صلاح جاهين: شاعر الثورة وفيلسوف الفقراء

حجم الخط
0

إحتفالا بشاعر ثورة يوليو في مهد ثورة يناير فرانسوا باسيليمن اللائق والمفيد ونحن في شهور المخاض لثورة 25 كانون الثاني (يناير) المصرية أن نستأنس بشاعر ثورة تموز (يوليو) 52 ونستضيء بشعره الثوري الذي لم تفقده ثوريته شعريته لحظة واحدة. وكنت قد كتبت عنه مقالاً تحليلياً منذ سنوات أجده الآن لائقاً للاحتفاء بهذا الشاعر الفذ في ذكري رحيله في 21 نيسان (ابريل) 1986.لا تستطيع ان تستحضر للذاكرة العبقري المصري المبدع صلاح جاهين (1930-1986) الا وتحضر معه بالضرورة كوكبة من المبدعين الذين زاملوه واشتركوا معه في صنع السيمفونية الباهرة للثقافة والفنون والفكر التحرري المثير في عصر مصر الذهبي في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. فيحضر معه بالضرورة زميلاه الشاعران أحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وكان الثلاثة يعملون في غرفة واحدة تضم مكاتبهم الثلاثة في دار (روز اليوسف) ويقول حجازي: كان جاهين أكثرنا نشاطا ومرحا وحضورا، كان يرسم وينظم بالعربية وكان احيانا يغني بعض الأغنيات الاسبانية من تراث الحرب الأهلية، بالاضافة الى أغنيات روسية، وفي تلك الغرفة سمعت من صلاح جاهين معظم أغنياته التي نظمها في الخمسينات وأوائل الستينات: ويقول حجازي انه رغم بدانة جاهين فإنه هو الذي علمه رقصة الفالس! ويقول حجازي: ‘لم يكن صلاح جاهين صوتا بسيطا مفردا، وإنما كان مجمع أصوات، كان صوت مصر وصوت البشرية، صوت الجماعة في الواقع وفي الحلم معا، صوت جماعة ناهضة حرة متقدمة سعيدة منتمية لحضارة العصر مشاركة في صنعها. فصلاح جاهين ليس ثمرة تراث قومي مغلق وانما هو ثمرة التراث القومي والتراث الانساني، وهو يدين للوركا وبول إيلوار بقدر ما يدين لشوقي وبيرم التونسي’.كما لا بد أن يحضر معه للذاكرة أيضا شاعر مصر الكبير صلاح عبد الصبور. ليكون هو المقابل المخالف المضاد لصلاح جاهين ربما في كل شيء، روحا وجسدا، شكلا وموضوعا، فعبد الصبور هادئ حزين متشائم، يكتب بالفصحى شعرا للنخبة المثقفة عاكسا ثقافة عالمية نخبوية، بينما جاهين صاخب مرح متفائل يكتب بالعامية لعامة الشعب شعرا وغناء يفوح برياحين صبايا القرى وأحلام رجل الشارع وتعبه اليومي، دون ان يتخلى عن عمق انساني فلسفي بالغ التأثير. ولا يشترك ‘الصلاحان’ ـ جاهين وعبد الصبور- سوى في أن كليهما استطاع ان يؤثر تأثيرا حاسما على جيله في مجال ابداعه. فيمكن القول إن عبد الصبور قد شكل الذائقة الشعرية والوجدانية لجيل مصري كامل بقصيدة واحدة هي ‘احلام الفارس القديم’، والتي اعترف بعض رواد الشعر في الجيل التالي أنهم كانوا يجوبون طرقات القاهرة ليلا منشدين المقاطع الشهيرة لهذه القصيدة بصوت مرتفع.وبينما قام عبد الصبور بتشكيل الذائقة الشعرية لجيل كامل من الشعراء من بعده، قام جاهين بتشكيل الذائقة الوجدانية لجيل الثورة بأكمله، من شعراء وفقراء وبسطاء وعمالا وفلاحين وموظفين وعاشقين وحالمين. من هنا تأتي أهمية هذا الشاعر الشعبي العظيم، ولهذا أقوم بالمقارنة بينه وبين صلاح عبد الصبور، فبينما نال عبد الصبور تقديرا كبيرا مستحقا في الوسط الثقافي المصري، فإن جاهين في اعتقادي لم ينل ما يستحقه من تقدير يناسب انجازاته الهائلة في ميادين الابداع المتنوعة التي طرقها، من الرسم الكاريكاتوري الى شعر العامية والزجل والاغنية والأشعار المسرحية والسينمائية والفوازير التليفزيونية ومسرح العرائس والسيناريو السينمائي فضلا عن الأناشيد الوطنية التي صنع منها جاهين فنا جديدا قائما بذاته.شاعر الثورةبينما اجد بعض النقاد يطلقون على صلاح جاهين لقب ‘مغني الثورة’ لأن كل ما كتبه كان يتحول الى أغنيات ثورية شعبية بصوت فنان الثورة عبد الحليم حافظ بألحان الموسيقار الفريد كمال الطويل، وربما مع بعض التردد في اطلاق لقب شاعر الثورة عليه، في ميل للإحتفاظ بلقب شاعر لمن يكتبون بالفصحى، الا أنني لا أجد أي محل للتردد في وصف جاهين بشاعر الثورة المصرية، فهو وحده من استطاع ان يترجم مشاعر وأحلام وأفراح ملايين المصريين الى كلمات حية متوثبة مليئة بالدفء والزهو والنشوة. فبينما كتب عبد الصبور وحجازي بعض القصائد الفصحى المعبرة عن بعض جوانب تلك الفترة، فإننا لا نجد في قصائدهم تلك حرارة ولهفة وصدق المشاعر اللافحة التي نجدها في كلمات جاهين، كما وكيفا، ولعل من المفارقة ان القصيدة الوحيدة الدافئة الحس المرهفة الصدق التي كتبها حجازي في تلك المرحلة بأسرها هي قصيدته العميقة في رثاء عبد الناصر ‘مرثية الزمن الجميل’ بينما على العكس- كان رحيل عبد الناصر هو نهاية مرحلة الشعر الثوري لدى جاهين.في أشعاره ‘الثورية’ لم يكتب جاهين شعارات باردة جوفاء بل استطاع ان يغوص في اعماق الانسان المصري المتطلع الى عالم أفضل ليستخرج منه بكلمات عامية بسيطة وبليغة في آن واحد، أجمل ما فيه من أغنيات ومزامير راح ينثر بها البهجة والفرح الحقيقي بالفجر البهي القادم على الأفق. لم تكن في كلماته أية ظلال لافتعال سياسي او تعبوي، بل كانت مشاعر عفوية صادقة ترقص في قلبه المتفائل المحب للحياة فتتحول عبر شاعريته الأصيلة الى أناشيد للفرح والحب واللهفة المتوثبة. ولأن هذه المشاعر كانت تعبيرا صادقا عن الوجدان المصري الجارف في تلك المرحلة، لم يكن صعبا على مبدع مرهف آخر مثل كمال الطويل أن يضع لها ألحانا نابعة من عمق الوجع المصري الطويل وصاعدة في نبرات متسرعة لاهثة فرحة متشوقة للغد الأجمل الذي وعدت به القلوب الفائرة الثائرة.وبهذا الصدق والفرح والتفاؤل كتب جاهين وغنى عبد الحليم- أناشيد إحنا الشعب (56) وبالأحضان (61) والمسؤولية (63) ويا أهلا بالمعارك (65) و(صورة) و(ناصر) وغيرها. وكان من المدهش حقا إستقبال الجماهير لهذه الاناشيد وتجاوبها معها حفظا وغناء وكأنها أغنيات في الحب والصبا والجمال وليس في الثورة والحرية والكرامة بل والسياسة الاقتصادية (على راس بستان الاشتراكية/ واقفين بنهدس ع المية/ أمة أبطال/ علما وعمال / ومعانا جمال..)مزامير الحب والبهجةفي نفس الوقت الذي كان يكتب فيه جاهين هذه الأناشيد الوطنية الشعبية الواعدة، كان يكتب أيضا مزامير الزهور والحب والبهجة. فهو عاشق للحياة يحبها بحس شاعر ونزق طفل وتهور شاب مقبل على مباهج الأحلام المنتظرة في فرح حقيقي. ان علاقة جاهين بالفرح علاقة اساسية حميمة.يقول في رباعياته الشهيرة:أنا اللي بالأمر المحال إغتوىشفت القمر نطيت لفوق في الهواطلته ما طلتوش إيه انا يهمنيوليه ما دام بالنشوة قلبي ارتوىعجبيويقول في رباعية أخرى:فتحت شباكي لشمس الصباحما دخلش منه غير عويل الرياحوفتحت قلبي عشان أبوح بالألمما خرجش منه غير محبة وسماحعجبيوفي تأكيد على أهمية الفرح العام الجهوري المعلن يقول:كرباج سعادة وقلبي منه انجلدرمح كأنه حصان ولف البلدورجع لي نص الليل وسألني ليهخجلان تقول انك سعيد يا ولد؟ويقول في شعر الغزل والشقاوة والمحبة:يا بنت يام المريله كحلىيا شمس هااله، وطاالله م الكولهلو قلت عنك في الغزل قولهممنوع عليا والا مسموح لي؟وفي رباعية غزلية اخرى يقول:اوقات افوق ويحل عني غباياواشعر كأني فهمت كل الخباياأفتح شفايفي عشان اقول الدررما اقولش غير حبة غزل في الصباياعجبيمسؤولية الكلمةيعرف صلاح جاهين مسؤوليته كمبدع وكشاعر. كثيرا ما يشير الى الصمت في شعره كمرادف للموت، ويشير الى الكلمة كمرادف للحياة. يقول في قصيدة بعنوان ‘اتكلموا’:اتكلموا.. اتكلموا.. اتكلموامحلا الكلام، ما ألزمه، ما أعظمهفي البدء كانت كلمة الرب الالهخلقت حياه والخلق منها اتعلموافاتكلمواالكلمة ايد الكلمة رجل الكلمة بابالكلمة لمبة كهربية في الضبابالكلمة كوبري صلب فوق بحر العبابالجن يا أحباب ما يقدر يهدمهفاتكلمواوفي رباعية جميلة يقول:ياعندليب ما تخافش من غنوتكقول شكوتك واحكي على بلوتكالغنوه مش حتموتك…… إنماكتم الغنا هو اللي ح يموتكفيلسوف الفقراءينفرد جاهين بخاصية هامة تمنح شعره على بساطته وعاميته- بعدا فلسفيا لا نعرف له مثيلا لدى شعراء العامية الآخرين بل ولا نعرف له مثيلا لدى شعراء الفصحى المصريين، فيما عدا رفيقه صلاح عبد الصبور الذي اتسمت معظم أشعاره بأبعادها الفلسفية والانسانية الشاملة.وهنا ايضا وعلى الأخص- لم يحصل جاهين على حقه من التقدير، بسبب النظرة العدائية من الوسط الثقافي النخبوي للعامية، وربما بسبب التحيز للفصحى والخوف عليها، مع قدر من عدم التصديق لإمكانية ان تقول العامية الدارجة معاني تقرب من مدار الفلسفة المقدس. ولكن لا يصح ان يمنعنا مثل هذا الموقف الاستعلائي الزائف والخائف من ان نخوض في رفق وحدب في أعماق أشعار جاهين لنكتشف ما بها من جواهر فكرية ووجدانية بديعة. فإنك لتجد في رباعياته أصداء لفلسفة سارتر الوجودية ولمواقف البير كامو في اغترابه ولجرأة نيتشه الذي لم تكن فلسفته سوى شعر مكثف. بالإضافة الى نهل جاهين من التراث الفلكلوري المصري والعربي الاسلامي والمسيحي. ومزجها كلها في صوت صادق متفرد هو صوته وحده. ولننظر الى بعض رباعياته التي يمكن اعتبار كل رباعية منها أطروحة فلسفية كاملة تطرح كل منها أحد الأسئلة الوجودية الهامة في تصوير بالغ الإيجاز والإيحاء والدهشة:عيد والعيال اتنططوا ع القبورلعبوا استغماية ولعبوا بابوروبالونات ونايلونات شفتشىوالحزن ح يروح فين جنب السرور!عجبيالدنيا صندوق دنيا.. دور بعد دورالدكة هي .. وهي كل الديكوريمشي اللي شاف ويسيب لغيره مكانكان عربجي او كان امبراطورعجبيأنا شاب لكن عمري ولا ألف عاموحيد ولكن بين ضلوعي زحامخايف ولكن خوفي مني أناأخرس ولكن قلبي مليان كلامعجبيعلمي ان كل الخلق من أصل طينوكلهم بينزلوا مغمضينبعد الدقائق والشهور والسنينتلاقى ناس أشرار وناس طيبينعجبيوكان هذا الفيلسوف الجميل مفتوح القلب سريع البديهه. وأذكر انني استمعت اليه مرة في برنامج إذاعي اسمه ‘جرب حظك’ سأله فيه مقدمه : من في رأيك أعظم رسام كاريكاتير في العالم؟ فأجاب جاهين الذي كان بدينا، قصيرا، أصلع، وكأنه كرة ضخمة: الحقيقة أني كل ما بصيت في المراية عرفت ان ربنا سبحانه وتعالى هو أعظم رسام كاريكاتور في الدنيا! فانفجر الجمهور ضاحكا.عالمي النزعةرغم ان صلاح جاهين كان يغني للاشتراكية في إخلاص المثقف المنتمي للفكر اليساري المنحاز للفقراء والبسطاء بشكل اساسي الا انه كان مثقفا وليس ايديولوجيا منغلقا. وما زلت أذكر أنه في اليوم التالي لاغتيال الرئيس الامريكي الشاب جون كنيدي في عام 1963 فوجئت في جريدة (الاهرام) التي كانت تنشر لجاهين رسما كاريكاتوريا شهيرا كل يوم أنها تنشر له قصيدة رائعة في رثاء الرئيس الامريكي لم أعد أذكر كلماتها ولم اجدها بعد ذلك ولكني اذكر جيدا انه ختمها وهو يهتف ملتاعا باسم الرئيس الامريكي قائلا: يا جون.. يا يوحنا المعمدان! وقد أثرت في نفسي هذه الخاتمة المدهشة للقصيدة. ولم افهم للوهلة الاولى لماذا يخاطبه بيوحنا المعمدان. اذ كنت ما زلت طالبا في ذلك الوقت. ولم يكن في ذهني أن جون هي بالعربية يوحنا. فكانت هذه المقاربة الجميلة في القصيدة والتي تدل على انفتاح جاهين السياسي والديني معا، فلم تمنعه يساريته الفكرية من التعاطف مع رئيس امريكي شاب كان مثقفا ثقافة انسانية حقيقية وقف امام نفوذ التحالف الصناعي العسكري في بلده واشاع في العالم كله أملا في مستقبل اجمل.. ولا منعته ثقافته الاسلامية من معرفة واستخدام رمز مسيحي شهير هو يوحنا المعمدان الذي كان يوصف بالصوت الصارخ في البرية لقوته وشجاعته في المجاهرة بالحق حتى اوصله هذا الى تقديم رقبته على طبق هدية لسالومي من الملك هيرودس أنتيبي الذي صرخ في وجهه يوحنا المعمدان يوما: هذا لا يحل لك!فرسان الثورةإستطاعت الثورة المصرية منذ ولادتها وبسبب اهتمام عبد الناصر بالثقافة والفنون والادب اساسا ان تخلق مناخا إجتماعيا مثيرا لعوامل الابداع الانساني في جميع المجالات .. وانطلقت مع بداية الثورة وبشكل تلقائي مدهش شرارة الخلق والابداع الفني والفكري في عدد هائل من الشباب المثقف الصاعد من قرى ونجوع مصر الزاحف نحو القاهرة والاسكندرية، فإذا بمئات ومئات من المبدعين تتصاعد أنجمهم في سماء مصر حاملين رايات ملونة زاهية لأعمال جديدة مدهشة في كل مناحي الابداع. أرصد هذا لأوضح أن صلاح جاهين – وان كان حقا صوتا متفردا مميزا في الشعر وفنانا مبدعا في الرسم وغيره من الفنون – لم يكن وحيدا وانما كان واحدا من ‘جيش’ مدهش من المبدعين المجددين الذين استقوا من ينابيع الجسد المصري المتفجر بإرهاص الولادات الجديدة ووعود الاحلام المثيرة القادمة في فورة إبداعية نعرف الآن أنها كانت للأسف – إستثنائية في تاريخ مصر المعاصر.وقد كان لجاهين شاعر الثورة المصرية وواضع مزاميرها الجماعية المحفزة أثر كبير في حركة النهضة الفكرية التحررية المواكبة، فقد راح في رسومه وكلماته وأناشيده وأشعاره يرسم ملامح المجتمع الحر القادم في عيون شباب وصبايا يعانقون أحلام الحب الجميل والحرية الاجتماعية والتحرر الفكري البادئ بالذات والممتد نحو الانسان في كل مكان.وكان لهذه الفورة الابداعية والتفجر الغني المثير فعل السحر في الشباب المثقف الصاعد الى حد انه حتى المثقفين الذين دخلوا السجون في تلك الفترة بشبهة الميول الشيوعية او اليسارية المتشددة خرجوا منها وهم على إخلاصهم العجيب للثورة التي لم تتورع عن التهام عدة سنوات من شبابهم الحالم، وهي ظاهرة لا نعرف لها مثيلا في التاريخ.هل خان نفسه؟ حينما أصيبت الثورة المصرية بجرح هزيمة 67 الغائر، ثم برحيل فارسها عبد الناصر عام 70، شاهد جاهين كل شيء ينهار من حوله، فأصاب شاعر الثورة احباط الانكسار ودخل في صمت المطعون المكلوم. ومع صعود الرئيس ‘المؤمن’ – الذي كان معروفا طوال سنوات الثورة بأنور السادات لنكتشف فجأة ان اسمه هو محمد انور السادات !- أطلقت الاشارة لبدء حركة الهجوم الوحشي والتشويه المجاني لكل جوانب الثورة، المظلم منها والمضيء معا، حتى أن السد العالي نفسه – الذي اعترف العالم انه اهم عشرة مشاريع هندسية في العالم في القرن العشرين – لم يسلم من حملة التشويه الآثمة لإنجازات الثورة. ولم يجد شاعر الثورة له مخرجا من نفق الاحباط وظلمة الاحساس بالغبن والضياع وربما لوم الذات وانكار الحلم بل ومعاداته سوى الدخول الى دوامة العمل السينمائي السهل في حركة هي اقرب الى حركات مهرج السيرك الذي يضحك الآخرين بقلب نازف ـ فكتب لصديقة دربه سعاد حسني اغنيات فيلمها ‘خلي بالك من زوزو’ الذي حقق نجاحا جماهيريا ساحقا، بين جماهير متغيرة كانت قد تعبت من وطأة احلامها طوال عشرين عاما، وتعبت من الحروب والمعارك والاناشيد، وارادت ان تنسى وترقص وتلهو على انغام تقول لها ان ‘الدنيا ربيع، والجو بديع، قفلي على كل المواضيع’ وهكذا نظر بعض المثقفين في حزن الى شاعر الثورة وفارسها القديم وقد انكسرت قوادم احلامه (كما تنبأ صلاح عبد الصبور) وتحول مغني الجماهير الى مضحكها. وهو دور استنكروه عليه ولكنه لم يستنكره على نفسه فقد كان دائما منحازا الى الجماهير البسيطة يعبر عن أحلامها وآمالها وعن ضحكاتها وأوجاعها. ولم يجد غضاضة في ان ينحاز اليها في لهوها ومزاحها وهو المنحاز أبدا للفرحة والبهجة.