تركيا أردوغان تسبح ضد التيار

حجم الخط
0

عبد اللطيف البوزيديإنه لتراجع ملحوظ ومفاجئ ذلك الذي نشهده في مواقف الحكومة ‘الإسلامية’ االتركية من قضايا العرب الوطنية، منذ أن اندلعت الثورات والانتفاضات بالبلدان العربية، تلك الثورات التي وضعت القادة الأتراك، كما وضعت معظم قادة العالم في حرج شديد، خصوصا هؤلاء الموصوفين بالثوريين مبالغة وأولئك الموصوفين بالديمقراطيين تجاوزا، إذ لم تمنع ‘ثورية’ هؤلاء ولا ‘ديمقراطية’ أولئك من أن يغُضّوا الطّرف جميعُهم ولعقودٍ عن الأنظمة العربية الفاسدة، وأن يتعاملوا معها بشكل طبيعي وهم يعلمون علم اليقين أنها تضطهد الشعوب وتقمع الحريات وتنهب المقدرات وتطارد المعارضين وتنفيهم أو تصفيهم. فبينما تفاءلت الشعوب خيرا بتوجه حكومة حزب العدالة والتنمية نحو تعزيز علاقاتها مع العرب، عبر التبادل التجاري والثقافي، وعبر دعم قضية العرب والمسلمين المركزية، بالأخص إبان القرصنة البحرية لأسطول الحرية من لدن الصهاينة، نتفاجأ بتركيا الرسمية اليوم وقد اختارت ‘الاصطفاف’ بعيدا عن مصالح الثوار الليبيين ومصالح وتطلعات الشعب السوري الغاضب المنتفض. وصارت تعارض أي توجه دولي أو أطلسي يصب في غير مصلحة أنظمة عربية من أشدها قمعا وأكثرها شمولية وفسادا. أعتقد بحق أنه موقف سيصير مخجلا إذا استمر، ومثيرا للغضب إذا بلغ حد الدعم المباشر للأنظمة القمعية، إذ لا يمكن لتكفُّلِ تركيا ببعض المهام الإنسانية هنا وهناك، وتوجيه دعوات إصلاح متأخرة إلى هذا وذاك، أن يخفي تملصها من دورها الإقليمي وتخاذلها تجاه الشعوب العربية في هذا الظرف التاريخي الحرج، وموقفها الانتظاري هذا، على كل حال، موقف مثير للريبة ويبدو موقفا انتهازيا في هذه الفترة بالذات، حيث جدّ الجدّ وآن للشعوب العربية قاطبة أن تشرع في الانعتاق من القهر والتسلط، مخجل بالمقاييس ‘الأردوغانية’ نسبة إلى السيد أردوغان وصحبه في حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذين طالما أوحوا للشعوب العربية بأولوية المبادئ لديهم على المصالح المحضة، وأوهموهم بحرصهم على مراعاة حسن الجوار والغيرة على المقدسات والمصير المشترك، إلى درجة أن صار معظم العرب يحلمون بقيادات من عيار القيادات التركية، وبالأخص منها السيد أردوغان.

شخصيا لا أجد لهذا الموقف الغريب من الحكومة التركية من تفسير سوى تفضيلها تغليب المصلحة التركية الآنية أولا، وتجنبها الانسياق وراء ‘العواطفِ’، عواطف الشعب التركي التي عبرعنها بشكل جياش يوم خلطت أيادي الغدر الصهيونية دماء مواطنين أتراك بدماء مناضلين عرب خلال ملحمة أسطول الحرية، في محاولة يائسة لفك الحصار الغاشم على غزة ولفت أنظار العالم المتواطئ بصمته إلى ما كان وما زال يتعرض له الشعب الفلسطيني بغزة الصامدة من تجويع وترويع وعدوان مستمر، إذ لا يمكن أن نتصور نفس الشعب، أي الشعب التركي، إلا متعاطفا ومتضامنا مع شعوب تتحرر وبلدان تتطهر، غير أنه يبدو أن لحكومة السيد أردوغان رأيا آخر بخصوص ما يمكن أن يحقق في نفس الآن المصلحة التركية ‘الآنية’ ومصالح الحزب السياسية، فالظرفية الإقليمية والدولية الصعبة وكثرة خصوم حزب العدالة والتنمية في الداخل والخارج حتى قبل أن يعود بقوة في حلته وتسميته الجديدة، هي عوامل تقتضي أن تحاول تلك الحكومة الحفاظ على المصلحة الآنية مع الأنظمة المترنحة، وفي نفس الآن الاحتفاظ بهامش من ‘ثقة’ الشعوب، وهما في نظري هدفان لا يمكن الجمع بينهما، فلم يعد سرا أن الحكومة التركية اتخذت احتياطات سياسية واقتصادية استثنائية في مواجهة المستجد الأبرز والأكثر تأثيرا على الساحة الدولية في الآونة الأخيرة، المتمثل في الثورات والانتفاضات العربية المتسلسلة، ومن ضمن الاحتياطات التي ‘اضطرت’ الحكومة التركية إلى اتخاذها: عدم الاندفاع إلى تأييد الثورات أو الانتفاضات العربية، تحسبا لعدم سقوط الأنظمة المترنحة كأنظمة ليبيا وسورية واليمن، أو عودة بقايا أذناب الأنظمة المخلوعة في مصر وتونس. عدم الإيحاء بأي دور مساند أو داعم لثوار أغلبهم ذوو توجه ‘إسلامي’، (أو هكذا يصفهم البعض في الغرب ويتوجس منهم على غرار الاستخبارات الغربية)، مخافة أن توصم بـ’اللاعلمانية’ وحتى لا تمنح خصمها الأزلي المتمثل في المؤسسة العسكرية فرصةً لردّ الصّاع بعد الانتكاسات الأخيرة التي تكبدتها في مسألة كشف مخططات انقلاب الجيش على حكومة العدالة والتنمية، وحتى لا تمنح خصومها في الاتحاد الأوروبي سببا كافيا للتشطيب عليها من قائمة انتظار الانضمام إلى الاتحاد، التي تقبع بها منذ عقود من دون أن تكَلّ أو تمَلّ إلى درجة أنه يمكن القول ‘إن تركيا صارت تصوّب شرقا لتصيب غربا’. أعتقد أن سياسات تركيا لم تكن أبدا واضحة المعالم أو قابلة للتصنيف، قد يعود ذلك إلى بحثها المستمر عن ذاتها منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية في أوائل القرن الماضي، وتأرجحها الدائم بين الشرق والغرب تأرجحاً ربّما يفرضه عليها موقعها الجغرافي ودورها التاريخي الحضاري أيضا، لكننا نجد أن سياساتها واختياراتها الاستراتيجية في العقد الأخير صارا شديدي التناقض أحيانا، فبينما نجدها عضوا مؤسسا ونشيطا بمنظمة المؤتمر الإسلامي، نجدها أيضا تربط علاقات اقتصادية وعسكرية مهمة مع الكيان الصهيوني، رغم ما شهدناه من ‘معارك كلامية’ بين الطرفين، كان السيد أردوغان ممّن خاضوها بتميّز. نعم ذلك أيضا شأن دول عربية وإسلامية في العلن وشأن أخرى في الخفاء، لكن تركيا تزيد عليهم جميعا كونها عضوا في الحلف الأطلسي منذ السنوات الأولى لتأسيسه، ومتمسكة بعضويتها به رغم وجود خصمها اللدود اليونان، ورغم تحول عقيدة الحلف القتالية إلى عقيدة تكاد تُختزل في محاربة المسلمين أينما وُجِدوا. وبينما نجد الأطراف الرسمية والشعبية أيضا تسعى بشدة ومنذ أمد إلى عضوية الاتحاد الأوروبي وربط مصير تركيا بالغرب، نجد الحكومة التركية تُشهر ورقة ‘التوجه نحو الشرق’، كلما ابتعد حلمها أو أُجِّل. إن ما يحزّ في النفس بخصوص مواقف تركيا المسلمة هو أن نرى جهود المسلمين تُهدر في غير ما يجدُر أن تُنذر له، أي أن نراها تُبدَّد في ما سوى الاستعدادِ الجدّي لحسم قضية العرب والمسلمين المركزية وللمواجهة الكبرى والحتمية مع الكيان الصهيوني الغاصب، بعد إزاحة كل الأنظمة التي كانت تقف سدا أمام الانكباب الجدي عليها ورصّ الصفوف من أجلها. ‘ كاتب عربي مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية