالمية، ولا تزيد تكلفة الواحد منها عن مليون دولار، ويتم جمع هذا المليون من عدة جهات عالمية من خلال وزارة التعاون الدولي عندهم (أي من خلال الدولة)، وقارن ذلك بالحالة السفيهة التي قامت بها وزارة الثقافة المصرية حين أنفقت عشرات الملايين على فيلم يتيم واحد هو ‘المسافر’، الذي جاء مخيبا للآمال على كل المستويات.

نحن نحتاج إلى ‘رؤية’، وإلى ‘استراتيجية’، وإلى علاقة واضحة وناضجة بين كل أطراف الصناعة السينمائية. وإذا كانت ‘الدولة’ في المرحلة الحالية في فترة ‘نقاهة’ أو ‘ولادة من جديد’ (ونرجو ألا نتأخر طويلا في هذه الولادة المتعسرة)، فإننا نتمنى أن يبلور أصحاب المصلحة الحقيقية رؤيتهم، وهم ليسوا أصحاب الفلوس وحدهم، فالأهم منهم هم السينمائيون على اختلاف تخصصاتهم. ولا أدري لماذا تتأخر نقابتهم حتى الآن في تولي هذا الأمر، بدلا من انخراطهم في صراعات فردية ضيقة، يستجوب الواحد منهم زميله: ‘هل أنت مع الثورة؟’، وإن كنت أرجو أن يكون السؤال الأهم الآن: ‘هل أنت مع السينما؟’!! لقد تأخرنا كثيرا عن مكانة تستحقها مصر في مجال السينما، والحصول على هذه المكانة لن يتحقق من خلال شعارات براقة، وأكرر مرة أخرى أنه لا يكفي القول بأن ‘روح’ ثورة كانون الثاني (يناير) سوف تنقذ السينما، فلا بد من أن تسكن هذه الروح ‘جسدا’، وإلا سوف تبقى هائمة في حالة هي بين الحياة والموت.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية