سليم بوخذير تونس ـ ‘القدس العربي’: ضجة واسعة أثارتها في تونس تصريحات وُصفت بـ’الخطيرة’ أدلى بها وزير الداخلية السابق فرحات الراجحي في مقابلة بُثت له على الموقع الاجتماعي ‘فيس بوك’، اتهم فيها رئيس الحكومة المؤقت صراحةً بـ’الكذب’ على حد تعبيره، كاشفا عن ‘وجود حكومة ظل’ في تونس بعد الثورة.
وسرى شريط المقابلة التي أجراها صحافي ورد أن اسمه حمدي بن صالح وصحافية ثانية مجهولة لم تظهر صورتاهما في التسجيل، سريان النار في الهشيم في صفحات ‘فيس بوك’ في تونس منذ بث أول مرة الليلة قبل الماضية.
وفي تصريحاته المثيرة، نفى أول وزير داخلية في تاريخ تونس من خارج الحزب الحاكم أن يكون قد استقال من منصبه، قائلا انه أُقيل، متهما الوزير الأول الباجي قايد السبسي بـ ‘الكذب’. وتابع ‘لقد أُقلت لأنني أردت عزل 264 معتمدا بالبلاد من بقايا الحزب الحاكم السابق، وبالفعل غيرت 35 منهم وحين أصدرت قرارا بإعداد برقيات تغيير المتبقين يوم الإثنين 28 آذار/مارس الماضي، عجلوا بعزلي وقد كان مفترضا عزلي يوم الأربعاء وليس الاثنين’. يوم 28 آذار/مارس كان رئيس الحكومة المؤقت الباجي قايد السبسي قد أعلن تعيين الحبيب الصيد وزيرا للداخلية خلفا للراجحي، مما خلف انتقادات واسعة من أحزاب المعارضة التي اعتبرت أن الصيد من رموز نظام الرئيس المخلوع. وقال الراجحي في المقابلة ‘في آخر عهدي بوزارة الداخلية قررت، فضلا عن تغيير المعتمدين، تغيير المحافظين، أيضا من منتسبي الحزب الحاكم السابق، وكانت الحكومة ترفض ذلك وتستبدل قراراتي بتعيين غير منتسبين لهذا الحزب بمنتسبين له’. واتهم الراجحي أشخاصا متنفذين من الساحل التونسي (مسقط رأس الرئيس المخلوع) بإقامة ‘حكومة ظل ظلت تحكم بعد الثورة’، بحسب قوله.
وقال ‘نحن فعلا إزاء حكومة ظل في تونس بعد الثورة يقودها كمال اللطيف’. ويُعرف عن كمال اللطيف أنه كان قريبا من بن علي إلى أن اختلف مع زوجته ليلى التي رفضت زواجه بها ومع أشقائها، بحسب بعض المصادر المتطابقة. وتابع الراجحي قائلا ‘لقد اتصل بي أحد معارفي قبل إقالتي بثلاثة أيام ليبلغني أن كمال لطيف يريد لقائي واصفا لي اللطيف بأنه هو الذي يحكم ويسير الأمور وهو من كان وراء تعيين الغنوشي رئيس حكومة وبعده قايد السبسي’. وأعلن الراجحي إنه ‘رفض ملاقاة اللطيف’ قائلا ‘كنت أعتقد أن اللطيف لا بد وأنه كان يعد لي أداء تصوير وتسجيل للقاء حتى إذا رفضت عرضه كان سيصدر التسجيل في موقع (فيس بوك) لتشويهي’. ويمضي الراجحي قائلا ‘الحُكم في تاريخ تونس كان حكرا على مجموعة الساحل، ويعني محافظتي (المنستير) مسقط رأس الرئيس بورقيبة و(سوسة) مسقط رأس بن علي)، وبعد الثورة أبدت مجموعة الساحل عدم استعدادها لترك الحكم’. وتابع ‘لقد أعدوا 37 حافلة لتوزيع المال على الناخبين في الانتخابات القادمة وشراء أصواتهم ليعود النظام القديم بنسبة تقل عن 90 بالمئة’. وقال إن’السيناريو الذي أعدوه في حالة فوز حزب (النهضة) في الانتخابات هو المضي إلى انقلاب عسكري’. واتهم الراجحي الباجي قايد السبسي بأنه زار الجزائر بعد تعيينه رئيس حكومة ‘من أجل تنسيق احتمال المرور إلى انقلاب عسكري لو لم ينجح بقايا الحزب الحاكم السابق في الانتخابات’، على حد قوله.
وتعرض الراجحي لقصة تعيينه وزيرا للداخلية أواخر كانون الثاني/يناير الماضي فقال إنه كان عمل أربع سنوات بمحكمة محافظة المنستير (130 كلم جنوب العاصمة تونس)، موضحا أن أشخاصا قال إنهم ‘كانت لهم علاقة بكمال اللطيف وبرموز السلطة عملوا معه في سلك القضاء بالساحل’. وتابع أنه تلقى يوم تعيينه مكالمة هاتفية من زميل في سلك القضاء بمحافظة سوسة ذاكرا له إنه ‘بصم على اسمه بالعشرة’ دون أن يوضح له الموضوع، قائلا ‘لقد فهمت الأمر من خلال الاستنتاج فقط’. وتابع ‘تلقيت بعد ذلك مكالمتيْن متتاليتين تعلمانني بتعييني وزيرا للداخلية من كل من عبد الفتاح بن عمر رئيس لجنة تقصي الحقائق وعبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع ففهمت عندئذ أن ثلاثتهم كانوا سوية لحظتها ثم كلمني محمد الغنوشي ليخبرني بالأمر’. وقال الراجحي ‘كانت النية واضحة من تعييني وزير داخلية: تهدئة الأوضاع، ذلك أنهم كانوا يحتاجون إلى شخص أبيض نقي من الشبهات وفي نفس الوقت له مبدأ’. وتابع ‘لُذْت بالصمت بعد قرار عزلي حرصا مني على المحافظة على الوضع الامني الهادئ الذي بذلت جهدا من يوم تعييني لضمانه’. واعتبر وزير الداخلية المُقال أن ‘أي طرف سيمسك الحُكم في تونس سيكون مضطرا لأن تتماشى سياسته مع تطلعات الشعب لأنه دون ذلك لن ينجح حتى ولو استخدم القوة’. وقال ‘طالما أن (فيس بوك) موجود لن يُقبَل بأي كان يحكم دون رضى الشعب’. واعتبر أن حزب ‘النهضة’ ‘لا يُخيف’. لم يكن في وعيهوفي أول رد فعل خرج كمال اللطيف إلى الأضواء صباح أمس الأربعاء وأدلى بتصريحات لإذاعة ‘شمس إف.
إم’ المحلية، منتقدا تصريحات الراجحي.
ووصف اللطيف وزير الداخلية المُقال بأنه ‘لم يكن في وعيه’ ساعة الادلاء بذلك الكلام، متسائلا كيف اشتغل (الراجحي) وزيرا للداخلية. وهاجم اللطيف الراجحي قائلا ‘في حياتي لم أعرف فرحات الراجحي ولم أطلب منه أن يشرب معي قهوة ولا أريد أصلا أن أعرفه ولا أتشرف بمعرفته’. واضاف أن خلاف الراجحي والباجي قايد السبسي سببه أن الأول رفض عزل 40 قياديا بالأمن بينهم العروسي الحبيبي المكلف بالتنصت الهاتفي’، دون أن يوضح المصادر التي أعلمت بذلك.
وفي رده على سؤال طرحه المذيع عن وجود دور خفي له خلف الأضواء في صناعة القرار السياسي في تونس بعد الثورة، أجاب اللطيف بالقول ‘أنا وطني وبصدد خدمة بلادي. أعطي رأيي لكل من يطلبه مني ومنذ الثمانينيات وأنا أشتغل بالسياسة’. ووصف اللطيف الراجحي بأنه ‘لم يكن في مستوى المهمة التي أسندت له’، متسائلا ‘أين كان الراجحي حين قاومت أنا الطرابلسية؟’. من جهته اعتبر معز السيناوي المكلف بالإعلام في مكتب رئيس الحكومة المؤقتة في تصريح لإذاعة ‘إكسبريس إف.
إم’ المحلية أن تصريحات الراجحي في ‘قسم منها منطقية ولكن في قسم آخر غير مقبولة وغير مسؤولة’. وأثارت تصريحات الراجحي عاصفة من ردود الفعل من التونسيين في موقع التواصل الاجتماعي’فيس بوك’ بعضها وصل إلى حد المطالبة بإقالة قايد السبسي.
وبعد ظهر أمس الأربعاء انتقلت الاحتجاجات إلى الشارع حيث خرجت مظاهرة في شارع الحبيب بورقيبة بوسط العاصمة تونس لجماهير شابة طالبت برحيل قايد السبسي وحكومته.
وردد المتظاهرون شعارات بينها ‘يا باجي يا عميل.. هزْ كلابك واستقيل’، فيما انتشر عدد كبير من قوات الأمن محيطين بمكان تجمع المتظاهرين.