حتّام لبنان سيزيفا سيبقى ؟

حجم الخط
0

أحمد منصور لستَ بحاجة أن تبحث عن لبنان بمجهر في خارطة العالم… بل بكلّ بساطة، إنظر إلى حيثُ ألسنة اللهب التي لا تتعب منذُ مئات السنين بل آلآفها فتؤشّر إليها بدون تردّدٍ قائلاً: إنّهُ لبنان قبر الجنديّ المقتول المجهول والمعلوم المتدفّق من النّار….. فجغرافية هذا البلد هي قدرُ تاريخهِ.

إنّهُ استراحة المهزومين اللاجئين عامةً في المنطقة الذين سرعان ما يتلقّفون أنفاسهم فيه حتى يتصارعوا فيما بينهم وبين سابقيهم ولاحقيهم…. ولا ينقص أيّ فريق سببٌ للقتال فالأسباب أكثر من أنْ تحصى، فعلَّ الانتصار المستحيل على الغير يطفىء غليلهم ويعيد أمجادهم. إنّهُ أرخبيلٌ من البراكيل المتفاوتة الأحجام إلاّ أنَّ سرعة القضّ والإنقضاض هي اللغة المشتركة فيما بينها فالأوكار مرابع الأحقاد المتحفّزة الواثبة في أيّة لحظة.

إنَّ الشعوب السويسريّة تعلّمتْ وأخذتْ العبرة وكذلك أهالي النمسا على سبيل المثال فصنعوا اتحاداً أو وحدةً مركبّة داخليّة صمدت في الأولى وما تزال منذُ مئةِ أو مئتي سنة. وفي الثانية منذُ حوالي ثلاثة أرباع القرن.

إنّنا لا ندعو إلى الانعزال والانفصال عن جسد المنطقة وإقامة كيانات هزيلة ضعيفة بلْ ندفع المخيلات إلى إجتراح حلّ عمليّ مستمّر. عندما تستأجر مثلاً محلاًّ في مدينة فأول سؤال يتبادر مبدئياً للذّهن: إلى ماذا يصلُحْ وما الناقص في الحيّ الذي بإمكانه أن يملأه إذا كان جارهُ خبّازاً أو سمّاناً أو لحّاماً فالمفروض أن لا يتعاطى عمل الجار المباشر.

والسؤال نفسه ممكن أن يطرحهُ السياسيون في لبنان من نحن؟ وما عندنا؟ وما الدّور المطلوب منّا حيال الجيران والمنطقة عموماً وكذلك الأمر بالنسبة للصراع العربيّ الأسرائيليّ: هلّ نحنُ دولةٌ محايدة؟ مُساندة أم مواجهة؟ هل من الممكن أن تكون إزدواجية على صعيد الوطن تتقاسم فيه السلطة الدولة الرسميّة ودولة المقاومة؟

وهل المعاهدات التي وُقِّعتْ بين لبنان وسورية أيام الحماية السوريّة تُعتَبر صالحة وطبيعية وبالأمكان استمرارها؟… بعض الشجاعة يا جماعة!….. أجل بعض الشجاعة!

؟ هل هناكَ كانت ضرورة حاسمة لتجنيس عشرات الآلاف من السّوريين وسواهم وقرار نزع الجنسيّة من الآلاف منهم بعد أن استقرّوا نهائياً وتكاثر نسلُهم؟ كيف نستطيعُ أخلاقيّاً نزعْ جنسية تلميذ أو طالب يفاخر بلبنانيته المكتسبة عن طريق الدّم أو الأرض أمام زملائهِ؟ فكيفَ فجأةً يصبح انتماؤه في مهبّ الرياح؟ هل يُعَدّ هذا أمراً إنسانياً؟ تلكَ هي المسألة يا اصحاب الضّمائر…. إنّـهُ القتل العَمْديُّ المقصود الذي يصعب تصوّر ردود فعله.

إنَّ القوانين هي كالقوالب الجافّة اليابسة التي تضع أو تَصبَّ فيها ما تشاء. فلا حسَّ فيها ولا شعورً ولا نبض ينبض.

بسِّطوا الأمور أيها السادة المتضلعون واحسِموا في الوقت المناسب لا بعد فوات الأوان وخراب البصرة فاخرجوا من صدف المصالح والطائفيّات والمذاهب المقيتة التي تبعثُ على التقيؤ والقرف.

إنَّ رجلاً يقفُ على قدميه في أرضه ليسَ كمثلِ قعيدٍ رُكّبَ على كرَّاجةٍ علت دواليبها وانتصبَ ليخطب على الملأ البلاستيكي الذي يسوّرهُ الفراغ ويخسفُ بأديمهِ الخواء.

أيّها السادة: أكفُّكم أحناككم لماذا عليها التصفيق كلَّ مرةٍ توقّفت عن السّحن والطّحن والعلك؟ ألا يذكّركم ذلك بتعليف أمّهاتنا الخرفان لتسمينها حتى يكون الشحم أوفر بعد الذبح؟ أمن المعقول ألا تتصوّروا ثمناً للصحن المحروس المسوَّر الذي أنتم حوله، وحولكم السكاكين والأشواك التي تلمع في إبتسامات أصحاب الدعوات الكرام؟ ألا يمكنكم تصوّر هذه الصحون بمثابة البرك والغدران التي تقعون فيها على شعرة ومنها لا تخرجون؟ إذا أردتم أن تكونوا دولةً محايدةً فادرسوا المثال السويسريّ بحكمة ورويّة، وإذا أردتم أن تكونوا دولة مواجهة فادرسوا على سبيل المثال الذي قد لا يكون الأمثل: الحالة السورية، ولكن بميزانيةٍِ جديّة تسمح بالمواجهة.

لا تقفوا بالوحل اليابس في عرض الصحراء. استوعبوا المقاومة بعقلانيّة ومسؤولية وحسم كي لا تستوعبكم بواقع الفعل واتركوا المسابح جانباُ وكرّاسات التسبيح. الوطن تُحدّق فيه ‘ ميني تسونامي ‘ وأنتم ما اخترتم الوضع المناسب الحقيقي للمواجهة بعد. دعونا من وزارات العائلات التي أشبعت هذا الوطن الويلات ولننتقل إلى وزارات الكفاءات.

ضعوا في رؤوسكم أنّكم خادمون ولستم مستخدمين ولا مستعبدين، فالوطنيّ الحقيقيّ هو الذي يكون على مستوى السواد الأعظم من بني شعبه. لا دُور ولا قصور ولا طائرات ولا ليموزينات ولا فضائيات ولا جرائد ولا موائد الأحد والجمعة لسَمْـل الحَنَك ودَعْس العين وهزّ السيف إذا لزمَ الأمر.

لا تصدّقوا من يستقبلكم وأنتم كالعميان في الجوار وعبر البحار بل حدّقوا واسمعوا واطرحوا السؤال لماذا وما المبرر للتكريم وللوعود؟

إذا لم تُجْدِكم مئتا سنةٍ من الوثائق فاستعيضوا بوثائق وكيليكس على الأقلّ علَّ وليتَ وعسى فيها أكثر مما قلَّ ودلّ.

لم تفهموا حتى الآن أنكم أصبحتم تسليةً وسخريةً وتهريجاً في الغرب والشرق، لكنّكم تعرفون كيف تصمّون آذانكم وتخيّطون أعينكم، كما تعرفون كيف تطلقون ألسنتكم علّها تنسيكم السمع والقشع والتفكير وتُلهي من همّ وراءكم وأمامكم في ضلال وضلالة المسيرة. أيها الساسة: لقـد قرّفتمونا السياسـة والرئاسـة والسلّطة والوطـن والمواطنة والديمقراطية الفارغـة وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية