تفنن الظالمون في الأزمنة الغابرة بوسائل تدعم ديمومة سطوتهم على الشعوب، واستعانوا بخبراء في هذا المجال ليرفدوا ما لديهم من معلومات ويدعموا ما يمتلكون من أدوات، تبث اليأس في قلوب العامة من التغيير وتقنعهم بالرضا بالفتات القليل الذي يرمى لهم ليسدوا رمقهم، وليستمروا في الدورة البائسة لحياتهم، وجدت الشعوب نفسها أمام خيارين: إما الحياة بذل أو الموت، للأسف عدد من كان يفضل الموت على الذل قليل، أما الغالبية فكانت ولأسباب عدة كالأمية المفروضة والخوف على الذرية وكرة الموت وقبل كل ذلك الفشل في العثور على مكمن القوة لديهم، وحرص الدكتاتوريات على اقتلاع كل نبتة تتسم بصفات القيادة نحو طريق الحرية، كانوا يفضلون الحياة الذليلة على الموت الأبي، مما لا شك فية تأكد الحكام الظالمون من نجاعة القمع كصمام أمان لاستمرار حكمهم وإطالة ظلمهم وأصفاد لا يمكن فتحها لمن يفكر في رفع يده لقول كلمة الحق. تقدم الزمن ولم يذكر أن التقدم بدون تطور وتغيير على كافة الأصعدة، يتطور كل شيء للأحسن إلا الظلم فيتطور للأسوأ، توظف كل الاكتشافات والتحديثات لتوسيع رقعته وزيادة سطوته وانتشار بطشه، كان الزمن يسير بخطين متوازيين، هما: خط الشعوب في تلمس الحرية وخط الحكام في تعزيز الدكتاتورية، لكن الفرق في المفاهيم كان كبيرا، حيث ان الشعوب كانت متيقنة أنه لا بد للظلم ان ينجلي، مستندة في ذلك الى تشريعات السماء – الحق يعلو ولا يعلى عليه – أما الحكام الظلام فكانوا مستندين الى أن الظلم لا ينجلي والسطوة تزداد قوة وشراسة بالقمع، مستندين في ذلك الى عقول هي اصغر من أن تدرك قوانين السماء. وهكذا سار كل في طريقة واجتهد الكل في الوصول لهدفه، كانت الشعوب اسرع للوصول لهدفها من الدكتاتوريات، حيث وصلت الى مكمن قوتها لتمسكه وترفعه عاليا في وجة من عاداها وظلمها على مدى عقود بل قرون، وما أبهرها أنه كان بين أيديها ولا يستحق مسيرة كل هذه السنوات للحصول عليه، لكنه القدر الذي يأتي حينما يقرر الله سبحانه وتعالى، أول الواصلين كان محمد البوعزيزي الذي رفع راية القوة الحقيقية وهي صوت الشعوب، وما هي إلا أيام حتى هرب زين العابدين بن علي، ولاقى نفس المصير حسني مبارك، خذلهم القمع، لأنهم لم ينتبهوا لنفاد صلاحيته في زمن التغيير، وأن الأساليب التي لديهم عفى عليها الزمن، واصبحت كالذي يركب بعيرا وينوي الوصول قبل راكب السيارة، ما يحيرنا هو استماتة الدكتاتوريات في استعمال القمع، على الرغم من أنه لم يسعف من سقط قبلهم في تونس ومصر ومن هو في حكم الساقط في ليبيا واليمن. نصيحة لكل من يجلس على كرسي الحكم، عليك بالشعب ثم الشعب ثم الشعب، لا قوة لك بدونه ولا بقاء لك بمعارضته، من يكسب الشعب يكسب الكرسي ومن يخذل الشعب يخسر كل شيء، نقول هذه المفردات في الوقت الذي نتفهم فيه تأثير سحر الكرسي على الكثيرين، مما يفقده المشي في الطريقين الأمينين، حب الشعب في إعطائه حقه كاملا واحترامه، وحب الشعب في شجاعة ترك الكرسي بهدوء.
مياح غانم العنزي