الإعلام الإلكتروني وآفاق المستقبل العربي

حجم الخط
0

دمشق ـ ‘ القدس العربي’ ـ من أنور بدر إلى فترة زمنية قصيرة كان تعبير ‘ القرية الكونية’ لا يزال مجازيا إلى درجة ما، لكن تطور الثورة الرقمية وتسارع آليات التواصل وبشكل خاص في مجال الإعلام الإلكتروني، جعل من ذلك التعبير المجازي حقيقة واقعة، فرضت نفسها على كل الشعوب والحكومات بآن معا، كما فرضت أدواتها ولغتها وطرائق التعامل معها.

وإن كنا في الوطن العربي تأخرنا كثيرا عن اللحاق بركب الثورة الرقمية، حيث تونس أول دولة عربية حققت ارتباطا بشبكة الإنترنت عام 1991 رغم أنه لم يُصبح متاحا للجمهور قبل منتصف التسعينيات، لكننا بكل الأحوال ندرك أن ذلك قد أتى أُكله بداية العام 2011 حين استخدم الشباب تكنولوجيا الاتصالات لإسقاط النظام السياسي وآليات الفساد التي قام عليها. وما زالت المعارك مشتعلة في أكثر من ساحة.

عموما تجاوز عدد مستخدمي الشبكة في العالم العربي حاليا الأربعين مليون نسمة، لكن أغلب الأنظمة العربية ما زالت تراقب تدفق المعلومات إلى المواطنين وتعيق الاتصال بالنت وتحجب المواقع الإلكترونية في كثير من الحالات. مع أن الثورة الرقمية قد تعدّت مجال الإعلام الإلكتروني إلى فضاءات التجارة وعالم المصارف والخدمات وصولا إلى حكومات إلكترونية باتت تتطلع إليها بعض الدول العربية. لكننا نلاحظ بالمقابل ضعف المحتوى العربي على الشبكة، بما لا يتناسب ونسبة المتحدثين باللغة العربية إلى عدد سكان العالم، فكيف إذا أخذنا بعين الاعتبار تشوه المحتوى العربي كمادة تغلب عليها الصفحات الدينية أو الإباحية، مقابل الصفحات الشخصية ومواقع الدردشة، وغياب أو ضعف الصفحات العلمية والفكرية والأدبية والمواقع الاحترافية والتفاعلية. فإذا كنا نتفق مع العالم ‘ ماكلوهان’ بقوله: ‘ أن تكنولوجيا الاتصال والمعلومات الحديثة هي إحدى الركائز الأساسية لحضارتنا الإنسانية المعاصرة، وإهمال استخدامها والاستفادة منها ومن ايجابياتها كفيل بأن يقذف بأي مجتمع إلى حضيض التخلف’، فإننا معنيون بتأكيد وجودنا ضمن مجتمع الحضارة الإنسانية، وتأكيد جدارتنا بالانتماء للعصر ومعطياته، عن طريق الانخراط في تكنولوجيا العالم الرقمي واقتصادياته، واستخدام وسائل الاتصال والاستفادة من إيجابياتها، وإعادة توظيفها في حياتنا اليومية وفي كافة أعمالنا.

وتبرز خصوصية الإعلام الإلكتروني، في قدرته على الانتشار وتكوين متعاملين معه في كل الأصقاع، ومنها المنطقة العربية، التي بدأت تتشكل فيها روافع جديدة لعمليات التغيير تنتمي للعام الرقمي ووسائط الاتصال الحديثة، أكثر مما تنتمي لمفاهيم أيديولوجية أو طبقية، روافع تفتح آفاقا جديدة للنضال من أجل الحرية وكرامة الإنسان.

ونستطيع الحديث بهذا الصدد عن تزايد كبير في أعداد مستخدمي الشبكة، منذ بدء عصر الانتفاضات العربية التي أطاحت ببعض الأنظمة التي كانت سادرة في أوهام استقرارها الأبدي، ناهيك عن مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي كـ ‘ الفيس بوك’ وأخواته من المواقع التي كانت منحازة منذ البداية لمطالب الناس وفئات الشباب تحديدا، وإن كنا لا نملك أية إحصائيات رقمية في سورية بهذا الصدد، إلا أنني أستطيع الحديث بنوع من الثقة عن طلبات الصداقة التي تأتي حاليا على ‘ الفيس بوك’ وبمعدل يتجاوز العشرة أشخاص يوميا، في حين كان هذا الرقم يغطي نشاط أسبوع كامل قبل الأحداث، مع العلم بأنني عنصر خامل ‘ فيسبوكيا’، ويشتكي الكثير من أصدقائي الحقيقيين من ذلك، لكن المؤشر الأهم أستطيع قراءته من محاولات أكثر من صديق من متقاعدي الصحافة، الذين بدأوا الآن يتعلمون استخدام الإنترنت، وأحدهم يسألني عن ميزات ‘ التشات’ وقصص أخرى كثيرة وطريفة.

مع التأكيد على رداءة البنية التحتية لعالم الاتصالات لدينا، إذ أننا وبعد رفع الحظر عن بعض مواقع التواصل الاجتماعي في 4 شباط ( فبراير) لهذا العام، فإن مجلة ‘ أبيض وأسود’ تورد بتاريخ 21 آذار ( مارس) أنّ مزود خدمة الإنترنت السوري جاء في ذيل ترتيب مزودات الخدمة عالميا، واحتل المرتبة ‘151’ بين ‘185’ دولة، شملتها دراسة تقنية بهذا الصدد. وتضيف المجلة ‘ لا تقتصر معاناة المشترك السوري على بطء خط الإنترنت، بل ويعاني كذلك من بطء سرعته مع تقطّعات متكررة في الخدمة، نتيجة وجود ضغط كبير عليها يأتي من الزيادة المطردة في أعداد المستخدمين’، مقابل ارتفاع رسوم النت بالقياس إلى دول الجوار أيضا، وتنقل الصحيفة عن وزير الاتصالات السابق عماد صابوني أن عدد مشتركي خدمة الإنترنت في سورية باستخدام الوسائل التقليدية ‘ الدايل آب’ لا يتعدى المليون مشترك، فيما عدد مستخدمي الحزمة العريضة لا يتجاوز (200) ألف مستخدم حتى الآن.

مع ذلك يبدو الإنترنت في سورية أكثر من كونه وسيلة تواصل اجتماعي، إنه الآن يكاد يشكل هوية وانتماء بكل معنى الكلمة، هوية لجيل يرغب الجميع في الانضواء تحت مظلته، وانتماء لعصر يخشى الجميع أن يُقصروا عن اللحاق به.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية