مسيرتان… ومسار

حجم الخط
0

معن بشور تشهد فلسطين عشية الذكرى الثالثة والستين للنكبة مسيرتين متكاملتين لا يمكن فصلهما عن روح الثورات والانتفاضات والاحتجاجات التي شهدها العديد من أقطار الأمة.

المسيرة الأولى هي مسيرة المصالحة الوطنية الفلسطينية التي انطلقت من القاهرة بعد أن بدأت مصر تستعيد دورها القومي من البوابة الفلسطينية، وبعد أن انطلق شباب فلسطين داخل الوطن المحتل وفي الشتات يدعون إلى إنهاء الانقسام الذي سمم الحياة الوطنية الفلسطينية على مدى أربع سنوات، وكاد أن يجهز على المشروع الوطني الفلسطيني وركيزتيه الوحدة الوطنية والمقاومة بكل مستوياتها، وفي مقدمها المقاومة المسلحة.

أما المسيرة الثانية فـــهي مسيرة العودة التي انطلقت أيضا من شباب فلسطيني وعربي أراد أن يــــتّوج ثورة التغيير العربية بثورة العــودة لشـــعب فلسطين، التي هي جوهر النضال الوطني الفلسطيني منــــذ النكبة، خصوصاً أن العدو وكل حلفائه يسعون إلى شطب هذا الحق في كل المحافل والمنابر.

وإذا كانت سيدة لبنانية كريمة قد تّمنت على المنظمين لو أن شعار المسيرة يصبح ‘الشعب يريد إسقاط الكيان’، فان أمنيتها هذه تكشف أن مسيرة العودة مثلها مثل مسيرة المصالحة تنبع من مصدر واحد، وتصب في مسار واحد، فهما تعّبران في جوهرهما عن مصير واحد لقضية الأمة في فلسطين.

إن جموع الفلسطينيين التي نزلت إلى الشوارع في الضفة الغربية وغزة ومناطق الشتات لتعبّر عن فرحتها بالمصالحة وعن عزمها على استكمال مسيرتها، إنما تعيد مع جموع الفلسطينيين والعرب الذين سيحتشدون ـ بإذن الله – على امتداد حدود فلسطين مع دول الطوق العـــــربي تصحيح بوصــــلة النضــــال العربي، وتشّد الانتــــــباه من جـــديد إلى القضية المركــــزية، وهي قضية الصراع مع العدو، الذي يسعى مع حلــــفائه إلى الانقضـــاض على الثورة الشعبية العربيـــــة والالتفاف عليها وتحويل بعــــضها إلى حروب أهلية أو إلى مداخل لتدخلات أجنبــــية لصرف الأنظار عن المعـــركة الرئيسية في المنطقة.

وإذا كان المشروع النهضوي العربي المستفيد من كل تجارب النهوض والتغيير التي شهدتها الأمة يرفض مقايضة أي هدف من أهدافه بالآخر، فلا يتنازل مثلاً عن الديمقراطية بذريعة الوحدة أو التحرر أو الاستقلال أو العدالة الاجتماعية، فانه أيضا يرفض أن يجري استخدام أي شعار، مهما كان صحيحاً، لتقويض الوحدة المجتمعية لأي قطر من الأقطار أو لصرف الأنظار عن عدو الأمة المحتل والطامع في مواردها وخيراتها والمصمم على تمزيقها.

وبقدر ما علّمتنا تجارب الأمة المتعددة أنه من الصعب حماية أي انجاز تحققه الأمة أو بعض أقطارها من دون مشاركة شعبية وحرية حقيقية وآليات ديمقراطية، فإنها قد علمتنا أيضا أن شعار الديمقراطية المحمول على مشاريع خارجية سرعان ما يتحول إلى غطاء لفوضى وفتنة وتخريب وتدمير وتقسيم… والمثال العراقي صارخ أمامنا.

لقد أعادت مسيرة المصالحة، بتعبيرها عن إرادة الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني وأبناء الأمة، وضع القضية الفلسطينية على الطريق الصحيح، طريق الوحدة والمقاومة والتحرير، خصوصاً بعد أن كشف واقع الانقسام المفروض على الشعب الفلسطيني منذ سنوات حجم المخاطر التي تتهدد فلسطين وقضيتها وشعبها ومقاومتها من جّراء هذا الانقسام.

والمطلوب اليوم من مسيرة العودة المنطلقة من مصر والأردن وسورية ولبنان، التي جاءت تتويجاً لجملة مبادرات عربية وإسلامية وعالمية داخل الأمة وخارجها، وأبرزها من دون شك الملتقى العربي الدولي لحق العودة، الذي انعقد في قصر الأمويين في دمشق قبل أكثر من عامين ونصف العام، بحضور آلاف الشخصيات والمناضلين من كل أرجاء الأمة والعالم، أن تكون مسيرتين في آن معاً: مسيرة العودة إلى فلسطين ومسيرة العودة إلى الأصول والجذور في النضال العربي، فلا يستطيع احد أن يجّرنا حكاما أو مواطنين، موالين أو معارضين، إلى المربعات الخطرة والمشؤومة في تاريخنا، والى الأجندات الخارجية المزروعة في جنبات ممارسات الأنظمة أو تحركات الشعوب، وهي مربعات الخيار المزعوم بين الاستبداد أو الفوضى، وأجندات المفاضلة بين قمع داخلي وقهر استعماري وكلاهما مرفوض بالتأكيد.

إن مسيرة المصالحة، بكل ما تنطوي عليه من أبعاد رمزية تتصل بالواقع الفلسطيني أو التحولات العربية، لاسيّما في مصر، ومسيرة العودة بإصرارها على حشد أبناء الأمة وأحرار العالم باتجاه فلسطين، إنما تطلقان في الأمة هواء نظيفاً في مواجهة سموم تنفثها أفاعي الفتنة، وتعيدان الاعتبار لمعادلة التوحيد والتحرير والتغيير، حيث لا وحدة وطنية أو قومية في ظل احتلال أو استعمار أو تدخل خارجي، ولا تحرير في ظل الانقسام الداخلي، والاستبداد السياسي، والتكفير العقائدي، ولا تغيير طبعاً إذا لم تستند حركته الى قاعدة وحدة الشعوب وحرية الأوطان.

مسيرتان بدأت أولاهما مع عيد العمال في أوائل أيار/ مايو 2011، ثانيتهما ستنطلق في ذكرى النكبة في أواسط أيار/مايو 2011، وكأن في تلازم الموعدين تأكيدا على تلازم القضية الوطنية والقومية مع قضية العدالة الاجتماعية تماماً كتلازم القضيتين مع قضية الحرية والديمقراطية والتنمية الشاملة.’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية