توفيق رباحي
هناك حالة من الإبداع السوري هذه الأيام. أتابع الفضائية السورية أكثر من غيرها فأصادف الكثير من البرامج الحوارية والنقاشات، تارة بين مذيع أو اثنين وضيوف عدة، وتارة بين مذيع أو مذيعة وضيف واحد أو ضيفة. هي برامج على نفس النغمة والموجات، لكن في كل مرة يختلف الأمر عن سابقتها فتعطيك الانطباع بالجديد.
وهي برامج كثير من ضيوفها لبنانيون يحسدون السوريين على ما هو فائض عندهم ـ في لبنان ـ من حق تعبير وتظاهر واحتجاج.
آخر ما سمعت، صباح أمس الخميس في برنامج حواري من البرامج التي تبدو لك للوهلة الأولى مملة ومكررة، نقاشا حول الوطنية.. المشاعر والانتماء وحب الوطن وهذا الكلام المشابه.
هناك فائض من المشاعر الوطنية يغمر المنطقة العربية هذه الأيام، بحجم ما فيها من مياه البحار والمحيطات. وهناك فائض أكبر من الكلام عنها. حيثما وليت وجهك سمعت الكلام ذاته أو متشابها. حتى الدول التي أنهت ثوراتها وحسمت أمرها لا تخلو من الكلام عن الوطنية وحب الوطن، وإن من الجهة الأخرى من النهر!
السؤال المحوري في نقاش صباح أمس بالفضائية السورية هو: هل ‘الذي’ (بصراحة أكثر السوري) يعمل في قناة تلفزيونية أو وسيلة إعلامية ‘معادية’ أو ‘مأجورة’ لديه حس وطني أم لا.
؟ الجواب (حسب المشاركين بالبرنامج وكلهم لا أعرفهم)، منطقي جدا: لا، ليس بالضرورة، وليس من حق أحد أن يطعن في انتماء آخر، فكل انسان ـ سوري ـ وطني حتى يثبت العكس، أي يكتشف التلفزيون السوري، أو يحكم، بأنه خائن أو مأجور. أما الأسئلة الفرعية فهي من نوع: هل يبقى هذا الانسان ـ السوري ـ وطنيا إذا تمسك بموقع عمله في تلك الوسيلة الإعلامية، بعد أن تأكدت المؤامرة على سورية وانكشف الخيط الأبيض من الأسود؟
الجواب: هنا يختلف الأمر. هنا تبدأ الخيانة والعمالة للأعداء والصهيونية والامبريالية. في الأول عندما بدأت الاضطرابات في المدن السورية، قالت إحدى المشاركات بالبرنامج، كلنا ارتبكنا واختلطت علينا الأمور، لكن في ما بعد اختلف الأمر.
بمقاييس محتكري تجارة المشاعر الوطنية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فيصل القاسم خائن، أو لنقل فقدَ وطنيته بعد أن تبينت خيوط المؤامرة ولم يستقل بعد من قناة ‘الجزيرة’. زينة يازجي عميلة لأنها روّجت خبر استقالتها من ‘العربية’ ثم تراجعت عنها أو لم تنفذ وعدها.
غسان بن جدو وطني خارق للعادة حتى ولو كان غير سوري الجنسية.
لا تحضرني أسماء كل السوريين العاملين في المحطات الفضائية المتآمرة والمأجورة والصحف العميلة الخائنة ولم يستقيلوا بعد، فأكتفي بأن أقترح على كلٍ منهم أن يضع نجمة صفراء على صدره، مثلما حدث ذات مرة قبل سبعين عاما في أوروبا، كي يسهل علينا التعرف عليه وتصنيفه.
يقودني هذا الى نقاش أكبر قد لا تتسع له هذه المساحة، عنوانه الأبرز موقف الصحافي أو المذيع في وسيلة إعلامية أجنبية (معادية ومأجورة) من أحداث تقع في وطنه. هنا يخضع المرء لاختبار في وطنيته وانتمائه القومي من وجهة نظر محتكري هذه التجارة، وما أكثرهم وأشطرهم، خوّلوا لأنفسهم صلاحية تصنيف الناس والحكم على نواياهم وما خفي من مشاعرهم.
عندي مثال صارخ هنا هو ما تعرضت له المذيعة خديجة بن قنة من سب وثلب في صحف جزائرية صفراء، لأنها أبدت موقفا سلبيا من الرئيس بوتفليقة أغضب الدوائر المقربة منه، فأطلقت عليها كتبجية تلك الصحف في حملة تجاوزت حدود المروءة.
لا أدافع عن بن قنة هنا، أود فقط أن أذكّر محركي هذه الحملة وأدواتها بشيء في الدنيا اسمه: الأدب. هناك حالة مَرَضية في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية. عندما يحين موسم الافتخار والتباهي بتفوق الصحافيين الجزائريين في الخارج وكفاءتهم، تكون بن قنة ورفاقها ورفيقاتها هم النموذج ومصدر الإلهام. وعندما ينادي صاحب قرار أن حيّا على حفلات الشتم والإهانة، يكون هؤلاء الإعلاميون ذاتهم موضوع هذه الحملات.
كل هذا ولم يحدث في الجزائر ما حدث في مصر أو تونس وسورية. تخيلوا ما كان سيلحق بن قنة والآخرين لو حدث شيء ومنحته ‘الجزيرة’ نفس حجم التغطية!
وقبل بن قنة تعرض محمد كريشان الى حملة مماثلة طالت شخصه وعرضه في تونس.
لا أعرف هل يتعرض السوريون العاملون في المحطات المأجورة والعميلة الى الحملة ذاتها في الصحف السورية، لكن النقاش التلفزيوني الذي يحدث أن أتابع يعطي لمحة عن أنهم يخضعون لامتحان عسير وأن عليهم أن يثبتوا وطنيتهم كما يريدها محتكرو هذه التجارة، لا كما يفهمونها هم، وأن صبر الوطن وسماسرته قد بدأ ينفد.
ومرة أخرى لا أعرف ما الأسوأ والأقسى: أن يشتم شخصك وعرضك غلام بالكاد يركب فقرة مفيدة في جريدة صفراء ويمضي، أم أن يشرّحك ويحكم عليك ضيوف يوصفون بالخبراء والمحللين والمثقفين في برنامج تلفزيوني، والخبرة والتحليل والثقافة منهم براء. اللوح المحفوظالوجه الآخر للإبداع في التلفزيون السوري تجود به قريحة الفنانين معبودي الجماهير العربية في الدراما السورية.
صباح الأربعاء كنت على موعد آخر مع الفضائية السورية، وهي نافذتي الوحيدة على سورية. كانت النجمة سلاف فواخرجي تغالب الدموع وهي تحاول أن تفند وجود حصار على مدينة درعا وتعتذر نيابة عن زملائها الذين وقعوا بيانا يبدو أنه طالب برفع الحصار عن المدينة، فتألمت سلاف كثيرا ورأت أن من الضروري الاعتذار. وزادت من الشعر بيتا بأن أعلنت أن سكان درعا هم من طلبوا حضور الجيش الى مدينتهم (ولا بأس إن قتل بعضهم واعتقل 399 رجلا وقطع الماء والكهرباء عن العائلات). وكان يجب أن تقول أيضا، كما يقول الآخرون، إن لديها أصدقاء وأقارب في درعا أبلغوها بأن لا شيء مما يقال في الفضائيات صحيح، وبأنهم شاهدوا عجوزا تهدي جنديا مصحفا وآخر يشتري رغيفا لعابر سبيل.
هناك فعلا مأساة كبرى مع فناني ونخب هذه الأمة الكسيحة وسط ما يقع من الأحداث.
هي مأساة، لكن لا جديدة ولا مستغربة. غير بعيد عنا نماذج الفنانين التونسيين المشهورين وموقفهم ـ علاقتهم ـ من الرئيس المخلوع حتى وهو يعيش آخر أيامه كديكتاتور، ناهيك عن أيام مجده وسطوته عندما تجاوز سخاؤه حدود تونس الى لبنان ومصر وفرنسا وغيرها. ولا حاجة بتذكيركم باسماء من طلبوا منه أن يترشح مرة أخرى للرئاسة لأن الوطن سيموت بدونه! والى جانب التونسيين هناك الفنانون المصريون الذي أبلوا بلاء حسنا في الدفاع عن رئيس وزمرة اشتروا البلد كله بأبخس ما طرح من ثمن. والآن دور الفنانين السوريين، في انتظار من عليهم الدور بعدهم، وهكذا. في الأسابيع الأخيرة تداول على استوديوهات الفضائية السورية أكثر من فنان من صانعي أمجاد الدراما السورية. أغلب الذين شاهدتهم يدفعونك للشعور بالشفقة عليهم وهم في حرج كبير يعانون بحثا عن كلمات لا تغضب نظام الحكم ولا تدينهم جماهيريا، لا تجرّم سكان المدن الثائرة ولا تدين تصرفات القوى الأمنية، لا تجوّع الذئب ولا تفني الغنم.
بالقياس الى ما يحدث في سورية، حسبما يصل من أخبار وصور، يبدو ذلك التوفيق ضربا من المستحيل. وأيّا كانت النتيجة النهائية لما يحدث في سورية، هناك شيء اسمه ‘يوتيوب’ و’فيسبوك’ وأناس في مكان ما من هذا العالم لا همّ لهم غير تسجيل ما يقال في التلفزيونات وتعبئته على مواقع مثل اللوح المحفوظ! ‘ كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]