دفاعا عن هالة دياب و’ما ملكت ايمانكم’

حجم الخط
0

تبارى النقاد ورجال الدين على التجريح بالمسلسل وكاتبته:

احلام اكرمهز مسلسل ‘ما ملكت أيمانكم’ عرش الرجل الشرقي بشكل لم يصل إليه مسلسل آخر.. وللأسف لم يستطع المسلسل بحلقاته الثلاثين التي حكت قصصا مختلفة من معاناة المرأة العربية المسلمة من جروحها العميقة المرتبطة بالتأويل الديني المرتبط بالعادات والثقافة.

زادت تخلفا في القرن الواحد والعشرين، في مفاهيم ثقافية دينية جديدة مسلّطة على رقبة المرأة ويبقى تأثيرها السلبي يسيطر على الروح والعقل، بحيث لا تؤدي إلا إلى عجز العقل وشلل المجتمع وإعاقة تطوره.. إضافة إلى فتاوى متخلفة ممن نصّبوا أنفسهم فقهاء دين، لا تنتمي للعصر ولا للإنسانية، مما أبقى صور هذه الانتهاكات مسرحا خصبا لتندر العالم كله عن تخلف المنطقة العربية وقصورها عن احترام المرأة التي هي شجرة الحياة.. وكلها وقفت بالمرصاد لتمنع أو تحد من إيقاظ الضمير الجمعي العربي تجاه المرأة. وتبارى العديد من النقاد ورجال الدين وهواة الكتابه لتجريح المسلسل وكاتبته.. بدون صدق ولا موضوعية. للأسف قليلة هي الأقلام التي تطرقت لتؤكد أن الكاتبه اتبعت في حلقاته ضميرها وخوفها على المنطقة العربية الأم التي تنتمي إليها.. وعكست صورة واضحه عن التخبط القيّمي الذي يعانيه المجتمع العربي في المنطقة كلها والذي يحفل بمتناقضات كثيرة تقف عقبة في طريق تطوره. ما دفعني للكتابة عن هذا المسلسل بعد أن شاهدت المسلسل كله مرة واحدة لأتعرف على أسباب الهجوم الحاد على الكاتبة.. مع القليل من التعليقات الإيجابية التي سمعت عنها من بعض الأصدقاء.. تعليق من شخص وقع باسم (مرهف مينو) الذي نشرته ‘القدس العربي’ في 22 شباط/فبراير والذي يتهم فيه الكاتبة الدكتورة هالة دياب بالسرقة الكاملة لفيلم ‘السكرتيرة’ للمخرج العالمي ستيفن سبيبليرج. أولا أود الاعتراف بأنني أتعاطف مع كل امرأه تتعرض لانتهاك حقها في التعبير والحرية، ولكن تعاطفي لن يصل أبدا إلى ثقافة (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما)، أي لن يمنعني من الموضوعية المرتبطة بالضمير في محاولة إيجاد مواطن المقارنة بين العملين الفنيين، خاصة أن العديد من الفنانين يستلهمون وأحيانا يقتبسون من فكرة أو صورة أو حتى كلمة لتقوية العمل الفني.. وهي أمور معروفة ومسموح بها في العمال الفنية، ولا تعتبر سرقة فنية، خاصة أن السيد مرهف مينو يعترف ‘بأن الأرض أصبحت قرية صغيرة وأننا نتاج ثقافة شمولية لا تقف أمامها ترجمة أو اختلاف لغة ‘، ولكن العائق الأكبر الذي يقف في طريق الاقتباس هو اختلاف الثقافة المجتمعية، وهو ما عالجته الدكتورة هالة دياب ببراعة في مسلسلها.. بدون نقل على الإطلاق حتى بعد أن استوحت الفكرة من الفيلم الغربي. يدّعي كاتب النقد بأن حلقات المسلسل كلها منقولة عن الفيلم، مما دعاني إلى البحث عن فيلم ‘السكرتيرة’ لأجد مواطن اللصق التي يتهم بها الكاتبة. وجدت أن فيلم ‘السكرتيرة’ يركز على شخصية واحدة.. بينما المسلسل اعتمد على عدة شخصيات تعيش في بيئات عربية مختلفة في ما بينها، بينما تعيش السكرتيرة والاف من النساء الغربيات في بيئات متقاربة جدا، حيث الحرية هي العامل المشترك والأهم في البيئات الغربية، التي تتفاوت كليا في بيئة شخصيات الفتيات التي وردت في المسلسل. نقطة التشابه الوحيدة التي وجدتها بين الفيلم والمسلسل والتي من الممكن النظر إليها على انها إما اقتباس أو توارد خواطر محتملة.. هي قصة استعمال المشرط لإيذاء النفس ما بين السكرتيرة في الفيلم وليلى في المسلسل.. ولكن شتّان ما بين القصتين فبينما في السكرتيرة.. قصة فتاة غربية تتمتع بكامل حرياتها ولكنها تستعذب إيذاء جسدها لتخفي خجلها الشديد من الاعتراف بحاجتها للجنس بطريقة سادية عنفية.. حيث لا تتمتع بممارسة الجنس المسموح مع صديقها بينما تستعذبه من رئيسها الذي يعاملها بسادية. بينما وفي شخصية ليلى الفتاة العربية المسلمة تستعمل المشرط أيضا لأسباب تختلف كليا عن السكرتيرة.. فهي تعاني كبت الأحاسيس في بيئة أثّمتها لأنها تحمل جسد أنثى.. وتعمل على كبت رغباتها الجنسية والخوف منها في مجتمع أثّم جسدها وجعل منه عورة.. وحملت هذا الجسد في احتشام وإحراج وتعذيب كلما شعرت بالرغبة خوفا من ارتباطه بالجنس المحرم عليها.. خوفها هذا الذي جعلها ترضخ لتطبيق حد شرعي بالجلد لإثم لم ترتكبه.. من أخ يتلحف بالدين بينما يغرق في الإثم الأخلاقي في تهربه من المسؤولية تجاه من زنى معهما.. والذي أعتقد أنه الأشد إجراما بحق كل امرأة، وهو صورة موجوده في مجتمعاتنا العربية لبعض من الرجال!

حقيقة أن كلاهما اتسعملت المشرط لتؤذي نفسها وهو اقتباس فني معترف به.. لا يصل إلى مستوى التجريم أو السرقة التي يتهم بها مرهف الحس مينو الكاتبة.. فأغاني فريد الأطرش وفيروز وغيرهما من الفنانين مليئة بمثل هذا الاقتباس الفني.. ولكنه لا يجرّم صاحبه ويحرمه من اعتراف المجتمع بمجهوده الفني. ويستمر في نقده حين يقول بأن شخصية هذه السكرتيرة انعكاس كامل لشخصية ليلى ابنة الحاج صالح وأخت توفيق الذي يمارس عليها سلطاته الدينية.. يصعقني هذا التشبية بين الشخصيتين، الذي لا رابط فيه على الإطلاق بين السكرتيرة، المرأه الأمريكية المتحررة التي تمتلك منتهى حرية التصرف بنفسدها وجسدها وخروجها وإيابها.. بينما ليلى ابنة الحاج الطيب صالح الذي رغم طيبته وإيمانه العميق تركها ترضخ لرغبات اخيها توفيق، عملا بأن الرجال قوّامون على النساء.. في حرمانها من الخروج من البيت إلا للدراسة ومن زيارة صديقاتها وحتى من أي شكل من أشكال الحرية العادية.. وهي صورة معروفة ومقبولة من شريحة كبيرة في المجتمع العربي كله، حيث تخضع الأنثى لسيطرة وتحكم أي رجل من العائله بغض النظر عن صلة القرابة.. من حقنا جميعا الغيرة والخوف على مجتمعاتنا.. ولكن هذه الغيرة يجب ألا تعمينا عن رؤية الواقع الحقيقي ومواطن الضعف في مجتمعاتنا وألا تعمينا عن رؤية أو تحليل المرض الخبيث للمبادرة الفورية في قطعه.. ولكن بدون التجريح أو التلفيق بتهم لا وجود لها للتقليل من صدقية الكاتب وحرمانه من الاعتراف بجمالية عمله.. الكاتبة المبدعة هالة دياب في عملها الفني ‘ما ملكت أيمانكم’ .. بينت في أسلوب مميز الهدف المفروض والمطلوب من الإعلام بشتى وسائله. وعكست المرآة على مجتمع يقف على حافة الانهيار من الداخل.. ولكنه يركن إلى وضعه خوفا من التغيير ومن المجهول. لقد دقت الكاتبة جرس الإنذار للمنطقة العربية ودعتها إلى التغيير الإصلاحي المجتمعي المطلوب، مبينة مواطن الخبث في هذه المجتمعات، من خلال عرض النماذج البشرية المجتمعية الشاذة في مجتمعات بسيطة وطيبة وتسعى للعيش بسلام مع العالم وبكرامة في أوطانها. ودعت إلى أن المرأة هي مفتاح التطور المطلوب للإصلاح وللتنمية الإنسانية المفقودة في المنطقة العربية، والتي تحمل الانتفاضات العربية التي نشهدها بذور هذه التنمية والإصلاح. فهل من الأخلاق أن ننكرها حقها؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية