أبداً لست قادرة على كتابة ما يكفي

حجم الخط
0

عناية جابر

يميل البوذا الى أن يتحررالعالم من عقيدة التناسخ، ليدخل في مطلق النيرفانا. الأموات الذين ماتوا، ماتوا وقضوا وانتهى أمرهم. الشباب والشيوخ والنساء. تتريث روحي أمام اصطياد الأطفال على أسرّتهم، في أحضان أمهاتهم، في الملاجىء وخلف الحيطان وفي الشوارع أحياناً. أليسوا أحلاماً غير قابلة للتناسخ؟ أليسوا أجمل قصائد رثاء إبتكرها شعراء على الإطلاق؟ على الأطفال في ميتاتهم المستحدثة عربياً، ان يهيموا في دورة ولادات جديدة، وميتات جديدة، كما لو عصر’ فيدا’ هندي ثانية،’ فيدا’ هو في الأصل لب الشرق نفسه.

عندنا الأطفال يموتون كل يوم، ويفوق عددهم عدد النجوم. كل طفل يسقط هو مادة نشيج لا يكفّ. فوح طفولته يفقد عناصره الأرضية الفانية، ليشكلّ أصل رائحة الأرق الذي يحرمنا النوم. روح طفل، مجرد نعت للطاقة التي تلهب كل مخلوقات السماء والأرض. اننا نُحبّ الحياة، نحبها لأطفالنا وتليق بهم، ولكننا بفعل عادة كئيبة نقبل موتهم أمام أعيننا مؤمنين أن أرواحهم الطرية في الأعالي تحمل معها مشاعر الحب والتسامح. في العصور السحيقة كان الفيثاغوريون مثلاً، يؤمنون بأن أرواح الأشرار ينبغي أن تظل أسيرة أبدان من ذوات الأربع! ما رأيك أيها الحاكم الذي تقتل الأطفال؟ الهلاك يتربّص بك في وجه، قدر، طفل، حكمت عليه بالموت. لابدّ أن علامة الهلاك محفورة وبائنة على وجهك، في جحوظ عينيك وارتعاشة يدك، ولعلها في خيوط العنكبوت على رقبتك، أو هي رقبتك المزرقّة ذاتها. الشوارع تعبق بالموت. الطفل الميت لم يعد يخصّ أحداً.

، أصابعهُ مفرودة كوريقاتنبات حسّاس أمام الشمس. يده تأخذ قسطاً من الراحة. رأسه مدّعم بذراعه، وروعة الوضع تنفذ الى روحي. لقد دفع الثمن الباهظ الذي استحقته الوحشية، وإذا مات فالحب من أماته. لا أتوقف عن الذهول حيال رؤية طفل مقتول. أبداً، لست قادرة على كتابة ما يكفي.

إن كتبت فعباراتي شديدة التلعثم ولا تساعد على الإطلاق. وأيّ شيء تعلّمته من رؤية طفل مقتول، لم أكتسبه بالنظر، بل بالإستماع الى أوردته الرقيقة، تُعلّم البشرية لغة جديدة. الحقيقة أنني أعبّ المشهد عبر رائحة تفوح من ثديييّ، والأمر برمّته في منتهى الغرابة. موت الأطفال لا يعدو ان يكون أسطورة جميلة ورمزية، وموتهم ينقذ حياة الأزهار، ينقذ حرية الطيور الرقيقة، يوّسع السماء ويصافح الطبيعة.

ذات مرّة، توصّل طفل عربي قتيل الى ولوج الحلقة الخامسة من بلاد الروح. الحلقة الأخيرة. ورأى هناك سيداً رئيساً، تمثالاً لسيّد عربي رئيس، من العاج الأسود الخالص ليست تضيئه حزم الأشعة الملونة. تمثال أسود غير قرمزي عند الأطراف، ولا أزرق برتقالي في الوسط، ولا زهري في منطقة الوجه، وكلها ألوان تسقط على باقي التماثيل المصطفة بفروقات طفيفة. لماذا لونك الأسود يا سيدي؟ سأل الطفل الميت تمثال السيد الرئيس. كل تمثال من التماثيل فوق في الأعالي تتجه الى ألوانها على هدي ذنوبها. التمثال الزهري قضى بفعل فساده، والأزرق خان بلاده، والبرتقالي أباد شعبه. الأسود لون قاتل الأطفال. إذا ما صدّقنا الذنب المفضي الى اللون الأسود، وقعنا مع الطفل الميت على معرفة جوهرية لم يقترب من فهمها أغلب أهل الأرض.

منذ شهور، نعيش مهرجان الأطفال الذين يُقتلون، مهرجان الأطفال القتلى، وعيد وحدة الأرواح المهيضة. إن ترجمة الألم بالحزن أمر سطحي. تذكرّ هذا جيداً أيها السيّد الرئيس، فأنت حين تقتل طفلاً، تكون تُدين للكون، عناصره وبشره، بالألم الكامل.

هذه الأمسية أمام الشاشة تكون طويلة. الأطفال يتساقطون مُلوّثة اجسادهم بالدم. لعل الشمس غربت وبزغت مرات عديدة في أمسية واحدة طويلة، ذلك أن نوعاً من ثبات التحديق جعل الصور تهرم، تنهزم بصفاء مؤلم. كل أنّة كانت تخرج من أفواههم، تمّد في اللحظات، ولا أنّة تهرب من أذنيّ. لا أنّة تفلت من صدري.

إن الشياطين خاصة، تريد أن تضبطك منهاراً إزاء حفل قتل الأطفال. من قتل هذا الصغير أيها السيد الرئيس؟ لوزة ناعمة الملمس من أسال دمها، دثرّها بالموت، لفّ خيوطه حولها، غزل شرنقة وأسكنه فيها.

أنا، حيال جرحه الطويل في الرأس، ألتّفُ وأنحّلُ دائرياً وفي كل إتجاه. جثته إحتلتني كلنّي، احتلّت قلبي وأوجعته. في المشرحة سحبوا الجسد الصغير المتيبّس وانكشف لي موته بعنف. لوعتي لاتخّف، تنتشر كإنتشار فجر حول مذود مهجور. لوعة تتدفق على الجثة المضاءة لفتى في السابعة، أصغر أو أكبر، لها شكل وقوام لوزة بيضاء مُسكرة.

وسوف يمرّ مشهد آخر مُشابه، ومشهد آخر مُشابه. كل شيء فيّ يصغي بإنتباه شديد، ويبذل مجهوداً حزيناً كي يبدو موتهم غير حقيقي.

إننيّ أنصت. إنني أسجّل. يمكن للأطفال الميتة أن تتمايل فوق الأكفّ، أن تهّز رجلاً أو يداً، لكنه التمايل المُخادع للكاميرا المرتجّة، أبداً لن تكون بوسعها الحياة بعد، اللعب أبداً.

لن تقذف كرة ولن تتنّزه في غابة. كلا، ليس بعد. أهذي وأثرثر في هذه الأمسية الطويلة، مع أنني أرغب أن أقول موتهم في أقلّ عدد من الكلمات. أقلّ عدد من الكلمات عن الكفن الأبيض الملّطخ بالدم المعقودة أطرافه، تُمسك تنفس الزهرة فيه. اقلّ عدد من الكلمات عن ثلاثة ثقوب في الرأس، ثلاثة ثقوب في الصدر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية