خلفيات حرب بن لادن المفتوحة ضدّ الأمريكيين

حجم الخط
0

نصر شمالي كتب المفكّر الراحل إدوارد سعيد يقول: إنّ الظلم المنظّم المشرّع قانونياً، والوحشية المنظمة المشرّعة قانونياً، على صعيد الداخل الأمريكي، هو ما يعشقه الكثير من الأمريكيين، مثلما يعشقون ‘بلطجة’ واستهتار حكوماتهم على الصعيد الخارجي! لقد ورد هذا القول في مقالة نشرها في صحيفة ‘الحياة’، بتاريخ 3/3/2000، عنوانها: ‘تأمّلات في الظلم الأمريكي’! وجاء في تلك المقالة أنّ الظلم الذي تمارسه الإدارات الأمريكية المتعاقبة لا يقتصر على الشعوب والأمم الأخرى، بل يشمل أيضاً الأجناس الأخرى المكوّنة للشعب الأمريكي بالذات. ولعلّ ما جاء في مقالة إدوارد يكفي، في هذه العجالة، لإظهار بعض الجوانب الأساسية من سياسة الحرب المفتوحة التي تشنها حكومات واشنطن ضدّ الأمم والشعوب الأخرى في الخارج، وضدّ الألوان والأجناس الأخرى في الداخل، وتوضّح بالتالي خلفيات ردود الفعل الطبيعية للمظلومين والمقهورين، واندفاعهم المفهوم، إن لم نقل المشروع، لشنّ حرب مفتوحة بالمقابل ضدّ الأمريكيين، مثل الحرب التي خاضها أسامة بن لادن، بغضّ النظر عن الاتفاق أو عدم الاتفاق معه في خطابه، وفي أساليبه الحربية. قضى إدوارد سعيد عشر سنوات في دراسته الجامعية للأدب الإنكليزي والأمريكي. من العام 1953 إلى العام 1963. وهو يقول انّ جميع ما درسه، من دون استثناء، كان أعمالاً لكتّاب بيض، حيث لم تكن توجد في البرنامج الدراسي أعمال لغير البيض، مثل روايات العبيد السود عن حياتهم. ويذكر إدوارد أنّه سأل ذات يوم أستاذاً أمريكياً مرموقاً (كان يقدّم نحو ثلاثين محاضرة خلال العام الأكاديمي) عن المئتين وخمسين سنة الأخيرة من تاريخ الأدب الأمريكي، وعن سبب عدم تقديم محاضرات عن أدب السود، فكان الجواب بكلّ بساطة هو التالي: ليس هناك أدب سود (في الجامعات) حيث لم يكن في جامعة هارفارد أو برينستون، أثناء دراستي فيهما، طلبة أو أساتذة سود! كذلك ـ يضيف الأستاذ الأمريكي ـ لم يكن هناك في البرامج الدراسية ما يشير من قريب أو بعيد إلى أنّ اقتصاد نصف البلاد، على مدى قرنين تقريباً، اعتمد بكامله على العبيد، ولا ما يشير إلى أنّ ستين مليون إنسان جلبوا عبيداً إلى القارة الأمريكية، فمثل هذه الحقائق لا تستحقّ الذكر، وظلّ قانون التمييز ضدّ الملونين معمولاً به رسمياً وصراحة حتى العام 1964! يقول إدوارد سعيد انه، في الولايات المتحدة التي يشكّل سكانها 5 في المئة من سكان العالم، كشف تقرير عن وجود مليوني سجين (في العام 2000) أي 25 في المئة نسبة إلى مجموع السجناء في العالم، وأنّ نحو 45 في المئة من السجناء هم من الأمريكيين الأفارقة! هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإنّ الولايات المتحدة تستهلك لوحدها 30 في المئة من الطاقة العالمية، وأنّها تدمّر نسبة مشابهة موازية، من بيئة كوكب الأرض. أي أنّ نسبة استهلاكها للطاقة وتدميرها للبيئة من مجمل الاستهلاك والتدمير العالمي تعادل نسبة سجنائها في الداخل من مجمل السجناء في العالم، وهكذا إذا كان الحال كما أشار إدوارد سعيد إلى بعض جوانبه، إضافة إلى الحروب العسكرية الإبادية المفتوحة، فكيف لا تأتي ردود الأفعال الأممية من نوعها وفي مستواها، وكيف لا يعلن أسامة بن لادن، وغيره من العرب، الحرب المفتوحة ضدّ الذين ارتكبوا جريمة العصر العظمى في فلسطين خصوصاً وفي البلاد العربية عموماً؟

في عهد ولاية جورج بوش الابن لتكساس قفز عدد السجناء في الولاية المذكورة من 41 ألفاً إلى 150 ألفاً، وكان بوش يفاخر بذلك كواحد من إنجازاته الطيبة. ويعلّق إدوارد سعيد قائلاً: لا غرابة إذاً، على ضوء وحشية الإدارة الأمريكية تجاه مواطنيها، أن تفرض على العراقيين (في عهد كلينتون الديمقراطي) المعاناة من الجوع، وانهيار النظام الصحي والتعليمي، وانهيار البنية التحتية العراقية عموماً، ولكي نفهم استمرار العقوبات ضدّ العراق (لمدّة ثلاثة عشر عاماً) وأيضاً لكي نفهم سبب ‘تفهّم’ وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت لعمليات القصف الإسرائيلي لأهداف مدنية في لبنان، علينا أن نتفحّص وجهاً من وجوه التاريخ الأمريكي يغفله، أو يتجاهله، المثقفون العرب والنخب العربية الحاكمة، الذين يواصلون الكلام عن ‘الإنصاف’ الأمريكي، وهذا الوجه المطلوب تفحّصه ـ كما يشرح إدوارد ـ هو المعاملة التي يلقاها الأمريكيون الأفارقة، الذين يشكّلون نسبة 20 في المئة من الأمريكيين، فهناك أولاً، على الصعيد التاريخي، قضية العبودية، وهي الحقيقة التي تعمل الإدارات الأمريكية المتعاقبة على إخفائها في العمق تحت سطح ذاكرة أمريكا وثقافتها الرسمية، حيث يكفي أن نلاحظ خلوّ برامج تعليم التاريخ، أو تعليم الأدب، حتى عقد السبعينيات، من أيّة إشارة إلى العبودية أو إلى ثقافة السود وإنجازاتهم.

لقد نشر إدوارد سعيد مقالته (تأمّلات في الظلم الأمريكي) قبل احتلال أفغانستان، ثمّ العراق، بذريعة ما تعرضت له الولايات المتحدة من غارات القاعدة في أيلول/ سبتمبر 2001، ولكن من الثابت، بالوثائق، أنّ قرار احتلال البلدين، خاصة احتلال العراق، كان متّخذاً قبل سنوات من قبل المحافظين الجدد الصهاينة، منذ أواسط التسعينيات، وأنهم ما كادوا يصلون إلى البيت الأبيض، قبل أحداث سبتمبر، حتى باشروا الاستعداد العملي لاحتلال العراق. وكيف لا يكون الأمر كذلك وهم الذين كانوا يحاصرون العراق حصاراً مهلكاً، طيلة أكثر من عشر سنوات، تمهيداً لاحتلاله بسهولة ومن دون مواجهة مقاومة تستحقّ الذكر؟ كذلك، فإنّ إدوارد سعيد نشر مقالته قبل محرقة لبنان ومحرقة غزّة المهولتين.

يقول إدوارد سعيد، إنّ في واشنطن متحفاً للمحرقة النازية ضدّ اليهود، ولكن ليس فيها متحف عن العبودية في أمريكا! كذلك، فإنّك لا تجد في واشنطن متحفاً عن إبادة السكان الأصليين، أي أنّ المتاحف التذكارية الأمريكية انتقائية! وبناءً على ذلك، فكيف نتوقع إنصافاً أمريكياً للعرب، وكيف لا نتفهّم ردود الأفعال، وحروب المقاومة المفتوحة، التي ينعتونها بالإرهابية، حتى وإن اختلفنا مع بعضها في أساليبه الحربية؟ ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية