عمار احمد الشقيريمُنفَرداً من غَيرِ سِربٍ ولا رَفيقةٍ يَنثُرُ كاهِن اللّيلِ ذُو الرِيشِ الأَبيضِ مَهابةً قُدسيةً في الجوِّ، جِيئةً وذَهاباً، عُلواً ودُنوّاً ما فتئ يَحرُث ُ السَماء ببِصَرِه ـ بَصرِ القَنصِ ـ فإن وفجأةً لَمَحَ مَن يَطيرُ في مَساحَتهِ مِن خَفاش أو فراشٍ باحثٍ عن بصيصِ ضُوءٍ، عَافَ المَكانَ وبَحثَ عَن فَراغٍ وعزلَةٍ لا يُشَاركهُ بها أحدٌ في مَهابتهِ وسطوتِهِ عليها.
بِأربَعِ أو خمَسِ أمثالِ جَسَدِهِ يَفردُ الكاهن جناحهُ كخطابٍ أوليّ لكلِ ذي جَناحٍ إن كانَ مِنكُنَّ مَن لها جناحٌ أكبرُ، فَلها مُلكية الفَضاءِ ها هُنا وإلا فلا… لَيليٌ أبيضٌ، وهادئٌ مثِلَ كَاهِن دَيرٍ، تَصومَعَ ونأى عَنِ العَامَةِ، لاعتقاده بأن فِكرةَ العَامةِ عَنِ الحَقائِقِ لا تُجانِبُ صَواباً والفَرادَةُ بنت الحقائقِ، نخبويةٌ كما لونهِ الأبيض، يَرتَضيها لِنَفسِهِ كَما يرتضي القَمرُ فرَادَته من لونهِ الأبيض في الليالي اللّيلاءِ بِدربِ التبانة.
غيضٌ من حارس الليل – الخفاش – يَغشاهُ حينَ رأى الكَاهِنَ بهذهِ السَطوةِ البَيضاءِ، فَيسألهُ مِن مَكانٍ خُفيَ على الخَفاشِ وتجلى للبوم:- مِن أين لك يا ابن الكلبة كل هذا البهاء.
يرد البومُ من علٍ يرى فيه الخفاش وما الآخر بِمبصرهِ:
لأنثاي ـ أنثى البومِ ـ طَقسٌ ضَاربٌ في سُلالَتِنا، فَحينَ يفقسُ البيضُ تَعرضُ فِراخَها في ضُوءِ القَمرِ ثَلاثينَ ليلةً لِيتشربَ الأبيض في بُصيلات رِيشِ الصِغارِ كَما يتشرب القَنصُ في أبصارِها مِن هذا اللّيل يَجفلُ الخَفاشُ من ذِكرِ القنصِ فَيفلتُ مِن مَكمَنِهِ ويزعَقُ هَارباً، حِينَها مَن ذَا الذي سَيفلت من كَمينِ الكَاهنِ الذي أعدَهُ باحتراف خَلال المحاوَرَةِ القصيرة تلك؟
فَرسخٌ، اثنانِ، رُبما ثلاثة، والبوم الكاهِنُ يُطارِدُ الخَفاشَ ولا يقنصه ـ ليست هَذهِ عَادَتُهُ ـ يتركُهُ لِيتعب أولاً من ثم ينقض عليه، ويسحبه لأعلى القمم ليِشهدَ القَمرَ على نظافة طَريقتِهِ في القَنص. في اللَّيل، إإمن كل شيءٍ أيَّ شيء، إلا حَركَةَ البوم فقد يعدُ كمينه كما حدث تواً خلال محاورةٍ قصيرة، قصيرةٍ لِدرجةٍ قَد تكون سلاماً، فسلاماً. الخفاشها شَيخُ الظُلمَةِ يَجرُ جِرارَ اللّونِ خلفهُ وَيَتقدم، ها يَبدأ يَسكُب لَعنةَ الأسوَدِ في المَسافَةِ الفَاصِلَةِ بَين غِيابِ الشَمسِ وَبُزوغِ النَجمِ.
دَفقةً، دَفقةً يَسكبُ، ووابلاً فَوابلاً تَنساحُ الظُلمَةُ على الغَسقِ مِن بينِ جَناحيهِ اللذينِ تَخلصا مِن خَدرِ الوُقوفِ بِسقفِ الكهوفِ مَقلوباً النَهارَ كُله. وحدَها طَريقَتهُ في الوقُوف تِلكَ من أورَثَتهُ الرُؤى المَقلوبةَ للحقائِق، وظَلامُ الكُهوفِ من أورَثتهُ سوداوية رأيهِ فلا الشَمس التي تَزاور ذات اليمين وذات الشمال عن مقامه تلج ولا ضوء الفجر يدخل.
وما مِن طائِرٍ يُشبهُ شَيخَ الظُلمَةِ في سوداويتهِ، هو رَهينُ رأيهِ وَالمُتُجاهلُ بِعاداتِ الطَيرِ وغَرائِزها، فَمن بين ذوات الجَناحِ سلالتُه اختارت التَناسُلَ بالولادةِ وما أعجَبَها من بينِ صَوت الطَير لا تَغريدَ ولا زقزقةً ولا صفير، صَوتها فيه فرادة المنبوذِ وهو صوت احتجاج أبديٍّ على وحدَتِها التي اختارتها بِنَفسِها.