من يلاحظ تصريحات’الرئيس اليمني وأركان نظامه تجاه الثوار وأحزاب اللقاء المشترك يجدها متناقضة مع دعوات الحوار التي دائماً يدعو إليها ومع الموافقة على المبادرة الخليجية والداعية إلى تنحي الرئيس صالح خلال ثلاثين يوما ونقل السلطة لنائبه، فالنظام كما يبدو حين وافق على تلك المبادرة لم يكن يتخيل موافقة المعارضة وبدا ذلك واضحاً حين رفضت الاشتراك في حكومة الوحدة الوطنية والتي تعد أحد شروط المبادرة مع رفع الاعتصامات لكنها تراجعت عن رفضها للشرط الأول مقابل بقاء الاعتصامات حتى يتم تنفيذ الاتفاق.
الاتفاقية إلى ما قبل توقيعها مازالت غامضة في معظم شروطها وذلك ما ظهر جلياً في المقابلة التي أجراها سلطان العتواني أمين عام التنظيم الناصري لصحيفة ‘الشرق الأوسط’ حيث كانت ردوده غامضة جداً وهو ما أثار الغضب عند الكثيرين كونهم يخشون أن يكيد صالح بالمعارضة كما فعل مرات سابقة. لكن العتواني فيما يبدو لم يحب أن يكون متسرعاً ولم يعط إجابات شافية حتى الانتهاء من التوقيع فالرجل يعلم ماهية مطالب شباب التغيير ولهذا فالمشترك لن يزج بنفسه في رهان خاسر ومحاولة الابتعاد عن الحرب الإعلامية بخصوص هذه المبادرة حتى لا يتراجع أي طرف عنها.
صالح بدوره صرح أنه سيتنازل عن فترته الرئاسية حتى 2013 مقابل حقن دماء اليمنيين فيما ارتكب رجال الأمن ومن المعتصمين من أنصاره مجازر في جوار المدينة الرياضية بالعاصمة وتبعها بأحداث مدينة عدن وهذه الأوضاع زادت الأوضاع تدهوراً وما زال كل طرف يحمل الآخر مسؤولية ما يحدث ويتهمه بمحاولة التنصل والهروب من الذهاب للرياض وتوقيع الإتفاقية. ‘المشترك’ بدوره اشترط توقيع الرئيس على الاتفاقية ومصادر النظام تؤكد أن الدكتور الإرياني هو من سيوقع عليها كونه رئيس الوفد الحكومي وأن الرئيس سيعمدها بعد الإنتهاء من توقيع الطرفين عليها.
المشترك يبرر إصراره على توقيع الرئيس كونه الخصم الرئيسي ويعلن جهوزيته للذهاب للرياض ويحدث كل هذا فيما يرفض المعتصمون بساحات التغيير أية مبادرة او اتفاق لا يدعو للتنحي الفوري ويرفضون أن يتحدث أي حزب سياسي باسمهم لأن ليس هناك اي حزب سياسي يمثلهم ويرفضون تقديم أي ضمانة وحصانة لصالح وأقربائه من تقديمهم للمحاكمة كونهم يرون أن هذا النظام قد أسرف في إزهاق أرواح المعتصمين وإعطاء أي ضمانات يعد خيانة لدماء الشهداء وأسرهم.
ولعل هذا التباين في موقف المعارضة وشباب الثورة هو ما يعول عليه النظام في قادم الأيام وسيعمل على إذكاء الخلافات وسيستخدم أنصاره المندسين بساحات الاعتصام لاختلاق مشاكل مع أحزاب المعارضة وربما يحاول أن يتربص بإحدى المسيرات ليواصل حماقاته ومن ثم إلقاء التهم على أحزاب المعارضة والثوار ليحاول التنصل عن هذه الاتفاقية وستحاول المعارضة جاهدة على إقناع المعتصمين البقاء في الساحات وعدم مغادرتها بالمسيرات التصعيدية حتى انتهاء الفترة المحددة للاتفاق لكنها حتماً ستجابه بالرفض وخصوصاً من الشباب الذي يعتبر وجودها محاولة التفاف على الثورة.’يعتقد كل طرف أنه رمى الكرة في ملعب الآخر ويراهن كل طرف على الآخر في إفشال المبادرة رغم أن البعض يعتقد أن وجود الدول الخليجية قد يكون ملزما للطرفين والتراجع سيسبب تأزيما في علاقتهم مع الدول الخليجية وقد يسبب شرخا للنظام الحاكم يعجل برحيله لكن هناك من يرى أن مصير مبارك ومحاكمته قد تجعل صالح صادقاً هذه المرة في ظل وجود الضمانات المقدمة له ولأسرته.
لكن الخوف أن تلقى هذه المبادرة نفس مصير وثيقة العهد والاتفاق التي وقعها صالح مع نائبه البيض عام 1994 في الأردن التي كانت مجرد حبر على ورق ودخل اليمن بعدها حرب صيف 94 بين الشمال والجنوب وما زالت آثارها حتى اليوم ولعل تفرد صالح بالحكم واحد من تلك الآثار.
يبدو أن كل طرف يعتقد أن الفريق الآخر سيفشل الاتفاق ويراهن على أنصاره في الشارع وهذا ما يؤكده الرئيس صالح كل جمعة بالحشود التي تتجمع في ميدان السبعين ونفس الحال ينطبق على خصومه حتى بدا المشهد اليمني مطابقا للمشهد اللبناني بعد اغتيال رفيق الحريري حيث كل طرف يحشد للآخر في الساحات والميادين لكن هنا الوضع مختلف فالجيش منقسم وهذا أحد الأسباب الرئيسية في تأخر عامل الحسم لكل طرف ولا سيما الثوار الذين كانوا يراهنون على انضمامه بجانبهم لكن لأن هناك من أفراد عائلة صالح من يمسكون بعض المعسكرات والألوية فقد أجل ذلك رحيل النظام وهو ما جعله يلوح بالحرب الأهلية مراراً وتكراراً وهذا ما يحدث الآن رغم أن الكثير أصبح مؤمنا بأن خيار الحرب الأهلية أمر مستبعد وفزاعة يستخدمها صالح لينفذ بجلده من مصير الإقصاء والتنحي. لكن التزامه بمبادرة الرياض قد يحفظ له ماء الوجه وسيخرجه بمخرج لائق عكس مبارك وزين العابدين.
كما أن رحيله سيجنب اليمنيين مزيدا من سفك الدماء وإزهاق الأرواح التي تراق في ساحات وميادين التغيير وهو ما يدعو شباب الثورة لرفض أي حوار معه والدعوة لمحاكمته.
يجب علينا الانتظار حتى نهاية فترة التوقيع على الاتفاقية لنرى من سيصدق ومن سيخون العهد من سيضحي لأجل اليمن ويتخلى عن أنانيته وعن شعار من يضحك أخيراً يضحك كثيراً لأن اليمن هو من سيضحك فقط اليمن ذلك البلد السعيد!
عبدالولي جوبع