لن ينال أهله إذنا بالدفن أبدا!!

حجم الخط
0

فيصل عبد الحسن

الحديث عن حرمة الأموات في الوطن العربي يذكرني بنكتة تقول عن ثلاثة من الطفيليين، الذين كانوا يبحثون عن أماكن العزاء في المدن وأطرافها بحثا عن عزاء ميت جديد، ليصبح مقر طعامهم فترة أيام العزاء. وكانوا لشدة جهلهم لا يحفظون حتى سورة الفاتحة، لذلك اتفقوا على أن يعدوا من الواحد للعشرة في قلوبهم، وبعد ذلك يمسحون وجوههم بأيديهم، في كل عزاء، ليوهموا أهل الميت بأنهم قرؤوا الفاتحة على روح ميتهم. وحين مات والد أحدهم حضر الاثنان الباقيان مكان عزاء والد صديقهم، ورآهما صديقهما وقد أطالا كثيرا في مد كفيهما ليوهما الحاضرين بقراءة سورة الفاتحة، فاقترب منهما وسألهما هامسا: ‘ لماذا أطلتما في قراءة الفاتحة على روح والدي؟’ فأجاب أحدهما بحياء: ‘ اتفقت أنا وصديقي أن نعدَّ من الواحد للمئة بدلا من العشرة، فأنت صديقنا وعزيز علينا ويجب أن ندلل أباك!!’. والموت في بلادنا على الرغم من كونه فاجعة تصيب الأهل والأحباب، والمعارف خصوصا هذه الأيام، فقد صار موتا في الشوارع، وفي مختلف الدول العربية الثائرة على أنظمتها، أو تلك التي تريد التحرر من محتلها، التي ألفت الصمت والخنوع طيلة السنوات السابقة، إلا أن مفردات التعامل مع الموتى في بلداننا لا توحي بأنه فاجعة!! فهو يتحول إلى ملهاة حقيقية، كوميدية في بعض الأحيان ابتداء من حمل الميت إلى الطب العدلي للحصول على شهادة الوفاة، وحتى الدفن. وشهادة الطب العدلي بالوفاة، هي الإذن الرسمي بالدفن أيضا، فالمراكز المعنية على طول الطريق ستطالب بأوراق الجثة المحمولة لتدفن في مثواها الأخير، وأتذكر أنني رافقت بعض الأصدقاء طلبا للثواب، وكانوا جيرانا لعامل عربي مقطوع مات في حادثة مؤسفة، وأدخلنا الميت المشرحة، فقد كان عمر الميت دون الخمسين، وقد وقعت له حادثة مريعة، في الليلة السابقة، فقد سقط من شاهق إلى قعر محطة مياه عادمة عميقة، وأخرج من هناك بمساعدة أمانة العاصمة جثة هامدة، فقد كان يعمل حارسا في تلك المحطة، وللحصول على تلك الورقة من الطب العدلي في نهاية الثمانينيات، كان يجب أن يتم تشريح الجثة، وكان المنظر مؤسيا في تلك المشرحة، فقد كانت الجثث مطروحة على الأرض!! ولم يتم إدخالها إلى داخل الثلاجة بعذر أن الثلاجة عاطلة، ووحده الله يعلم كيف أحوالها في هذه الأيام، التي تعاني فيها البلاد من شحة حقيقية في الكهرباء، فكنت حين تدخل ذلك المكان تتعثر بالجثث على الأرض بلا أية حرمة لميت، وكان عمال المشرحة بوجوه صفراء، شديدة العبوس لا تميزها كثيرا عن وجوه الموتى، وقد صدق ابن خلدون، حين قال أن المهنة تنطبع على قسمات صاحبها، فحتى طبيب التشريح، الذي رأيناه هناك، بقيت لعدة أيام أتخيل شكله الرهيب، وبقايا الدماء على ملابسه، وحتى أنه لم يكلف نفسه ارتداء رداء الأطباء الأبيض النظيف، وربما كان ممرضا وعمال المشرحة لتفخيم دوره ومنافقته، كانوا يدعونه بالطبيب ووحده الله يعلم حقيقة مهنة ذلك الرجل. أما إذا سألتني كيف سمحوا لنا بالدخول إلى تلك المجزرة البشرية؟ فأقول لك أن ميتنا يرحمه الله حمل من مكان وفاته بملابسه التي سقط فيها في مياه المجاري العادمة، وكانت ملابسه مملوءة بالأقذار، وفيما يبدو فقد استنكف العاملان المخصصان في المشرحة حمله إلى الداخل، وهو بتلك الملابس القذرة، فتركوا لنا مهمة حمله إلى داخل المشرحة، وهما يولولان: لن نرحم ميتا بعد اليوم. وكانا قد تلقيا عقوبة بقطع الراتب لمدة يومين بسبب تقصير سابق لهما، مما جعلهما حانقين على جميع الأحياء والموتى، وما إن وضعناه على مصطبة حجرية أرشدونا إليها، والتفتنا إلى الجهة الأخرى، حتى رأينا رجلا عاريا ميتا ( وربي كما خلقتني) مضطجعا على ظهره بكل هدوء، وسكينة الموت تبدو على محياه، وهو يتمدد على مصطبة حجرية أخرى تواجه مدرجا لطلبة كلية الطب، فيما يبدو، وكان المدرج فارغا من الطلاب حين دخلنا، ووحدها الجثة كانت تسود في ذلك المكان، ولم يكن يبدو على الجثة الموت أبدا، فقد بدا رجلا نائما، وعلى وجهه صفرة شمعية لن ينساها من يراها لثلاثة شهور قادمة!! وهمس بأذني أحد الأصدقاء من الذين صحبونا إلى داخل المشرحة، وقال أنه رأى أهل هذا الميت في باب المشرحة يبكون، وينتظرون أن يتم تشريح ميتهم، ليسلموا شهادة الوفاة، ليتمكنوا من دفنه، وقد سمع منهم أنه مات في حادثة سيارة، وقد أصيب بنزيف داخلي فيما يبدو، فلا أثر لجرح على جسده. والأدهى من كل هذا أن الميت كان يبدو لنا وكأنه ينظر إلينا بطرف عينه من جهة مخفية، أو هذا ما كنت أتخيله في حينه، وما إن انتهينا وأوشكنا على أن نخرج حتى سمعنا من ينادينا من الغرفة التي وضعنا ميتنا فيها أن تعالوا!! فهرعنا لتلبية النداء، فطلب منا العاملان، وللسبب ذاته الذي منعهما من حمل ميتنا إلى الداخل، أن نقوم بتعرية ميتنا من ملابسه بأنفسنا!! أحدنا لم يحتمل الموقف فانفجر باكيا وغادر الغرفة هاربا، وكان قبل ذلك يقول لي طوال الطريق، ونحن قادمون مع الجنازة هامسا أنه جاء طلبا للثواب!! وأن ما نفعله مع هذا الميت الغريب سيسجل لنا في سجل أعمالنا، ولم ينتظر النشامى من الحاضرين طويلا، وبعد أن حوقلوا وسموا باسم الرحمن، وكان الأكبر سنا منا هم من بدأ بفتح أزرار قميص الميت، وفتح حزام بنطلونه، وكان بين كل زر وزر يسقط صرصور أسود ميت أو نواة تمر حائلة اللون، ومما تخلفه مياه المجاري العادمة عادة من قذارة، وكان امتحانا عصيبا لإنسانية جميع من حضروا في ذلك المكان!! ما أثار ذكرياتي العراقية، حادثة موت أمريكية وزوجها المغربي قبل أيام قليلة اختناقا بالغاز في المغرب، والشتاء في المغرب يحمل الكثير من الحوادث من هذا النوع، وكانا عريسين في أسبوعهما الأول، وخلافا لعادة مستودعات الجثث فقد حضر القنصل الأمريكي لمتابعة جثة مواطنته الأمريكية!! وكانت فضيحة مستودع الجثث بجلاجل، فقد اتضح أن الثلاجة عاطلة، وأن الجثث مرمية على الأرض بكل إهمال، تقول الصحيفة المغربية، التي نشرت الخبر على صفحتها الأولى، متحدثة عن مستودع الجثث في مستشفى مدينة الخميسات، قبل أيام قليلة، وأن إدارة المستودع حين علمت بنية القنصل الأمريكي القدوم، لمتابعة إجراءات جثة مواطنته، عمدت إلى الإسراع إلى مقاول محلي لإعادة طلاء المستودع بسرعة، ورميت الأغطية الملوثة بالدم والأوساخ، التي كانت تغطى بها الجثث في الظروف العادية ( قبل سماعهم بخبر زيارة القنصل الأمريكي طبعا) واضطروا إلى رميها في المزبلة، قريبا من المستودع لأنها كانت فضيحة، ولعدم وجود سيارة الأزبال لحملها، فقد بقيت مكانا طيبا لملايين من أسراب الذباب والبعوض، والرائحة النتنة!! والأدهى من كل ذلك أن أحد الموهوبين صور بكاميرا الهاتف المحمول فيلم فيديو لعمال الصباغة في المشرحة، وهم يصبغون الجدران وصباغتهم تقطر على وجوه الموتى!! وهم يزاحمون أهل الميتين في حمل جثث موتاهم على الفراغات الموجودة للمرور بأحمالهم، ومع الرائحة التي تزكم الأنوف، التي لم نذكرها في وقائع حادثتنا العراقية، وهي موجودة في الحادثتين كمؤثر بانورامي في الحدثين، وأرسلها ذلك الصحافي الموهوب ( وبلا رحمة ولا حياء من فضح أبناء وطنه المقصرين أمام الرأي العالمي!!) إلى موقع اليوتوب ليشهر بنا كعرب، لا نرحم الميتين، وليشاهد الفيلم رواد هذا الموقع الذي يزوره أكثر من خمسين مليونا كل يوم، فقط هذا المقال لتذكير من ينوي الموت اعتراضا على حكومته أو لإسقاطها في الوطن العربي، سيكون مصيره ميتا اسوأ من مصير هؤلاء الميتين الطيبين، ولن ينال أهله إذنا بالدفن أبدا!! كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية