يحيى بن الوليدوثمة، كذلك(**)، وفي نطاق رصد أمراض المثقف الحداثي، وحتى ‘العلماني’ كما يتزايد، ‘سلاح الإشاعة’ التي يجيدها هذا الأخير، بل إن هذه الأخيرة عند البعض، ومن المثقفين، تأخذ طابع ‘سيادة ثقافة متخصصة’. وإذا كان المثقف الحداثي، وفي حال ‘ادعاء العلم’، يحمي ذاته… فإنه، في حال الإشاعة، يتوجه إلى أخيه المثقف لكن باعتباره ‘آخر’ يتوجب ‘تدميره’ وبالتالي ‘استئصاله’ أو ــ وفي أرحم النتائج ــ جعله يشك في ذاته. ويحصل ذلك، وفي الأغلب الأعم، مع ‘المثقف النقدي الصلب’ الذي بدلا من ‘محاورته’، و’مواجهته’، و’بالتي هي أحسن’، وبالأفكار، تعيينا، فإنه تتم محاربته بـ’الإشاعة الدنيئة’وبما لا يفارق دوائر ‘الطعن من الخلف’ التي هي ــ وفي النظر الأخير ــ دوائر ‘الإجهاز’ على هذا الأخير. وقد تفضي بنا الإشاعة إلى ‘النكتة’ التي يلجأ إليها المثقف باعتبارها ‘سلاحا’ آخر يلجأ إليه هذا الأخير لتدمير المثقف الآخر الذي يبدو له ‘خارجيا’، وكل ذلك في المدار الذي لا يفارق ‘الآخر الخارجي’ الذي تدعو الأنثروبولوجيا (العنصرية) إلى تبخيسه وتحقيره. وليس من شك في أننا لا نقصد، هنا، إلى النكتة التي تستند إلى ‘عمق ثقافي’ (ولو باهت)، وخصوصا، كذلك، إذا كانت السخرية تغلف هذه النكتة. وأن يكون هذا المثقف أو ذاك موضع نكتة، ولو لاذعة، شيء مقبول ومحبذ، في أحيان، ذلك أن الواقع الثقافي لا يمكنه أن يكون أحاديا وصارما وجافا ومتيبسا كما حصل في الثقافات الكليانية والشمولية.
ثم إن النكتة، وعند الكبار طبعا، تتسرَّب في أرض المقال الذي هو مدار تسريب الرسالة وضمنها النكتة؛ مما يضمن للمقال أحقية أن يكون مقروءا، ومما يضمن له أيضا بُعد ‘الراهنية’ و’التجذّر’ و’التداول’. إجمالا فالنكتة ‘سلاح’، و’إلقاؤها’ لا يخلو من ‘مَسْرَحة’ (Th’ëtralit’)؛ وهو ما لا يقوى عليها كثيرون، لأن حال هؤلاء هو حال ‘الحالة المرضية’ التي تشلهم عن السخرية النابضة والكاشفة عن نوع من الثقل الثقافي. وثمة أكثر من مثقف أصلاني سخر من نفسه وفي دلالة على السخرية التي تدخل في التكوين الذاتي للمثقف. وحتى ‘النميمة’ تبدو مقبولة، لكن شريطة أن تكون ‘نميمة محبّبة’ كما كان يصفها الراحل محمد شكري في جلساته مع المقربِّين، شكري الذي كان قد طغى عليه ‘الطابع الشفوي’ في آخر حياته. وفي هذا المنظور لا يمكن الاعتراض على أوصاف مثل ‘الحقير’ و’الجبان’… وحتى ‘الخائن’ و’العميل’. وهي أوصاف قد لا يستسيغها البعض حتى وإن كانت لا تفارق مناط السخرية التي هي إحدى ركائز الواقع الثقافي. وهذه الأوصاف، ورغم ظاهرها النافر، وفي النظر الأخير، لا تخلو من ‘محبة’ أو ‘مودة’. وهو ما يبدو في شكل قاموس متداول بين بعض المثقفين.
غير أن المثقف، وفي واحدة من أبشع إفرازات المرض، يلجأ إلى ما يتجاوز النكتة والنميمة نحو ‘الكليشيه المقيت’ الذي يكون قرين ‘التنميط العنصري’، وذلك حين يقول بأن هذا المثقف ‘بدوي’ إذا كانت جذور هذا الأخير ‘بدوية’، وهو توصيف أرحم، من ناحية الحدَّة العنصرية، مقارنة مع توصيف مثقف آخر بأنه ‘لا يتقن الأكل بالشوكات في المطاعم’ في إشارة إلى أن شخصا من هذا الصنف لا يمكنه ‘التطاول’ على ‘المطاعم المصنفة’. ولا يخلو التصنيف الأخير من دلالات الرغبة في ‘الازدراء’ و’الانتقام’ و’التشويه’ التي تحدث عنها المحلل النفسي سيمجوند فرويد.
والمفارقة، في الحال الأخيرة، أن هذا المثقف الذي ‘يسخر’ (وبغير المعنى السالف للسخرية) لا يجد أي حرج في أن يكون من الأوائل من الذين يسارعون نحو الأكل بـ’شوكات المال العام’ حتى وإن كانت هذه الأخيرة ‘صدئة’. ومهما كان الحدث أو الفعل بسيطا [شوكة المطاعم، هنا] فإنه لا يخلو من ‘دلالات ثقافية’؛ بكلام آخر: ‘أي فعل بسيط يستدعي ما لا حصر له من فرضيات ومرجعيات’ كما يقول الأنثروبولوجي المغربي اللامع عبد الله الحمودي في كتابه ‘الشيخ والمريد’. ولكن أية مرجعيات، هنا، من غير ‘مرجعيات الانبطاح’ التي تبلغ حد ‘الذوبان’ بين ‘يدي السلطان’ في أول لحظة يتم فيها اختبار المثقف على مائدة الشيخ. وليس من شك في أن السخرية ‘سلاح’ من ‘أسلحة الخطاب’ التي عادة ما يفتقر إليها مثقفونا وسياسيونا ‘المحنَّكون’ (وبالمعنى الكامل، أو المزدوج، للكلمة)، وخصوصا في المنظور الذي يقرن السخرية ذاتها بتلك القناة التي تضمن تسريب ‘الأفكار الدالة’ لا ‘الأقوال المنخورة’. وكما يعلمنا النقد الثقافي فالسخرية ‘نص’ ينطوي بدوره على ‘قاع’ أو ‘تحتيات’. ومن ثم منشأ ‘النصوص’ التي تسعى، وعبر إواليات ‘التأثر المتبادل’، إلى أن تجعل من المجتمع ‘مجالا’ لها.
غير أن السخرية لا صلة لها بذبابة ‘المراوغة’ التي هي قرينة ‘الديماغوجيا’ التي ولـَّى عهدها. وسخرية من النوع الأخير دالة على السياق الثقافي والسياسي في ظل ‘تصدعاته’ وفي ظل ما تسميه بعض التحليلات أو الكتابات السياسية بـ’الصواب السياسي’ الذي هو آخذ في ‘التآكل’ و’التلاشي’. ولا أتصور أن مثل هذه السخرية تستجيب حتى لآخر ما تبقى في ‘ماكينات الإيديولوجيا المهترئة’ المصوبّة نحو ذلك ‘المشروع’ الذي كان يضمن للمثقف انغراسه السياسي، وقبل ذلك الوجودي، ضمن ‘جوقة المثقفين’. هذا بالإضافة إلى أن الديماغوجي لا يصدر عما يقتنع به، وإنما يصدر عما يتصور أن الناس في حاجة إليه. ثم إن ‘الهمّ الأكبر للديماغوجي هو أن يكون مفهوما’ كما قيل، لكن دون أن يعي أن ‘الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان’ كما قال الولي الزاهد عامر بن عبد قيس.
وفي مشهد دال، وحارق، وعلى السخرية ابتداء، رحم الله ذلك الطائر الهزيل (وللأسف نسيت اسمه) الذي يلج الأشواك، ويخلد للغناء دون أن يكترث بالدماء التي تطال جسده النحيف، بل ويستمر في الغناء إلى أن يفارق الحياة. والمؤكد أننا لا نفترض مثل هذه ‘النهاية المأساوية’ لـ’مثقفينا’ و’سياسينا’ الذين ما أحوجنا إلى ‘مسلكياتهم الشخصية المميزة’ وقبل ذلك ‘أفواههم المفتولة’. وثمة مرض آخر، وفي المدار الذي لا يفارق دائرة التدمير، تدمير الآخر، ويتمثل في ‘الطمس العمد’ الذي يمارسه المثقف تجاه المثقف الآخر. ويتخذ الطمس مظاهر كثيرة، وينطبق على المثقفين من المكرَّسين ومن أنصاف المثقفين هذا وإن كان في حال المكرسين يظل الأرجح. وفي حال الصنف الأخير يأخذ طابعا رمزيا، لكنه لا يخلو من عنف مقصود الغاية منه التلميح بعدم الاعتراف بالآخر. ويمكن أن نستدل على هذه الحال، وفي هذه المرة لا حرج من أن نحيل على بعض الأسماء، بحال العروي والجابري. فـ’مرآة’ كل واحد تجاه الآخر لا تخلو من ‘شروخ’، إضافة إلى ‘التصغير’ الذي يصعد في حال الإحالات المصمتة.
فالمثقفون المغاربة لا يحيلون على بعضهم البعض، وهو ما كان قد اشتكى منه الراحل محمد أركون؛ وقد تكون هذه حالة في حاجة إلى دراسة مستقلة. وبعضهم لا يحيل على العرب بعامة، وهو ما يمكن الاطلاع عليه من خلال المراجع. وبعض هؤلاء يفتخر بعدم الإحالة، وهذا ما يبرز في حال الفلسفة أكثر. ومن هذه الناحية لا يمكن الحديث عن نوع من ‘حرب الإحالات’، وإنما عن نوع من ‘الإبادة الثقافية’. فبعض الأسماء محرَّمة وملعونة… ومغضوب عليها إذا جاز أن نتحدث بلغة عمل نزار قباني ‘قصائد مغضوب عليها’. فـ’أيتام بروكيست’ تجاوزوا ما كان يفعله قاطع الطريق اليوناني الأشهر، مع الواقعين في سريره حين كان يمدد أو يقطع أرجلهم، حتى تكون على مقاس سريره، نحو الاحتفاظ بهؤلاء تحت السرير وعدم إطلاق سراحهم ولو كانوا ‘مشوهين’. فـ’النزعة البروكيستية’، هنا، صارت قرينة العداء اللاهب والسافر.
وفي حال غير المكرسين يأخذ الطمس سالف الذكر أبعادا مغايرة تتجاوز دائرة الطمس ذاته وبما يكشف على نوع من الانتظام ضمن استراتيجيا محددة تبدأ من التعتيم على الآخر لكي تنتهي بمحاولة شطب الاسم وبالتالي محوه من دائرة الوجود. ويتطلب هذا الطمس من المثقف أن يلعب دورا أخطبوطيا يبدأ من دور ‘السمسار’ لينتهي بدور ‘الناشر’ مرورا بدور ‘متعهد الحفلات’ و’المكلف بتبليغ النتائج’… إلخ. وفي جميع الأحوال يكون ضحيته المثقف الآخر الذي يبدو مزاحما ومزعجا له، مما يعجِّـل بالتصدي له في أفق قطع الطريق عليه. ولا يمكن لغير المقيم في ‘العاصمة’ أن يدرك ‘المقالب’ التي تحاك ضده إلا مع توالي الأيام وإلا إذا كان بدوره يملك قدرة الاختراق، اللاحق.
وعلى ذكر دوْر الناشر ليس غريبا أن نقرأ عن ‘مثقفين ــ ناشرين’ أو ‘مثقفين’ في ‘دنيا النشر’، وحتى الآن لا يمكن الاعتراض على هؤلاء إذا كانوا سيسهمون في ‘نشر الثقافة’ التي تظل في أمس الحاجة إلى أن تلتبس بالقاع الاجتماعي وعبر قنوات عديدة ضمنها قناة ‘الكِـتاب’، وكل ذلك في المدار الذي قد يدعو إلى نوع من الطمأنة بالنظر إلى ما يمكن نعتهم بـ’وحوش المال’ من الذين لا ‘تستهويهم’ الصناعة الثقافة. ولا يمكن الاعتراض، هنا، على ‘المثقفين ــ الناشرين’، ولا سيما إذا كانوا يسعون إلى تلافي ‘أخطاء’ الناشرين من الذين لا يميزون بين ‘لا أخلاقيات التجارة’ و’نبالة الثقافة’. غير أن المشكل، هنا، حين يتحول هؤلاء، وليس هناك ما هو أخطر من المثقف، الداهية، إلى ‘وحوش’ من صنف آخر: ‘وحوش النشر’ (تعيينا)… وفي مثل هذه الحال يتم الوصل، وعلى أرض النشر ذاتها، ما بين الـ’لا أخلاقيات’ سالفة الذكر و’القتل الرمزي’ لـ’الآخر’. وعلى هذا المستوى، وقد تكون هذه حالة مغربية وعربية في آن واحد، قد تقترح على هذه ‘المثقف/ الناشر’ عناوين كتب من نوع ‘خطاب المؤرخ… عبد الله العروي والنقد الثقافي’، مثلا، فيكون جوابه ‘أنه لا يرتاح لعبد الله العروي’، وقد تعرج، وفي محاولة ثانية، على عنوان ثان ‘إدوارد سعيد والعالم العرب’ فيكون جوابه ‘أنه يكره، ومنذ زمان، [وهو النكرة، وفي سياق المقارنة] إدوارد سعيد’ الذي هو الآن بين يدي الله، وقد تقترح عليه عنوانا ثالثا ‘محمد شكري والكتَّاب الأجانب’ وهنا ينظر إليك بـ’عين الرضا’ ويبدى موافقة الذئب شبه المبدئية. وناشر من هذا الصنف تجده في جميع المعارض العربية في ‘دلالة’ (ومعكوسة، طبعا) على تلبيته لـ’نداء واجب الثقافة’. وفي الحق لا يمكن الرد على ‘مثقف’ يجيب مثل ‘آلة الحاسوب’، غير أنه يمكن النظر إلى ‘أجوبته’ باعتبارها ‘نصا’ قابلا لأن ‘يفكـَّك’ وأن ‘يقلب’ من أكثر من زاوية من زوايا التحليل الممزوج بالتشخيص (الباطولوجي)، خصوصا وأننا بإزاء نص من النصوص التي تنطوي على ‘فعل’ كما يقول بول ريكور؛ والفعل، هنا، معكوس كما أسلفنا قبل قليل. وكما أن النص سالف الذكر لا يذكـِّرنا بما كان قد نعته الشاعر نزار قباني بـ’الناشر اللص’ فقط، وإنما يتجاوز ذلك نحو ما يمكن نعته بـ’أمراض النشر’. تلك الأمراض التي لا تشوِّش على ‘النسق الثقافي’ فقط، وإنما تلوي بهذا الأخير في أدواره ‘التحويلية’ المفترضة.
وخطورة هؤلاء أنهم ‘قنوات’ تقدم من خلالها الثقافة في سعيها إلى التشابك مع نص الواقع. غير أن السؤال الوجيه هنا هو التالي: ما الذي سيبقى في الثقافة العربية إذا كنـَّا لن نقبل بقامتين في حجم قامة المؤرخ المغربي الألمعي عبد الله العروي وقامة الأكاديمي الأمريكي والكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد، ودون أن نختزل الثقافة نفسها في هاتين القامتين. وتلك هي ضريبة ‘لا أقبل’ و’لا أحب’ التي هي، وفي المحصلة الأخيرة، ضريبة مرض عضال وبليد في الوقت ذاته. وخطورة مرض من هذا النوع أنه كامن في ‘النسق الثقافي’ ذاته.
وعلى ذكر إدوارد سعيد لا يمكن أن نستغرب من كيف أن بعض مثقفينا، ومن ‘التجار’ تعيينا، ويوم كان الرجل على قيد الحياة، كانوا يسارعون نحوه حتى يظفرون بمجالسته ولو للحظة ليقدِّمون له أنفسهم باعتبارهم ‘حداثيين’… بل و’علمانيين’، وحتى يحظون بـ’شرف الإحالة’ في بعض مقالاته. وهو ما تحقق لبعضهم؟ هذا وإن كان قد أخذ على إدوارد سعيد، ومن هذه الناحية بالذات، ناحية ‘الثقافة العربية’، ‘بعده الشفوي’؛ وهو الموضوع الذي كنـَّا قد عالجنا جانبا منه في كتابنا ‘الوعي المحلق’ الذي كرّسناه لـ’إدوارد سعيد وحال العرب’ (2010). ويمكن أن نلخص، هنا، بأنه ثمة فرق، وعريض، بين ‘زي المثقف’ و’زي التاجر’. تلك هي ‘ثقافة الكراهية’ التي تتأسس على أساس من الإشاعة المقيتة والنميمة العنصرية والطمس العمد و النشر الشاذ… وجميع هذه الأشكال تتحدد من تلقاء العلاقة، المرضية، مع ‘الآخر’ الذي يتوجب ‘تدميره’ وبالتالي استئصاله. وهي ثقافة فولاذية يتوجب فهمها بقدر ما يتوجب نقدها طالما أنها تتكشف في شكل ‘استراتيجيا’ كامنة في أحيان وسافرة في أحيان وأحيان كثيرة.(*) ناقد وأكاديمي من المغرب(**) يأتي هذا المقال في نطاق سلسلة من المقالات التي نشرناها هنا في جريدة ‘القدس العربي’ والتي عالجنا فيها موضوع المثقف من منظور ما ننعته بـ’أمراض الحالة المغربية’.