فيلم ‘عام آخر’: تنويعات أسيانة على لحن الإحساس بالوحدة

حجم الخط
0

أحمد يوسفلو كان الأديب الروسي العظيم أنطون تشيكوف قد أدرك العصر الذي نضجت فيه لغة السينما لكان قد صنع أفلاما من نوعية فيلم ‘عام آخر’، الذي كتبه وأخرجه الفنان السينمائي البريطاني مايك لي. خلال مشاهدتي لكل لقطة ومشهد من هذا الفيلم كنت أرى تشيكوف وكأنه يطل برأسه من وراء الممثلين ليبتسم لي، ابتسامة يمتزج فيها الشفقة والأسى والشجن، لكنها في أعماقها تضمر قدرا هائلا من الحب للبشر، كل البشر، لا فرق بين جنس أو نوع أو لون أو دين، فكلهم سواء أمام ‘الوضع الإنساني’ بمعناه الوجودي. في بداية فيلم ‘عام آخر’ شخصية امرأة تجاوزت منتصف العمر، تدعى جانيت وتؤدي دورها إميلدا ستاوتون، إنك لن ترى هذه المرأة سوى في المشاهد الأولى وسوف تختفي بعدها من الفيلم تماما، لكن وجودها هنا يشبه ما يفعله المؤلف الموسيقي عندما يؤسس لك المقام الرئيسي لعمله ونغمة القرار التي تنطلق منها الألحان وتعود إليها في النهاية. جانيت في العيادة الطبية، لا تشكو من شيء محدد سوى أنها مصابة بأرق لا تعرف له سببا، لقد جاءت لتحصل فقط على تذكرة طبية لتصرف دواء منوما. أرجو أن تتأمل هذا المشهد جيدا، لأنه يؤسس أيضا لـ ‘الأسلوب’ الخاص بالمخرج المؤلف مايك لي. أنت لا تعرف ولن تعرف من تكون هذه المرأة، وما هي ‘قصتها’، هل هي ضحية أم جانية؟ مظلومة أم ظالمة؟ ومع ذلك فأنت تتوحد معها تماما في آلامها النفسية. وجهها يملأ الشاشة في لقطة قريبة، تعض على شفتيها في ألم، تبدو أقرب إلى حيوان جريح لا تملك أنت سوى الشفقة عليه، كما أنك لن ترى الطبيبة التي تتحدث معها المرأة حتى نهاية المشهد، وعندما تظهر على الشاشة سوف ترى أنها الطبيبة الزنجية الشابة تانيا ( ميشيل أوستين)، التي لا ينسى الفيلم ـ ببراعة رسم التفاصيل ـ أن يجعلها حاملا في شهورها الأخيرة.

بعد بضعة مشاهد سوف تدخل المرأة العجوز جانيت إلى عيادة المستشارة النفسية جيري ( روث شين)، وما تزال جانيت تقاوم المصارحة بما يعذبها ويمنع عنها النوم، ورغم أن جيري تملك براعة إغراء من تحدثه على البوح بما في نفسه، فإنها لا تستخرج من جانيت سوى اعتراف واحد: ‘كل ما أريده حياة مختلفة’!! الحياة المختلفة، أو الفرصة الأخرى، أو القدرة على البدء من جديد، ذلك هو الحلم الذي يراود معظم البشر أملا في إصلاح الأخطاء أو تحقيق الآمال أو كليهما معا. لكن هل من أمل في تحقيق ذلك الحلم؟ هنا يمارس ‘الوضع الإنساني’ الوجودي قبضته الحديدية، فنحن محكومون ليس فقط بالشروط الاجتماعية من حولنا، وإنما بقيود أقوى وأقسى، لعل أقساها قيود الزمان، الذي يمضي بك نحو ‘نهاية الخط’ بخطى حثيثة، لا تملك أن توقفه أو تعود به إلى الوراء. وفي مشهد لاحق سوف نرى رجلا على أعتاب الشيخوخة، يشكو من الشبان الذين يحتلون كل مكان حتى أنه لا يجد لنفسه موطئ قدم، لكنه عندما يتذكر أنه هو ذاته كان في الماضي شابا يدفع الشيوخ بالأكتاف، يبتسم في مرارة من أدرك قوانين الحياة.

أرجو ألا تجعلك هذه الافتتاحية تتصور أن الفيلم يغرق في التشاؤم والحزن، على العكس تماما، وأصارحك أنني لم أكف عن الابتسام ( أعترف أنه ممزوج ببعض الأسى) طوال مشاهدتي للفيلم، وكأنني أتذكر دائما كلمات المستشارة النفسية جيري للمريضة جانيت حول الرغبة في ‘حياة مختلفة’، فما الذي يمنعنا حقا عن تحقيق مثل هذه الحياة: هل هو الخوف من التغيير، أم اليأس منه؟

سوف أترك الإجابة على السؤال الآن حتى أدخل بك قليلا إلى عالم الفيلم. يبدو الفيلم في بنائه الزمني كأنه يدور حول دورة عام كامل بين فصوله الأربعة، وهو يختار تتابعا دراميا محددا لكل فصل. أما بناء الشخصيات فهو أقوى ما في الفيلم، وهنا أشير إلى طريقة عمل مايك لي صاحب التراث الطويل في الإخراج المسرحي أيضا: إنه يبدأ دائما من خطوط عامة في رسم الحدث والشخصيات، ليظل طوال شهور يطور فيهما مع ممثليه الذين يشاركون في وضع التفاصيل، بل كتابة الحوار أيضا من خلال إجراء بروفات عديدة يترك فيها مايك لي مساحة كبيرة للارتجال ‘داخل الشخصيات’. لذلك لن تجد في ‘عام آخر’ حبكة بالمعنى التقليدي للكلمة، تتصاعد فيها الأحداث نحو ‘ذروة’ درامية، بل ربما شعرت أنه يمكن للفيلم أن يستغني عن بعض المشاهد لأنها ليست جزءا من بناء صارم. لكن لا تتصور أيضا أن هذا يمثل نقصا فنيا في الفيلم، على العكس تماما، إنه يجعلك تشعر أن الحياة تتدفق على هذا النحو شبه العبثي، دون خطة مرسومة سلفا أو هدف محدد بدقة ( لعل ذلك هو جزء من ‘مأساة’ الحياة أيضا!!)، وهكذا يبدو الحوار أيضا في معظم مشاهد الفيلم، يتقاطع ويتشابك ويفترق بشكل عفوي تماما، وكأننا في الحقيقة لا نتحدث لبعضنا البعض، وإنما يتحدث كل منا في ‘مونولوغ’ ذاتي يتمنى أن يكون هناك من يسمعه، لكن كيف له أن يجد منصتا والآخرون بدورهم غارقون في مونولوغاتهم؟!

أقول أنك ربما تشعر أن من الممكن ـ تقليديا ـ الاستغناء عن بعض المشاهد، لكن المفارقة هنا أنك تود لو استمرت هذه المشاهد وغيرها لتعيش مع هذه الشخصيات أطول فترة ممكنة، والسبب في ذلك هو أن كل الشخصيات من لحم ودم بالمعنى الحرفي للكلمة. الآن سوف أحدثك عن الشخصيات قليلا: في المركز منها زوجان في خريف العمر، في اسميهما تنعكس روح البسمة الرقيقة: ‘توم وجيري’، أما جيري فهي المستشارة النفسية التي عرفناها معا في السطور السابقة، وتوم ( جيم برودبينت) مهندس جيولوجي منشغل حاليا بالمشاركة في حفر نفق تحت مدينة لندن، وفي جملة عابرة يقول أنه سوف يموت قبل الانتهاء من بناء النفق، لكنه لا يعبر عن الأسى بهذا القول، لتدرك أنه ـ مع الزوجة جيري ـ يمثلان الجانب السوي من ‘الوضع الإنساني’، المتصالح مع العالم بوجهيه الاجتماعي والكوني، وكثيرا ما تراهما ـ عبر فصول السنة المختلفة ـ يضعان البذور في الأرض، ويضيفان السماد إليها، ويجمعان الثمار ويستنشقان عبيرها الطازج.

حول مركز توم وجيري تدور في الأفلاك شخصيات قليلة لكن ربما كانت أكثر أهمية ـ من الناحية الدرامية التقليدية ـ من البطلين. إن توم وجيري في الحقيقة يجسدان دورنا نحن المتفرجين، لا شيء مهما أو حاسما يحدث لهما، إنهما يريان ـ مثلنا ـ ما يحدث للشخصيات الأخرى، وهما قد لا يملكان ـ مثلنا أيضا ـ إمكانية التدخل في مجرى الأحداث، لكن تعاطفهما القوي والعميق يمثل تعاطف صانع الفيلم وتعاطفنا مع هذه الشخصيات جميعها. أهم هذه الشخصيات هي ماري ( ليزلي مانفيل التي حصلت على عدة جوائز عن هذا الدور)، إنها سكرتيرة جيري في المستشفى، وصديقتها التي تزورها في المنزل مرارا. ومع أول ظهور لهذه الشخصية سوف تعرف على الفور تكوينها النفسي، تتحدث بلا انقطاع في تفاصيل قد لا تهم سامعها، وهي تتكلم بكل تعبيرات الوجه وإيماءات الجسد، كأنها تريد إقناع نفسها وإقناع الآخرين بما تقول، لأن حديثها في الحقيقة يعكس تناقضا في أعماقه، لقد وصلت منتصف العمر وما تزال وحيدة، تفخر أحيانا باستقلاليتها لكنها تشعر بحنين جارف إلى وجود إنسان آخر يشاركها حياتها، لذلك كثيرا ما تزور جيري في منزلها ومعها زجاجة شراب، باحثة عن صحبة وألفة، ( أرجو أن تلاحظ أن الفيلم لم ينقلنا أبدا إلى عالم خاص بها وكأنه يؤكد أن ‘وجودها’ لا يتحقق إلا مع صديقتها جيري)، لكن مأساة ماري الحقيقية أنها تقاوم الزمن في معركة تعرف أنها خاسرة فيها، لذلك فإنها تراود جو ( أوليفر مولتمان) الابن الشاب لجيري، بينما ترفض في قسوة مغازلة كين ( بيتر وايت) صديق توم البدين، الذي يبدو كأنه الوجه الآخر لها في وحدته المليئة بالحسرة على شباب قد ولى، والغرق في الطعام والشراب.

في الفصل الأخير من الفيلم وآخر فصول العام الذي يمضي نحو نهايته، في الشتاء القارس، سوف نرى روني ( ديفيد برادلي) شقيق توم الأكبر، الذي توفيت زوجته لنحضر معه ومع الأسرة مراسم دفنها، في طقوس باردة يحضرها غرباء يملأون فراغ الصمت بكلمات أكثر فراغا، ويزداد الموقف مأساوية مع ظهور كارل، ابن روني الذي سافر منذ سنوات في نوع من التمرد الجامح، وسوف يختفي بعد لحظات من ظهوره العاصف، ليذهب روني ليعيش أيام الحداد مع توم وجيري، غارقا في الصمت. ولأن المخرج المؤلف مايك لي يريد لنا أن نعيش مع شخصياته إيقاع الحياة اليومية، تدور الكثير من المشاهد حول موائد الطعام، لا شيء يحدث سوى تبادل الحوار الذي يبدو عاديا تماما، لكن تحت السطح العادي تتدفق تيارات خفية. في أحد هذه المشاهد تجتمع أسرة توم وجيري مع الأصدقاء في حديقة المنزل حول شواء، وكعادتها تحضر ماري متأخرة لتنطلق في حديث لا تهم تفاصيله أحدا، بينما يحاول الصديق الكهل البدين كين التودد إليها، لكنها مشغولة بدورها بمراودة الابن الشاب جو، بما يذكرك كما أكدت لك في البداية بأعمال تشيكوف. ولا ينسى مايك لي هنا أن يرينا الطبيبة الزنجية تانيا، وقد وضعت وليدها الذي تراه بحق أجمل الأطفال في هذا العالم، وكأنها تجسيد لحالة الرضا والتوافق مع النفس في بحر من القلق وعدم الإحساس بالتحقق.

في هذا المشهد مثال على الأسلوب ‘التقني’ لمايك لي: الكاميرا مستقرة على حواملها دون اهتزاز أو ملاحقة عصبية للشخصيات، قد تلتفت يمينا أو يسارا في هدوء، أو تتحرك على قضبان دون أن تلفت الانتباه لنفسها، وقد تستغرق اللقطة زمنا بقدر ما يسمح به الموقف، دون مونتاج متعسف، ودون انتقالات حادة في أحجام اللقطات، وهو ما يعكس الأسلوب ‘الجمالي’ عند مايك لي ( إنه ببساطة يسأل نفسه في كل لحظة: ‘لماذا’ أستخدم هذه التقنية دون غيرها؟

، فهو لا يريدك أن تنبهر أبدا ببراعة التقنيات، وإنما أن ‘تعيش’ مع الشخصيات. ليست هناك على سبيل المثال موسيقى تصويرية صاخبة في الفيلم، حتى أنك تكاد لا تشعر بوجودها، لحن أو اثنين في تنويعات على آلات منفردة، الجيتار والتشيللو والهارب والأوبوا. بهذا الأسلوب الذي يستخدم أقل قدر من التقنيات يكون ‘الممثل’ هو ‘الأداة’ الأهم عند الفنان الدرامي، ولعلنا لا ننسى أن أهم أصحاب النظريات التمثيلية، وهو الروسي العظيم كونستانتين ستانسلافسكي، قد أسس نظريته على مسرحيات تشيكوف وشخصياته، التي قد لا تصرح بما في أعماقها بالكلمة والإيماءة، وحيث الحوار يخفي وراءه الأفكار الأهم التي لا تقال، وحيث الحركة الجسمانية ( حتى لو كانت مبالغة في وضوحها) تصبح ستارا لرغبات يصعب التعبير عنها صراحة كما في حالة ماري في فيلم ‘عام آخر’. لذلك كان اعتماد مايك لي بلا حدود على ممثليه، ومعظمهم غير مشهورين، لكنهم معه يؤدون أدوارا لن ينساها المتفرج أبدا، وهي المدرسة السينمائية التي يمكنك أن تجد أصداءها عند مخرجين آخرين مثل جون كاسافيتيس، وروبرت آلتمان، وجوناثان ديمي.

أقول أنك لن تملك أن تهرب من تأثير تشيكوف في هذا الفيلم، ولتتأمل معي تلك الرؤية الإنسانية العميقة للعالم. الشكل الفني ليس ‘الحكاية’ وإنما ‘اللوحة’، والحدث اليومي هو الذي يصنع مجرى حياة الشخصيات، والتفاصيل قد لا تبدو للوهلة الأولى مهمة وأنت تنظر لها من قريب، لكنك إذا ابتعدت سوف يتضح لك مغزاها، وليس هناك حديث داخلي مباشر لكن ‘الخارج’ يفصح عن حقيقة ‘الداخل’ ( أليست هذه السينما التي لا تملك إلا أن ‘تجسد’ كل المعاني والمشاعر والأفكار في ‘صور’؟). إنك مع هذا النوع من الأسلوب الدرامي لا تبحث عن ‘ماذا سوف يحدث بعد هذا؟’ ولكن ‘لماذا يحدث هذا؟’، وبكلمات أخرى إنك سوف تنظر للشخصيات نظرة كلية، حيث يتداخل الخير والشر أحيانا، فلا يصبح الحكم الأخلاقي الصارم البارد هو المعيار. تأمل مثلا كيف أن ماري شعرت بصدمة شديدة الإيلام عندما رأت الشاب جو قد ارتبط بفتاة في مثل عمره، وهي الشابة كاتي ( كارينا فيرنانديز) التي تغار منها ماري بقوة. إن ماري لا تصبح هنا المرأة الشريرة الغيور، وإذا كانت تبدي بعض القسوة السادية فإنك لن تكرهها، بل سوف تسأل نفسك في شفقة عليها: ما الذي يدفعها لممارسة هذه القسوة الحمقاء؟ أليس ذلك انعكاسا لقسوة يمارسها عليها العالم؟

هذه النظرة الإنسانية الرحبة عند مايك لي لا تنفصل أبدا عن رؤيته السياسية، وربما لا يعرف البعض منا أنه يهودي، رفض أن يذهب إلى ‘إسرائيل’ التي كانت قد قررت الاحتفاء به، وكان سبب رفضه هو نوايا إسرائيل في الإعلان عن كونها دولة يهودية لليهود، وتلك بالضبط النظرة العنصرية التي يدينها مايك لي في فنه وآرائه السياسية. وللأسف لم يُعرض فيلم ‘عام آخر’ في مصر، ويكاد معظمنا لا يعرف الكثير عن مايك لي، وهذا وجه آخر من قصور تفاعلنا الفني والسياسي مع العالم، وربما ( لكنني لست متأكدا من ذلك) سوف نتجاوز قريبا هذا القصور، عندما ندرك أن تحقيق ‘حياة مختلفة’، كما أرادت شخصية جانيت في بداية الفيلم، ممكن بشرط ألا نخاف هذا التغيير، ونملك القدرة على تحقيقه.

في المشهد الأخير من ‘عام آخر’، في قلب برودة الشتاء، تجتمع الأسرة على مائدة العشاء، وتدور الكاميرا حولهم في نعومة بالغة لنراهم الواحد بعد الآخر: الابن جو وفتاته كاتي، ثم الأب توم والأم جيري، ثم العم الصامت الحزين روني، لتستقر الكاميرا أخيرا وطويلا عند ماري، لنتأملها في وحدتها وهي وسط الآخرين. لقد دارت الكاميرا دورة كاملة مثلما دار العام دورته ليحل ‘عام آخر’، والفصول تتغير لكن يبقى أن تتغير ماري، وكل من يريدون تغيير الوضع الإنساني، نحو الأفضل، والأجمل[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية