يوم الجمعة كابوس الطغاة

حجم الخط
0

بات الرؤساء الطغاة يكرهون يوم الجمعة، وترتعد فرائصهم لذكره، لأنه يوم نحسهم وشؤمهم، وفيه هلك الطغاة من قبلهم، وفيه تشتد الاحتجاجات، ويرتفع سقف المطالب الشعبية، وتنتفخ المظاهرات – رغم القمع والحصار بل رغم القتل – حتى تملأ الشوارع والساحات والمسامات! يبطش الطاغية طوال أيام الأسبوع بطشته الكبرى ويقتل ويعتقل ويستخدم كل وسائل وأساليب وأدوات الإرعاب والإرهاب، وفي يوم الخميس يعلن عن إصلاحاته الشكلية وتنازلاته اللفظية، لعله يستلب من يوم الجمعة بعض حرارته الإيمانية وروحه الثورية وشيئاً من زخمه الشعبي، ويظل يرتقب بخوف وقلق وحذر، ماذا سيحدث بعد صلاة الجمعة؟ وهل تتدفق الجموع كالعادة تهتف بالحرية، هذه الكلمة التي يكرهها الرئيس ومعه المفتي، كما يكره يوم الجمعة أو أشد! بالمناسبة، فإن يوم الجمعة عند المسلمين ليس يوم عطلة بل يوم جد واجتهاد وعمل كما قال تعالى: ‘فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الارْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ’ [الجمعة/10]، ولا شك أن مقارعة الطغاة من خير الأعمال التي تستوجب الانتشار في الأرض والخروج. ولعله من المناسب ونحن نتناول فضائل الجمعة السياسية التذكير أنه استقر في الذاكرة الجمعية الشعبية أنه يستحب للزوجين في ليلة الجمعة الجماع والاغتسال ولهما عليه الأجر العظيم والمثوبة المغرية التي تحمل الكسلان والنعسان والتعبان والزعلان على ممارسة الجنس، متحدياً كل المثبطات، وبالمناسبة فإن سهرة يوم الخميس عند السوريين لا تخلو من غمز وإشارات وإيحاءات ونكت عفيفة تتعلق بليلة الجمعة، أما الطاغية فما أظنه يستطيع فعل ذلك لا ليلة الجمعة ولا في غيرها، من شدة ما نزل به من الهلع والفزع الذي عطل عنده كل القدرات والطاقات ومنها طاقته العقلية طبعاً، وإلا بماذا تفسر قصف شعبه بالمدافع والدبابات؟ وهناك استثناء وحيد قد يسعفه في هذه الزنقة وهو أن يتحفه عمه القذافي ملك ملوك أفريقيا ببعض حبوب الفياغرا التي يمنحها جنوده ومرتزقته لاغتصاب الليبيات الماجدات! ومن الموافقات التي تدعو للعجب أيضاً أن يوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وفيه الصعقة وفيه النفخة، كما جاء في السنة النبوية، وفي الحديث الصحيح: ‘إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله.. ثم ذكر خصاله، ومنها قال: (وفيه تقوم الساعة ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هو مشفق من يوم الجمعة’. وكذلك يشفق منه الجبابرة الطغاة، لأنه تقوم فيه ساعتهم، ففي يوم الجمعة هرب (بن علي)، وفيه سقط (مبارك)، وهو المصير نفسه الذي ينتظر صالح والقذافي وابن أخيه الأسد! لكن نضال نعيسة وهو كاتب سوري وطني حر من اللاذقية يزعم أنه معارض! استنتج أمراً عجباً، وهو أن خروج جموع المحتجين يوم الجمعة من قلب المساجد يؤكد رواية النظام السوري بأن هوية هذه الحركة الاحتجاجية سلفية أو إخونجية، وكأنه لا يصلي غير السلفية والإخونجية!. نعيسة ذكي فعلاً أو خارق الذكاء، الله يخليه لأمه! أما أدونيس الشاعر السوري، فإنه يصدر عن نفس مريضة هزيلة وينفث ثقافة متخلفة متعصبة، رغم عشرات الجوائز العالمية التي حصدها، لكنه – ويا للأسف – يعيِّر من باريس الجماهير السورية الثائرة بأنها تتجمع في المساجد، وتخرج منها ضد النظام، ولذلك هو لا يشرِّفه – كما يقول – الانتماء والانتساب لهذه الثورة! فرد عليه رجل من أحرار دوما، وما أدراك ما دوما: ‘أين تريدنا أن نتجمع لنرفع صوتنا ضد الظلم والقهر؟ هل نتجمع مثلك في باريس؟ ما تركوا مكانا للاجتماع، غير بيوت الله وها هم يهاجموننا فيها بالرشاشات والمدفعية!’. لا فض فوك أيها الدوماني الحر، وفض (فو) كل من يتنفس في مناخ الطائفية والحزبية والعصبية أيا كان لونها أو شكلها أو وجهتها! على كل حال، الجماهير لا تعبأ بأدونيس واعتراضه السمج، وهي تتابع كفاحها ضد الطاغية، وتطور أداءها بشكل متصاعد، في حجم التظاهرات وسقف المطالبات وسمو الشعارات والرايات وطهر النيات والغايات من النفس الطائفي والحزبي البغيض، وخير دليل على ذلك تسمية ‘الجمعة العظيمة’ التي تجمع وتؤلف بين المسلمين والمسيحيين، فهل يرقى أدونيس لهذا المستوى الذي وصل إليه السوريون؟ أما النظام العبثي القمعي فإنه يحقق مع كل يوم جمعة يمر على سورية فشلاً ذريعاً؛ إعلامياً وأخلاقياً ودبلوماسياً وسياسياً وأهم من ذلك كله أنه يخسر شعبياً بل بات يخسر أصدقاءه والمتعاطفين معه، وأعجب العجب أنه فشل عسكرياً وأمنياً، ولم تستطع المدافع والدبابات أن تسكت صوت الاحتجاجات، وفشلت في حسم معركتها مع الشعب، وأخفقت كل استعداداتها لإفشال ‘يوم الجمعة’، الذي أراده الشعب يوم تحد وإصرار وغضب، وكان كما أراد، وتفجر الغضب في كل مدن سورية وقراها، وما أن قال الإمام: (السلام عليكم)، حتى صاح رجل منهم: حرية.. حرية، وسرعان ما جاوبته الجماهير، ودوت بها الحناجر، وتدفقت الجموع إلى الشوارع والساحات، لتستقبل بصدور عارية الرصاص المسكوب المسيِّل للدماء لا الغاز المسيِّل للدموع! أما يوم الجمعة، فإنه ظل وسيبقى ينتقل من ‘جمعة الكرامة’ إلى ‘جمعة الإصرار’ إلى ‘الجمعة العظيمة’ إلى ‘جمعة الغضب’ إلى ‘جمعة التحدي’ إلى ‘جمعة الثبات’ إلى ‘جمعة الوفاء’، ثم ستأتي أخيراً لا محالة ولا ريب ‘جمعة الرحيل’ وفيها تقوم الساعة؛ ساعة النظام، ويفرح الناس يومئذ بنصر الله والفتح!

محمد علي – دمشق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية