عندما يكون النصر.. مجرد أوهام..

حجم الخط
0

محمد السيد غنايم يجب علينا الا ننشغل الان بما جرى أثناء عملية اغتيال زعيم تنظيم ‘القاعدة’ الراحل أسامة بن لادن، فما جرى في الحقيقة وعلى أرض الواقع يبدو خافيا حتى على من قاموا به، نعم.. حتى هؤلاء من الواضح أنهم لم يتفقوا بعد على رواية واحدة متناسقة وعقلانية يمكن عرضها على العالم، عما جرى أثناء عملية الاقتحام الباسلة، وما وصلنا منهم حتى الآن، بعد أيام قلائل على إعلان أوباما، لا يعبر عن الحقيقة الكاملة لما جرى، وإنما هو مجرد معلومات يتفضلون بها علينا، لكن يبدو التناقض فيها واضحا أكثر من أي شيء آخر.. وتبدو سذاجة السرد فيها متبجحة أحيانا.

فأول بيان قيل فيه إن العملية تمت بصورة نظيفة ولم يصب أي مدني في العملية، ثم توالت التصريحات، عن أن شخصا أصيب، ثم مقتل شخصين هما أصحاب المنزل، ثم إصابة زوجة بن لادن برصاصة في رجلها، ثم مقتل أحد أبناء بن لادن، ثم قصة التعامل مع جثة بن لادن نفسه بطريقة إسلامية، قبل أن يقذفوا بها إلى باطن البحر، ثم تبريرهم بأنهم عرضوا على دول بعينها استلام الجثة، لكن تلك الدول رفضت، فكان أن اختاروا البحر ملاذا لجثته، ثم قصة إحدى بنات أسامة التي قالوا إنها قالت إنها رأت أباها يقتل، ثم قصة المقاومة بدون سلاح، فقد قاوم بن لادن ولكن بدون سلاح، ولا أدري كيف.. ثم قصة هذا الذي اختطفوه حيا واصطحبوه معهم، ثم عادوا من جديد وقالوا ان تبادلا لاطلاق النار حدث، ثم قالوا انهم فقدوا إحدى المروحيات نتيجة عطل ميكانيكي فجائي، وتم انقاذ طياريها ونقلهم في الطائرة الأخرى.

لذا فيجب ألا نتعب أنفسنا بتلك الروايات، فما حدث قد حدث وانتهينا.. وتم إعلان وفاة الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله رسمياّ، ومن قبل رئيس أكبر إمبراطورية على وجه الأرض، هي الولايات المتحدة الأمريكية، وأقصد طبعا رئيسها المحترم.. باراك أوباما.. ورغم أن أمريكا هللت وطبلت وأقامت الدنيا ولم تقعدها عندما قتلت ابني صدام حسين وأقاموا لجثتيهما سرادقا وخيمة يزورها الصحافيون ويتهافت عليها المتشككون، بل قاموا بكسر قدم عدي وعرضوها أمام العالم كي يرى الشرائح المعدنية التي ركبت فيها في حادث تعرض له سابقا، زيادة في الإثبات والــــتوكيد، ناهـــيك عما فعلوه بأبيهما صدام حسين من أول لحظة تم فيــــها الإعلان عن أسره، وإلى آخر لحظة له في هذه الدنيا البائسة أمام أعدائه ليغادر مشنوقا مرددا الشهادتين.. رغـــم كل هـــذا، إلا ان أمريكا هي ايضا من رأت أنه يجب الان عدم الافراج عن صور اسامة بن لادن، صور جثته، لأنها (بشعة) وقد تجرح مشاعر الكثير في العالم.. مسكينة أمريكا تلك التي تحترم مشاعر من سيحزن لفقد الشيخ أسامة.. قد يكون لأمريكا مبرراتها في عدم إعلان الحقيقة كاملة في الوقت الحالي، لذا.. براءة يا أمريكا، خلاص، ها نعدي قصة الصورة وموضوع شريط الفيديو الخاص بعملية الدلق في البحر إلى وقت آخر.. ربما إلى أن تتمكنوا فعلا من إخراج الفيلم بصورة جيدة.. لكن هناك من النقاط ما لم أستطع أن ابتلعه، وقد يشاركني آخرون في صعوبة بلعه كذلك، فقد افتخرت المخابرات الأمريكية بأن العملية الشجاعة تمت بدون علم المخابرات الباكستانية، التي أعلنت بدورها أنها ‘في غاية الحرج’ أن تظهر أمام العالم كله بهذا الغباء.. فأسامة بن لادن، المطلوب الأول على وجه الأرض من قبل مخابرات العالم وعلى رأسها أمريكا، يبدو أنه نفذ إحدى وصايا خط الصعيد المصري، الذي قال قديما، ان أأمن مكان يمكن للمطارد أن يختبئ فيه من البوليس، هو قسم الشرطة، فهناك لن يخطر على بال أحد أنك بداخله، كما أن رجال الشرطة الاشاوس الذين يبحثون عنك، سيكونون في الخارج يواصلون البحث. المهم، أخذ الشيخ أسامة بالنصيحة، واختبأ في مكان لا يبعد عن قلب العاصمة الباكستانية أكثر من 200 كم، لم يكن الرجل مختبئا تحت الارض أو في أحد الكهوف الجبلية، وانما كان في مدينة صغيرة (أبوت أباد) بداخل قصر محصن قرب أكاديمية لتدريب الجيش الباكستاني! وظل في مخبئه هذا أكثر من خمس سنوات كما تقول الرواية الأمريكية.. أكثر من خمس سنوات لا يدري الجيش الباكستاني، ولا مخابرات الدولة، ولا المخابرات الأمريكية، ولا حتى جيران أصحاب القصر، أن بداخله الشيخ أسامة الذي إن رآه أحد لانهار فاقدا الوعي، إما من الفرحة أو من الصدمة.. فهو يرى 25 مليون دولار تمشي على الأرض تنادي صاحبها، أو يرى ذلك الشيخ الجليل الذي حير العالم وأعلن منفردا الحرب على أمريكا، فحرك جيوشها وأساطيلها وفعل فيها الأفاعيل.. اختبأ أسامة بن لادن هو وزوجته وابنه وابنته في ذلك المكان، لا يدري عنهم أحدا مدة تزيد عن الخمس سنوات، كما لا توجد عليهم حراسة من أي نوع، تذود عنهم وقت الأزمات.. أو حتى خطة بدائية بسيطة يمكن اللجوء إليها إذا ما دعت الضرورة وانكشف الأمر.. هكذا إذن أرادت أمريكا لابن لادن أن يكون بلا حسٍ أمني، وبلا حراسة.. المخابرات الباكستانية التي تعرف بشراستها وقوتها، وهي أحد الإجهزة الاستخباراتية على مستوى العالم التي كانت تفتخر بدورها في مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني الكامل مع أمريكا، فجأة ظهرت وكأنها لا تعرف شيئا عما يجري في بيتها.. وعلى أراضيها.. داخل الدولة الباكستانية.. هكذا أرادت أمريكا أن يكون النصر خالصا لها، لا يشاركها فيه أحد.. وإن قدم لها الكثير كما صرح بذلك وزير الخارجية الباكستاني.. وإن أعجب، فلا يوجد عجب اشد من التسليم والتصديق الدولي الشامل، بما في ذلك من قبل دولنا العربية الشامخة، لكل ما يقال او يصدر عن أمريكا ورؤسائها، وكأن كلامهم قرآن منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فرؤساء أمريكا اذا تحدثوا لا يكذبون، واذا أشاروا، غيروا أجندات وكالات الأخبار العالمية، فسيطرت أنباؤهم على عناوينها الرئيسية وانزوت أمام كلامهم كافة الأحداث الأخرى على مستوى العالم أجمع.. فإن قالت أمريكا ان بن لادن قتل، فقد قتل، وان قيل انه هرب، فقد هرب، وان قيل انه وراء هجمات الحادي عشر من ايلول/سبتمبر.. فهو بالتأكيد من كان وراءها.. ولأننا أصحاب ذاكرة قصيرة، فإننا ننسى، وخاصة مع أمريكا والغرب.. ننسى كذب الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الذي أصر على أن العراق يمتلك اسلحة الدمار الشامل، فجيش الجيوش وغزاه.. ننسى كذب الاستخبارات الامريكية التي سربت معلومات خاطئة لوزير الخارجية آنذاك كولن باول، حول المختبرات العراقية النقالة القادرة على انتاج اسلحة كيميائية وبيولوجية، المعلومات التي عرضها الأخير أمام الامم المتحدة في الخامس من شباط/فبراير أي قبل شهر من الغزو، وبناء على معلومات من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية، أدت لاحقا إلى استقالة رئيس الـ ‘سي آي إيه’ جورج تينيت من منصبه.

ننسى الكثير، ولا نتذكر سوى ما قاله الرئيس الامريكي أوباما.. ‘قتلنا أسامة بن لادن’ قالها منتشيا.. وأعلنها منتصرا.. وننسى أن هذا الانجاز قد جاء بعد حوالي عشر سنوات من المطاردة والمتابعة، وبعد حربين داميتين احدهما في أفغانستان والأخرى في العراق، أزهقت في الحربين أكثر من مليون نفس، وخسرت أمريكا في الحربين ما يزيد على ستة آلاف عسكري، وفق موقع ICASUALTIES.ORG ناهيك عن بلايين الدولارات التي صرفت على الحربين.. المهم أن أوباما أعاد تسويق نفسه على أنه قد نجح في ما فشل سلفه جورج بوش في تحقيقه في ثماني سنوات.. فأراح الأمريكيين الذين نسوا بدورهم سنوات من الانتكاسات فخرجوا مبتهجين في الشوارع، بعدما شعروا بأن العالم أصبح أكثر أمنا، وبأنهم أخيرا ثأروا لقتلاهم في 11 ايلول/سبتمبر.. استقبل أوباما من قبل رجالات الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس بالتصفيق الحاد، وقد نسي أعضاء الحزب المعارض، الجمهوري، أنهم بالامس القريب نعتوه بأنه رئيس الفترة الواحدة، وأن حزبه قد تلقى ضربة قوية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وهو الذي هبطت شعبيته كثيرا وسط الامريكيين، فعبروا عن خيبة أملهم فيه وعن حسرتهم بانتخابه بعد ما قالوا ان كل ما وعد به لم يتعد مرحلة الكلام.. الآن يبدو أوباما متقدما واثق الخطى نحو فترة رئاسة ثانية، على حساب فكرة، كانت مؤجلة لوقتها.. فكرة تتمحور حول مقتل زعيم تنظــــيم ‘القاعدة’.. الشيخ أسامة بن لادن.. ذلك الفيلم الهندي الذي لم تكتمل مشاهده..’ صحافي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية