محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: هيمن التفجير الارهابي الذي استهدف الخميس الماضي مدينة مراكش على المسيرات العمالية التي شهدتها امس الاحد مختلف المدن المغربية بمناسبة اليوم العالمي للعمال.
قادة الحركات النقابية الذين تحدثوا في هذه المسيرات نددوا بالتفجير وحذروا من مخاطره وانعكاساته على مسار اصلاحي تعرفه البلاد منذ بدء حركة الاحتجاجات الشبابية في 20 شباط/فبراير وقالوا ‘ان هذا العمل الإرهابي الشنيع لن يعرقل مسيرة الإصلاح التي انخرط فيها المغرب، مبرزين أن الشعب المغرب سيظل متجندا وراء الملك محمد السادس للدفاع عن أمن واستقرار الوطن وسلامته’. التخوف على مسار الاصلاحات لا يقتصر على العمال ونقاباتهم، فاذا كان هناك اجماع مغربي على ادانة التفجير الذي ذهب ضحيته 16 قتيلا و25 جريحا جلهم من الاجانب الذين اتوا سياحا للمدينة، فان هناك اجماعا اخر على ان الرد الحقيقي على هذا العمل هو بالديمقراطية وترسيخ المكاسب التي تحققت في هذا الميدان والتحذير من استنساخ السلطات لسلوكها في تدبير الهجومات الانتحارية التي استهدفت الدار البيضاء 2003 او ما يعرف بتفجيرات 16 ايار/مايو، وهو السلوك الذي ادى الى تراجع في ميدان الحريات والانفتاح وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان ان كان في الاعتقال او التحقيق او المحاكمات التي تمت تحت غطاء قانون مكافحة الارهاب.
العاهل المغربي الملك محمد السادس قام، اول من امس السبت، بظل اجراءات امنية مشددة، ولمدة 40 دقيقة بتفقد ركام مقهى اركانة بساحة جامع الفنا اشهر المواقع السياحية بالمدينة التي استهدفها تفجير الخميس كما عاد جرحى التفجير في المستشفى الذي يرقدون به للعلاج. وأعلن وزير الداخلية المغربي أن حصيلة القتلى في التفجير الارهابي بلغ 16 شخصا من بينهم مغربيان و14 أجنبيا وتم تحديد هويات 13 منهم وكان اخر المتوفين مواطنة فرنسية متأثرة بالجروح التي أصيبت بها في الانفجار.
وأكد الطيب الشرقاوي انه استنادا للعناصر الأولية للبحث، فان عملية التفجير وقعت بالطابق الأول لمقهى أركانة عن طريق استعمال مادة متفجرة، عبارة عن عبوة ناسفة تدخل في تركيبتها مادة ‘نيترات دامونيوم’ ومتفجر ‘تي أ تي بي’، وأن المؤشرات المتوفرة تؤكد استبعاد فرضية عملية انتحارية، كما أن فحص الشظايا بيّن أن التفجير تم التحكم فيه عن بعد.
وأشار إلى أن قوة الانفجار تسببت في إحداث ثقب بـ70 سنتم، مخلفا خسائر مادية مهمة داخل وخارج المقهى، كما تم العثور على مسامير حديدية في عين المكان وفي أجسام الضحايا.
ودون ان يوجه اتهاما صريحا لتنظيم القاعدة فان الوزير المغربي قال ‘ان الطريقة التي تم بها تنفيذ هذا العمل الإرهابي تذكر بالأسلوب الذي يستعمله عادة تنظيم القاعدة وهو ما لا يستبعد بالتالي وجود مخاطر أخرى محتملة’، واكدت مصادر رسمية وجود خبراء امريكيين وفرنسيين واسبان يشاركون في التحقيق وقال الى أن البحث لا يزال جاريا من أجل تحديد الملابسات الحقيقية لهذا العمل الإجرامي الإرهابي الشنيع ومعرفة منفذيه والذين خططوا له قصد تقديمهم للعدالة لتقول كلمتها فيهم.
وأوضح أنه موازاة مع ذلك تم اتخاذ جميع التدابير الأمنية على صعيد مجموع البلاد من أجل ضمان النظام والأمن في مواجهة أي تبعات لهذا المشروع الإجرامي والتصدي له بكل حزم ويقظة.
وأكد وزير الداخلية المغربي ‘أن هذا العمل الإرهابي لا يمكنه بأي شكل من الأشكال أن ينال من عزم والتزام الدولة بكل مكوناتها على مواصلة السير وفقا للاختيارات الديمقراطية الكبرى وإنجاح الأوراش المتعلقة بالإصلاحات الدستورية والسياسية التي من شأنها أن ترقى بالممارسة الديمقراطية لبلادنا إلى ما نطمح إليه جميعا في انسجام تام مع ثقافتنا وقيمنا المستمدة من تعاليم ديننا الحنيف’. ووقف المئات من المواطنين صامتين مساء الجمعة جامع الفنا بمراكش تضامنا مع ضحايا التفجير الإرهابي وقام المشاركون مرتدين اللباس الأبيض، رجالا ونساء، شبابا وكهولا، مغاربة وأجانب (المقيمين بهذه المدينة والسياح) بحمل الورود والشموع وضعوها أمام مكان الحادث الذي لم يعلن حتى الان عن مرتكبيه ولم تتبنها اية جهة.
وقالت تقارير صحفية انه تم توقيف اثنين يشتبه في وجود صلة لهما بالتفجير ونشرت صحيفة ألباييس الإسبانية صورة ‘روبو’ مفترضة قالت انها لمنفذ الهجوم وضعتها الشرطة اعتمادا على شهادات سائح هولندي قال إنه رأى هو وصديقته منفذ الهجوم عندما دخل إلى المقهى الا انه تبين انه غير صحيح وهي ‘صورة روبو’ لسفاح نساء بكندا. نشرتها منذ عدة أسابيع شرطة أوتاوا الكندية من أجل البحث عن الجاني.
ويرى الباحث المغربي مصطفى الخلفي ‘أن الجهة المدبرة لهذا الفعل، كانت خارجية أو داخلية، وضعت مجموعة أهداف كبرى من عمليتها، الأول إعاقة التقدم السياسي للمغرب، والثاني ضرب استقرار المغرب وخلط الأوراق في المنطقة المغاربية التي تعيش مرحلة مخاض ديمقراطي عميق، والثالث، إرباك الوضع الاقتصادي الذي يواجه تحديات الاستجابة للأزمة الاجتماعية وذلك على أبواب انطلاق الموسم السياحي، ثم رابعا ضرب سياسة الانفتاح الجزئي نحو مقاربة تصالحية لطي ملف المعتقلين ضحايا قانون الإرهاب، بعد الإفراج الأول، وهي أهداف تعتبر أن النموذج المغربي في إنجاز إصلاح ديموقراطي هادئ وحقيقي نموذج مقلق وينبغي إفشاله، والوعي بهذه الرهانات يمثل المدخل لمواجهة هذا الاستهداف’. واكدت المنظمة المغربية لحقوق الانسان ‘أن الجواب الحقيقي على مثل هذه الأحداث الإرهابية التي تمس تماسك السلم الاجتماعي، يكمن في الاستمرار في الإصلاحات العميقة دون أي تردد، كما يستلزم استمرار تدابير الثقة المتعلقة بتسوية ملف المحاكمات في إطار قانون الإرهاب’ وشددت ‘على ضرورة تقديم المسؤولين للتوضيحات الضرورية للرأي العام الوطني والدولي حول هذا الفعل’. واكدت المنظمة في بيان ارسل لـ’القدس العربي’ على أن تقوية الحريات وتعزيز الإصلاحات، هما الضمانة الأساسية لمواجهة كل الأخطار الإرهابية والإجرامية والوقاية منها وناشدت ‘مكونات الحركة الحقوقية والقوى الديمقراطية في البلاد إلى التنسيق والانخراط في جميع المبادرات الرامية إلى مواجهة الأعمال الإرهابية المحدقة بأمن واستقرار المغرب’. حركة شباب 20 فبراير التي تقود المطالبة بالاصلاحات دستورية وسياسية واقتصادية واجتماعية ومكافحة الفساد والرشوة وتبذيرالمال العام وتطالب بفصل السلطة عن الثروة، وجدت نفسها في معمعة تفجير مراكش خشية أن تضيع مطالبها في ركام هذا التفجير فأسرعت لادانته والتنديد به ونظمت وقفات في ساحة الفنا وابرزت ادانتها في الشعارات التي رفعتها في مسيرات يوم العمال العالمي. وادى تفجير مراكش الارهابي الى تغيير في تعاطي قوات الامن مع الاحتجاجات الاجتماعية في البلاد. في هذا الصدد تعرض أعضاء ‘الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب’ لتدخل عنيف من طرف قوات الأمن ليلة الجمعة السبت، حينما كانوا معتصمين في مقر الاتحاد المغربي للشغل وسط العاصمة الرباط وذلك بعد أسابيع من تسامح قوات الأمن مع المعطلين وغيابها شبه التام عن هذه الاحتجاجات.
وتخشى اوساط حقوقية من افكار يتم تداولها على مستويات مختلفة تتمحور ان مخططي ومنفذي تفجير مراكش استغلوا انشغال اجهزة الامن بمراقبة ومتابعة حركة الاحتجاجات والمطالبات التي تنظمها حركة 20 فبراير.
ويرى الكاتب خالد الجامعي ان ‘من أهداف الهجوم الغادر المرسومة في مراكش إجهاض حركة 20 فبراير وفرملة ديناميات التغيير التي أطلقتها من عقالها؟ وتقويض المبادرة الملكية، رغم أن فيها نظرا، لتحقيق الإصلاح الدستوري؟ وإجبار النظام على تشديد قبضته، بإكراهه على وضع حد لأنشطة حركة 20 فبراير وللضغط من أجل إحداث مواجهة بين النظام الملكي وهذه الحركة التي لم تتوقف عن استقطاب الأتباع، وعن امتلاك ناصية الخبرة والنضج’.