نريد ليبيا وطنية خالية من القذافينينابتداءً، اسمح لي بأن أخاطبك كصديق، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني الود والاحترام، فأرجو أن يتسع صدرك لنقدي، وأن تقبل فيك قولي، وأنا أعتبرك حقا صديقا، رغم أني لم ألتقك، الا اني أصادق الكثير من أفكارك، وأفتخر وأعتز برجل مثلك، له مواقفه المعروفة والمشرفة، في الدفاع عن أمته وهويته.
كان اسمك يتردد على لسان بعض الأصدقاء من الليبيين، وهم يتحدثون عن موقفك من الثورة الليبية باستنكار، وكنت أقرأ بعض المقالات التي ترد على موقفك هذا. وكنت أحاور بعضهم مجادلا بأنه لا موقف لديك من الثورة الليبية في حد ذاتها، ولكن موقفك المتشدد الأبرز كان من التدخل الأجنبي، وأنا أشاطرك الرأي بتحفظ، وقد قرأتُ كل مقالاتك تقريبا التي كتبتها بعد انطلاق الثورة الليبية، في منتصف شباط/فبراير، ولم أجد ما يدل على تعاطفك أو وقوفك إلى جانب (القذافي) ونظامه، بل كنتَ تقسو عليه وعلى أبنائه ونظامه، بأشد العبارات، كتلك التي أطلقتها على الرئيسين المخلوعين في تونس ومصر، ومن هو على وشك الخلع في اليمن، وربما في سورية، بل إنك تمنيتَ أن يكون القذافي متحضرا في انسحابه من المشهد الليبي، كشريكيه المصري والتونسي.
إلا أنني صُدِمتُ عندما قرأتُ مقالك (موقفنا من الأحداث في ليبيا) والمنشور يوم 26/4 في ‘القدس العربي’. ولأن المعاتِب لا يُعاتب إلا من يحب ويحترم، فاسمح لي بأن أعاتبك، وأرد على مقالك في نقاط. مع العلم بأن الأستاذ عبد الرحمن شلقم، أجاد في رده عليك، فأثلج صدري في مقاله (رد على الأستاذ عبد الباري عطوان.. هذا هو موقفنا من موقفكم) والمنشور يوم 28/4 في ‘القدس العربي’ أيضا، ولن أرميك بما برأت منه نفسك في نهاية مقالك، وقد رضينا بشهادة الأستاذ شلقم، وكفانا مؤونة القول.
وَرَدَ في بداية مقالك ‘أعترف بأنني أصبحت أشعر بحالة من الاكتئاب في كل مرة أحاول فيها الكتابة عن الشأن الليبي وتطوراته المتلاحقة، والسبب حالة الانقسام الحادة التي نراها في البلاد، وعمليات التشويه والتضليل التي تمارسها آلة إعلامية جبارة تقف خلفها جهات تملك المال’، وهنا أريد أن أسأل: ما هو دليلك على وجود انقسام حاد في ليبيا؟ فإذا أخذنا بظاهر ما ينشر، وهو ليس من صنع الإعلام قطعاً، فأنه لا يوجد انقسام، بل إن الثورة انطلقت في الشرق، وسرعان ما تأججت في مختلف الأنحاء، إلا أن الأمور شرقا استتبت للثائرين، فيما استوعب النظام الصدمة في الغرب، واستعاد السيطرة على بعض المدن، ورغم ذلك فهي متأججة في كل من مصراتة، الجبل الغربي، الزاوية، زوارة، وهي مدن على حدود طرابلس، بل وحتى في طرابلس نفسها، وأنت تعلم مدى التضييق الذي يعاني منه الصحافيون العالميون في طرابلس، لكي’لا يروا الأمور على حقيقتها، كذلك فإن الثورة موجودة في مناطق واسعة من الجنوب. فأين هو الانقسام الحاد إذن؟
عند كلامك عن آلة إعلامية جبارة مشوِهة ومضلِلة، خلفها جهات تمتلك الكثير من المال، ظننتك تتحدث عن إعلام القذافي، الذي يقلب الحقائق ويزيف الوقائع، فإذا بك لا تقصد هذا الإعلام، بل إعلاماً آخر لم تُعَرِفه ولم تحدده لنا! عندما تحدثت عن بداية الثورة وكيف أنها كانت سلمية، وفجأة انقلبت إلى تمرد عسكري، نقول: إن التمرد يكون على نظامٍ شرعي، وهذا النظام فقد شرعيته الظاهرة منذ أول يومٍ سقط فيه شهيد، فما بالك بنظامٍ قتل الآلاف من شعبه. أويعقل أن يوصف من قاومه بالمتمرد؟ ثم إن في قولك هذا تماهيا مع إعلام نظام الطاغية. كما أنك تقول متحدثا عن الثوار ‘ويرقصون طربا فوق جثث الجنود الليبيين التابعين للديكتاتور، وهم الجنود أنفسهم الذين كانوا قبل أشهر معدودة مصدر فخر لأبناء البلاد جميعا’، وأرد بالقول: لم يكُن هؤلاء الجنود مصدرا لفخر الليبيين يوما من الأيام، لأنهم باختصار ليسوا جنودا بل هم قتلة معتدون، جُلُهُم مرتزِقة سواء كانوا ليبيين أم غير ليبيين، لأنهم يدافعون عن شخص وليس عن وطن، دافعهم في هذا المال وطلب الشهوات، ثم أنك تعلم أن ليبيا لم يكن بها جيش، بعد أن فككه الديكتاتور، وبنى بدلا منه كتائب لحمايته وقمع شعبه.. إن علامة النصر التي يرفعها الثوار في كل مرة يحررون فيها مدينة أو موقعا، وقد عِبتها عليهم، قد تحمل عدة معانٍ، بعضها – على الأقل – إن لم يكن كلها طاهرا، وقد اعترفتَ بذلك ضمنا عندما قلت (يحررونها)، وهي كلمة تحمل كل معاني الطهر، في حين يرفع جنود القذافي عند كل أرض يطأونها، شعار (الله ومعمر وليبيا وبس)، فقدموا زعيمهم على الوطن، ولولا الحياء لقدموه على خالقهم، وما يطلبونه من الأسرى، من هتاف’باسم معمر، وعند ترديد أحدهم كلمة الله بدلا منه يكون مصيره القتل، لا يحمل إلا معنى واحد، وهو تمجيدُ صنمٍ.
عندما اعترضتَ في مقالك على تدمير القوة الأرضية لنظام الطاغية، واعتبرتَ هذا خروجا عن تفويض قرار مجلس الأمن، ألم تقرأ نص القرار وتفكر في روحه، الذي يدعو لحماية المدنيين، بكل السبل، ألم تسأل نفسك كيف يستهدف الديكتاتور المدنيين، هل بأفراد مترجلين يحملون العصي والأسلحة البيضاء، أم بقوات أرضية من دبابات وراجمات صواريخ وغيرها؟ وهكذا فإن هذا الاستهداف لهذه القوات هو في صلب تفويض مجلس الأمن، بل إن لم يقم الحلف بهذا، يكون قد أَخَلَ بنص القرار وروح التفويض.
إن كلامك عن قادة المعارضة، وكونهم خرجوا من رحم النظام – وهذا صحيح – وكونهم طلاب سلطة، والصراع هو بين جناحي النظام نفسه، نقول: صديقي عطوان، إنك تعلم كيف كان يفعل القذافي بمعارضيه، سجنا وقتلا ونفيا، وهكذا لا يكاد الشعب الليبي يعرف رمزا واحدا للمعارضة، لا داخل البلاد ولا خارجها، وكان هناك أناسٌ انضموا للعمل مع النظام لأسباب وظروف مختلفة، فبعضهم صدق دعاية الإصلاح التي رفعها سيف، وبعضهم عمل مع النظام محاولة للإصلاح وخدمة الشعب، وبعضهم عمل معه بحكم الأمر الواقع، فنظام القذافي ظل جاثما على صدور الليبيين قرابة 42 عاما، وكان لا بد للبعض أن يعمل في إطاره، وإن لم يكن مؤمنا بفكره، وقد أوردتَ أسماء ونسيتَ أخرى، مثل د.
محمود جبريل، رئيس فريق الأزمة، ود.
علي العيساوي، المسؤول عن العلاقات الخارجية، وغيرهما الكثير، ولكل واحدٍ من هؤلاء قصة مع النظام تختلف عن الآخر، لذا لا يجوز جمعهم في كفة واحدة، واستخدام لغة التعميم في وصفهم، فمعظمهم كان معروفاً لدى الليبيين بنظافة يده، وإخلاصه للشعب، وإلا فهل تتوقع أن الليبيين بمثل هذه السذاجة والغباء، بحيث يقبلونهم قادة لهم؟ ثم إنهم سيعلنون في بيان مشترك، عدم ترشحهم لأي منصب سياسي بعد المرحلة الانتقالية، بل ذهبوا أبعد من هذا، عندما طلبوا ممن يريد أن يترشح لأي منصب سياسي في المرحلة القادمة، أن يستقيل من المجلس الوطني الانتقالي، وهذا يدل على صدقهم في الظاهر على الأقل، ولسنا مطالبين بفحص وتمحيص النوايا.
صديقي عطوان: إن الإشكالية في طرحك وبعض الكتاب الذين يقفون ضد التدخل الأجنبي على طول الخط وبدون تمييز، هي أنكم لم تأتوا بالحل والبديل، كي نستطيع أن نتفهمكم، لا سيما أنكم تناهضون الظلم والاستبداد، ، فلم نعد نعرف بالضبط ماذا تريدون! مع تقديرنا لحرصكم وغيرتكم على ليبيا.
وأخيراً أقول ان ما سيحدث على أرض ليبيا بعد التحرير، هو وحده الكفيل بإظهار الحقائق، والرد على كل من شككك في هذه الثورة وأهدافها، وأعدك يا صديقي بأننا سندعوك لإلقاء إحدى محاضرتك الساخنة الملهِمة على أرض ليبيا (الحرية’والعدالة والديمقراطية)، وستعلم حينها إن ليبيا ما بعد القذافي، هي ليبيا التي ينشدها الجميع، وبذلوا من أجلها الدماء.
وختاماً أردد عنوان احد مقالاتك عن الشأن الليبي (الخيار المر بين الاستبداد والاستعمار)، وأقول: إننا لن نرضى لا بهذا ولا ذاك، وإن كُتِبَ علينا الثاني، فمقاومته ودحره أهون من الأول، لأنه عدوٌ واضح، أما الاستبداد فعدوٌ تصعب مقاومته، لأنه سوسٌ ينخر في جسد الشعوب.
عمر عبد العزيز