مصر: الشرطة والشعب… حالة الانكار عقبة أمام المصالحة

حجم الخط
0

شحاتة عوضرغم مرور ما يزيد عن ثلاثة اشهر على اندلاع الثورة المصرية العظيمة في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير ونجاحها في الاطاحة بمبارك ونظامه، وتوجيه ضربة قاصمة لعصا الامن الغليظة التي استخدمها مبارك وزبانيته لقمع واذلال الشعب المصري على مدى العقود الثلاثة الماضية. رغم مرور كل هذا الوقت منذ انهارت قوات الامن امام بسالة وجسارة الشباب المصري، فان قوات الشرطة لم تعد حتى الان بالشكل اللائق والحقيقي للقيام بدروها في اعادة الامن والاستقرار الى ربوع البلاد. ولا تزال أزمة الثقة عميقة بين الشعب وجهاز الشرطة، وهي ازمة ترسخت وتعمقت وتعملقت على مدى سنوات طويلة من الاهانة والتعذيب والتكسير لارادة المصريين على يد رجال الامن. وفي ظني أن عودة الثقة بين الشرطة والشعب لن تكون سريعة وان المصالحة المنشودة التي دعا اليها العقلاء بعد الثورة بين المصريين وجهاز الشرطة، ليست مهمة سهلة ودونها الكثير من العقبات والحواجز. العقبة الكبرى التي تقف أمام إنجاز أي مصالحة حقيقية بين الشعب والشرطة بعد الثورة هي حالة الانكار التام التي يعيشها الكثير من ضباط ورجال الشرطة، لاي مسؤولية لجهاز الامن عن القهر والقمع والتجاوزات والانتهاكات التي تعرض له المصريون على يد رجال الشرطة. هذا القطاع العريض داخل جهاز الشرطة يرفض الاعتراف والاقرار بان العديد من منتسبيه من ضباط وأفراد تورطوا على مدى سنوات في ارتكاب جرائم بشعة بحق المصريين وصلت ذروتها خلال ايام الثورة عندما أطلق هؤلاء الافراد الرصاص الحي على صدور ورؤوس شباب مصر الطاهر، فقتلوا المئات واصابوا وجرحو ا الالاف. وترتكز حالة الانكار تلك إلى عقلية فاسدة عششت وترسخت في عقول وأذهان السواد الاعظم من رجال الشرطة في مصر، وهي العقلية التي ترى أن ضابط الشرطة فوق القانون، وهو حتى إن أخطأ فهو معصوم من العقاب ويجب ألا تتم إدانته او التشهير به، لان ذلك يضرب هيبة الشرطة وجهاز الامن لدى المواطن العادي. ولا ينطلق هذا التفكير الفاسد من الخلط غير المشروع بين هيبة القانون وهيبة رجال الشرطة فحسب، وانما ينطلق من مبدأ كرسته الدولة البوليسية التي عاشتها مصر زمنا طويلا، وهو ان جهاز الامن في أحد اهم تعريفاته هو جهاز لقمع وترويع وتخويف المواطنين وليس لحمايتهم والسهر على أمنهم وصيانة مصالحهم. ويبلغ هذا التفكير القائم على الإنكار الكامل والخلط بين هيبة الشرطة وهيبة القانون، مداه عند بعض ضباط ورجال الامن عندما يعلن أحد الضباط في برنامج تلفزيوني ان الشرطة هي مصر، ومصر هي الشرطة، وأن انهيار الشرطة معناه انهيار مصر! وهذا الكلام ربما يكون بريئا في مقصده وانه يهدف للتأكيد على أهمية جهاز الشرطة لتحقيق الامن والاستقرار في اي مجتمع. لكن المشكلة في مثل هذا الكلام الذي صرح به الضابط في معرض دفاعه عن الشرطة التي يرى انها تتعرض لحملة تشويه من جانب وسائل الإعلام، أنه يأتي كاشفا لتلك العقلية التي تربى عليها ضباط ورجال الشرطة في مصر على مدى عقود، وهي انهم الاسياد وليسوا مجرد موظفين يؤدون عملا في خدمة الشعب الذي يدفع لهم رواتبهم. وبالتالي ترسخت لديهم قناعة بأن مصر بدونهم ستنهار ولن تقوم لها قائمة. وليس أدل على ذلك من التصريح الشهير لمدير أمن محافظة البحيرة السابق والذي تم تداوله على شبكة الانترنت والذي يصف فيه رجال الشرطة بانهم أسياد للمواطنين!

وهكذا واستنادا لحالة الانكار تلك وما يدعمها من عقلية وتفكير فاسد لا يتصور ان يعاقب رجل الشرطة على جرائمه مهما بلغت جسامتها، يمكن تفسير رفض المئات من ضباط الشرطة والمنتسبين اليها العودة الى عملهم واداء مهامهم حتى الان. كما اعلن المئات من ضباط الشرطة نيتهم الاستقالة من وظائفهم. هذا السلوك من قبل هؤلاء الضباط لا يعكس فقط عدم القدرة على استيعاب ان يتحول السيد الضابط الحاكم بأمره على مدى سنوات طويلة، وفي ضربة واحدة الى مجرد موظف يقوم بواجبه في خدمة الشعب، وانما يعكس في أحد تفسيراته رغبة من هؤلاء الضباط في معاقبة الشعب على قيامه بالثورة، وهذا هو الامر الاكثر خطورة، فهؤلاء الضباط يرغبون في قرارة انفسهم ومن دون أن يعلنوا عن ذلك صراحة، في معاقبة هذا الشعب الذي تجرأ وثار على جلاديه وحكامه الفاسدين. ولذا لم يعد غريبا ولا مدهشا أن تسمع لغة التشفي والشماتة تلك، ليس فقط على السنة الضباط القابعين في بيوتهم يتفرجون على حالة الانفلات الامني التي تعيشها بعض مناطق البلاد، وإنما حتى من جانب هؤلاء الضباط الذين عادوا لعملهم على استحياء. ولم يعد أمرا مستنكرا ولا مستهجنا أن يقابلك ضابط الشرطة عندما تذهب اليه للابلاغ عن سرقة شيء بالقول ‘مش كنتم عاوزين الثورة استحملوا بقا’ أي أن هذا الشعب يستحق العقاب لانه تمرد على نظامه الفاسد. هذا المنطق الذي يحكم تفكير قطاع واسع من رجال الشرطة يعني في محصلته النهائية أن علينا كمواطنين أن نختار ما بين تحقيق الأمن وما بين الحصول على الكرامة والحرية. لكن هؤلاء الضباط لا يريدون أن يفهموا ان الشعب الذي ضحى بدماء ابنائه لن يقبل بعد اليوم أن يوضع أمام هذا الاختيار الشاذ، ولن يفاضل ما بين كرامته وأمنه مهما كانت التضحيات، ومهما كان الثمن الذي يراد من الشعب ان يدفعه من أمنه واستقراره. ويجب ان يدركوا ايضا أنه طالما استمرت هذه العقلية لدى بعض الضباط فلا مصالحة ولا صلح بين الشرطة والشعب.

يجب ان يعرف رجال الشرطة، وخصوصا الشرفاء منهم وهم كثيرون، أن الثورة المصرية قامت للاطاحة بالنظام الفاسد وليس للاطاحة بجهاز الشرطة والامن، كما يحاول بعض الضباط تصوير الامر. ولكن الشعب عندما أراد اسقاط النظام لم يجد أمامه سوى عصا الامن الغليظة التي لم يكن مبارك ونظامه يملك غيرها في مواجهة هذا الشعب العظيم، وعندما سقطت عصا الامن سقط النظام، ولكن هذه العصا لم تسقط الا بتضحيات ودماء طاهرة سالت على ارض ميدان التحرير وغيره من الميادين في بر مصر، وللاسف على يد رجال الشرطة. وعلينا أن نذكّر منتسبي هذا الجهاز الوطني أن يدركوا أن احدى الايقونات التي فجرت الثورة المصرية هو الشاب خالد سعيد الذي قضى ضحية للتعذيب الوحشي على يد زبانية الامن ورجاله. إن على بعض ضباط الشرطة المحبطين والمنكسرين لما جرى خلال الثورة أن يريحوا ضمائرهم ونفوسهم وان يتطهروا مما جرى. وهذا لن يحدث أبدا إلا بالاعتراف الصريح لانفسهم قبل الشعب، بانهم رضوا وقبلوا وربما سعوا، لان يكونوا أداة في يد النظام لقمع الشعب وأهانته وكسر ارادته وتمرير كل الجرائم التي ارتكبها مبارك ورجاله من فساد وإفساد. عليهم ان يتطهروا ويعترفوا أمام انفسهم أن فيهم من باع نفسه للنظام حتى لو كان ذلك على حساب مصالح الوطن والمواطنين. عليهم ان يعترفوا ان بعضهم خان ضميره وخان القسم الذي أداه عندما تخرجوا في كلية الشرطة ضباطا يخدمون المواطنين ويسهرون على مصالحهم فاذا بهم يصبحون سواء بأوامر من رؤسائهم وقادتهم أو بملء ارادتهم عصا غليظة وسيفا مسلطا على رقاب العباد. عليهم أن يعترفوا ان جهاز الشرطة الذي تضخم عدده وعتاده وافراده وميزانيته في أواخر عهد مبارك ليتفوق على عدد وميزانية الجيش المصري الباسل، كان يعد ليكون الجسر الذي يعبر عليه سيناريو توريث الحكم من الاب الى الابن لولا هذه الثورة العظيمة التي بعثرت كل أحلام التوريث. فدون هذا الاعتراف وذلك التطهر لن تحدث المصالحة بين الشعب والشرطة مهما قيل من شعارات فارغة. على رجال وضباط الشرطة أن يكفوا عن محاولة معاقبة الشعب المصري على ثورته المجيدة وأن يكونوا جزءا من هذه الثورة من خلال حماية مكتسباتها والمساهمة ولو متأخرا في مواجهة اي محاولات للانقضاض عليها، وذلك من خلال العودة لاداء مهامهم في اعادة الامن والاستقرار الى الشارع في اطار هيبة القانون وسيادته وليس هيبة الشرطة لان هيبة الشرطة مستمدة من تطبيقها الصارم واحترامها لقواعد القانون. إن ذلك هو اضعف الايمان من جانب رجال الشرطة إن كانوا فعلا يريدون ان يتصالحوا مع شعبهم وعليهم أن يدركوا أن هذا الشعب لا يقابل أبدا الاحسان بالاساءة وان هذا الشعب العظيم الذي أظهر انبل واطهر ما فيه خلال الثورة ليس ناكرا للجميل ابدا ولرجال الشرطة إن ارادوا العظة والعبرة ان ينظروا للعلاقة التاريخية بين المصريين وجيشهم ليدركوا هذه الحقيقة الناصعة.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية