رامي أبو جبارةفي خضم الثورات العربية الباسلة التي شهدتها منطقتنا ولا زالت تشهدها، تعرّت معظم الأنظمة العربية بالكامل، بعد ان استخدمت جميع أوراقها لاجهاض انتفاضات شعوبها. وأمام هذا العري الذي شاهدناه، تبدت لنا بشكل واضح اخفاقات السلطة في الأقطار العربية، ولكن الأدهى من ذلك أن تلك السلطات باتت لا تستمد شرعيتها إلا من اخفاقاتها، أو على الأقل تحاول ذلك.
نحن هنا لسنا بصدد مناقشة اخفاقات الدولة القطرية في الوطن العربي، لأن العديد من المثقفين العرب، وخصوصا القوميين، نظـّروا لحتمية فشل الدولة القطرية العربية. كما أننا لسنا بصدد الحديث عن اخفاقات السلطة الحاكمة في تلك الدول أيضا. وما نود الحديث عنه تحديدا، هو كيف تستمد أو تحاول أن تستمد السلطات في الأقطار العربية شرعيتها من اخفاقاتها، على العكس تماما مما يفترض أن يكون. فالأصل أن السلطة في الدول الديمقراطية لا تستمد شعبيتها وبالتالي شرعيتها إلا من الانجازات التي تقوم بها، بل حتى اخفاق واحد قد يكون كفيلا بأن يطيح بها من السلطة.
قد يتساءل البعض، ولكن كيف يمكن لسلطة أن تستمد شرعية من فشل أو إخفاق؟ لمعرفة هذا اللغز العجيب، ما علينا سوى النظر إلى الدول العربية التي يوجد بها تعددية عرقية أو طائفية أو إقليمية أو جهوية أو قبلية، لنرى أن جميعها من دون استثناء – تعاني من توترات بين أطراف هذه التعددية. وكما هو معروف، فواجب السلطة السياسية أن تسعى لخلق مجتمع مدني متكامل ينخرط فيه جميع أفراد الشعب من شتى المنابت والمذاهب والأصول، وأن تسعى لخلق جو من المواطنة يشمل الجميع، ويكون الجميع فيه متساويين في الحقوق والواجبات. واذا فرضنا حسن النية بأن السلطة السياسية في الأقطار العربية كانت جادة في هذا المسعى، نستطيع ان نرى انها فشلت فشلا ذريعا في ذلك، بل وحتى تحاول استمداد شرعيتها من تلك التناحرات الوهمية، كونها – أي السلطة – الجهة الحاجزة بين الأطراف ‘المتناحرة’ وصمام الأمان الذي لولاه لنشبت حرب أهلية. والدليل على هذا سماعنا هذا الخطاب في ليبيا واليمن وسورية ومصر والأردن والبحرين والسعودية، وان كان نجاح هذا الخطاب قد تفاوت من دولة لأخرى معتمدا على الوعي والتكاتف الشعبي، فقد أثبتت بعض السلطات، مثل الاردن والبحرين، أنها فعلا تستمد شرعيتها من الدور الذي تلعبه كحاجز بين فئات ‘متناحرة’ داخل مكونات الشعب الواحد. أما بالنظر إلى الفساد المستشري في الأقطار العربية، فقد اصبحت السلطة السياسية التي تحارب الفساد – وان كانت حربها هذه شكلية – هي السلطة التي تملك الشرعية، وهي الخيار الشعبي الذي يتفق عليه الجميع. وإذا نظرنا إلى مجريات الأمور في أقطارنا العربية التي شهد شارعها تحركات تطالب بالتغيير، نرى ان جميع السلطات السياسية في تلك الأقطار أقالت حكومات وعينت أخرى لمحاربة الفساد، وكأن الفساد جاء من خارج هذه السلطة. والأدهى من ذلك أن الحكومات ‘الجديدة’ كانت من نفس تلك السلطة السياسية الحاكمة ‘السابقة’. وبذلك أصبح اخفاق السلطة في استئصال الفساد – الذي هو واجبها أصلا – هو مصدر شرعيتها، كونها تحاول محاربة هذا الفساد الذي هو أساسا من صنع يدها، ولنا في الأردن وسورية ومصر وتونس واليمن في ذلك عبرة. حتى تتضح لنا الصورة أكثر فلنأخذ الأردن على سبيل المثال، حيث نجد أن احدى أكثر الحكومات السابقة فسادا كانت برئاسة رئيس الوزراء المعيّن حديثا لمحاربة الفساد وهو الدكتور معروف البخيت، حيث زُوّرت في عهدها الانتخابات النيابية، ووقعت في عهدها فضيحة كازينو البحر الميت، التي يتم النظر فيها حاليا في أورقة القضاء. وكذلك كانت حكومة اللواء شفيق في مصر وحكومة السيد الغنوشي في تونس وغيرها. إن الحديث عن عصابات مندسة وفئات مأجورة للخارج يأتي في نفس السياق السابق، حيث أن مسؤولية السلطة بالأساس أن تنمّي الانتماء إلى الدولة التي تديرها، كما أن مسؤوليتها أيضا أن تحفظ الأمن وأن تستأصل أي عصابات مسلحة أو فئات مأجورة تريد الاخلال بالأمن. ومجرد وجود تلك العصابات هو اخفاق للسلطة لا تستطيع بحجة محاربته أن تحاول اقناع الشعب بضرورة وجودها وشرعيته، بل على العكس تماما فمجرد وجود مثل هذه الفئات يعني أن على السلطة أن ترحل كون اخفاقها هو السبب في عدم معالجة ظاهرة مثل هذه، فوجود تلك العصابات هي مصيبة، وبعدم وجودها تكون المصيبة أعظم. وقد رأينا الحديث عن مثل هذه العصابات والفئات في كل الدول التي شهدت تحركات تطالب بالتغيير، مثل تونس ومصر وليبيا وسورية والبحرين والسعودية واليمن. قد تطول قائمة الاخفاقات هذه إلى ما لا نهاية، ولكنني أستطيع أن أجزم بأن القارئ استطاع أن يعرف حجم الخراب الذي استوطن أقطارنا العربية، التي هي وان كانت بكامل عافيتها فأغلبها لا يملك مقومات الدولة أصلا، فما بالك اذا أضيف لها خراب سلطتها. كما أستطيع أن اجزم أيضا بأن القارئ الكريم قد استطاع تحديد موضع الخراب، والكامن في غياب التداول الديمقراطي والسلمي للسلطة. فلو أن هناك تداولا ديمقراطيا للسلطة، لعملت الجهة الحاكمة – أيا كانت – قصارى جهدها على تحقيق المزيد من الانجازات لشعبها لضمان استمراريتها في السلطة وليس العكس، بمحاولة تكريس فشل افتراضي مثل اشعال نار الفتنة بين أطياف الشعب الواحد، أو بمحاولة محاربة احدى نتائج فشلها المسبق مثل محاربة الفساد أو محاربة عصابات مأجورة.’ كاتب فلسطيني