وقد أراد له ـ وتوقع منه- البعض ان ينخرط ـ وهو شاعر الثورة- في حركة المعارضة الشعبية والطلابية لنظام السادات قبل حرب العبور كما فعل احمد فؤاد نجم بأشعاره الجارفة التي لحنها وغناها الشيخ امام والتي دخلا السجون بسببها، ولكن جاهين لم يفعل ولم يكن له ان يسير في درب غير دربه فعالمه الشعري ليس عالم احتجاج ومعارضة ضد النظام فقد كان منسجما مع النظام الناصري الذي كان منسجما مع أحلام الفقراء وآمال المثقفين معا، وجاهين المنحاز للفرح في الحياة لم يجد في نفسه طبيعة الصدام والمعارضة والهجوم على الآخرين. بما في هذه من العنف العاطفي والخشونة الوجدانية الضرورية للتحمل والصمود. نعم هو شاعر الحلم الثوري لكنه ليس شاعر الغضب والتصدي والتعدي، ولذلك كانت لأناشيده الثورية دائما جانب الاعراس المحفوفة بالأجراس والمزامير والرقصات الشعبية، فليدع التصدي والمقاومة والغضب الشعبي لغيره من الشعراء مثل نجم. فهل كان في هذا خائنا لنفسه أم متسقا معها؟لا شك ان هذا سؤال سيستدعي إجابات متناقضة من نقاد مختلفين. اما انا الذي طالما اترعت قلبي مما كان يسكب لنا جاهين كل يوم من مياه المحبة والبهجة والأمل المثير فليس عندي له سوى فيضان من مشاعر العرفان والممنونية والإنحياز الحميم.ولعل أجمل ما يعبر عن حالة جاهين تلك بعد انهيار أحلام الثورة التي شارك في صنعها هي رباعيته التي كتبها عندما أصابه انسداد في شرايين القلب احتاج الى جراحة في صيف 1981:يا مشرط الجراح أمانة عليكوانت في حشايا تبص من حواليكفيه نقطة سودة في قلبي بدأت تبانشيلها كمان.. والفضل يرجع اليك.لقد كانت النقطة السوداء قد احتلت قلبه الكبير وراحت تكبر فيه وتنهشه هي نفسها النقطة التي اصابت قلب مصر مع جرح 67 ومع رحيل ناصر وانهيار احلام الجيل الصاعد وتسليم السادات مفاتيح مصر للتيارات الدينية الظلامية التي أطفأت مصابيح مصر واحدا بعد الآخر وحاربت الفن والفكر والابداع والتحرر والمساواة والفرح والبهجة والانطلاق والغناء والرقص والمزامير، فكانت هي الخاتمة السوداء لاحدى أجمل فترات النهضة المصرية في تاريخها الحديث.سيظل جاهين صوتا مميزا مزهوا في الوجدان المصري الى الأبد.فالشاعر الاصيل لا يعرف موتا ولا صمتا. وهو الذي قال:دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوتوجعل شعاع الشمس خيط عنكبوتوحاجات كتير بتموت في ليل الشتالكن حاجات أكتر بترفض تموت.رحم الله صلاح جاهين، ورحم معه الزمن المصري الجميل الذي نتطلع أن تأخذنا ثورة يناير إلى ما هو أجمل وأبهى منه[email protected]كاتب من مصر يقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية