مصير أموال مكتبة الإسكندرية: اسماعيل سراج الدين .. هل يقول الحقيقة ؟!

حجم الخط
0

محمود قرني

لا يكاد المرء يفهم شيئا من ذلك الإسراف الإعلامي الذي يمارسه مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور اسماعيل سراج الدين، في تأكيده المتصل على انعدام صلته أو معرفته بالحسابات المملوكة للمكتبة في ذمة الرئيس المخلوع حسني مبارك وزوجته السيدة سوزان ثابت، تلك الحسابات التي تمثل الآن واحدة من أبرز الاتهامات الموجهة للرئيس وزوجته. وهي وإن لم تكن تعبيرا دقيقا عن الحجم المفزع للأموال المصرية المنهوبة، إلا أنها تعد أقصى التعبيرات فجاجة على هذا السطو الفاضح وغير الأخلاقي على مقدرات البلاد. وقد تابعت، بحكم عملي، عشرات البيانات التي صدرت عن المكتبة، وكذلك عشرات من تصريحات مديرها، بعد الاستماع إلى أقواله أمام النائب العام حول الواقعة، وتأكيده على جهله بموضوع ومكان تلك الأموال وأشخاص حائزيها. ثم أصدرت المكتبة قبل أيام بيانا مطولا منسوبا لمجلس أمنائها يجدد الثقة في سراج الدين، وهو إجراء غير مسبوق في تاريخها. فالمجلس طبقا لقرار إنشائه لا يجتمع سوى مرة واحدة سنويا، وهو الأمر الذي يعني أن انعقاده في غير دور الانعقاد يشير إلى أن حادثا جللا قد وقع، ومن ثم كان يجب أن يحاط الرأي العام، الثقافي على الأقل، بتفاصيل مثل هذا الاجتماع بدلا من هذا التغييب المتعمد للحقائق، بنشر وقائع مبتسرة لا تستهدف إلا المزيد من تعمية وتجهيل عامة الناس وخاصتهم على السواء. فالبيان الذي صدر عن المكتبة، بشأن اجتماع المجلس، لم يوضح عدد أو أسماء الحضور ومن قام منهم بتجديد هذه الثقة ومن تحفظ عليها، كما لم يكشف البيان عن صاحب الحق في دعوة مجلس الأمناء وهو، طبقا للقانون، شخص رئيس الجمهورية باعتباره رئيس مجلس الرعاة حيث تنص المادة الرابعة من القرار رقم 76 لسنة 2001 بتنظيم وإدارة شؤون المكتبة على أن ‘… يجتمع مجلس الأمناء مرة كل سنة، وله أن يعقد اجتماعات استثنائية بدعوة من رئيسه، أو بناءً على طلب من نصف الأعضاء على الأقل. ويكون اجتماع مجلس الأمناء صحيحًا إذا حضره أغلبية الأعضاء، وتصدر القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين، وعند التساوي يرجَّح الجانب الذي منه الرئيس..’. في الوقت نفسه لم يوضح بيان المكتبة شيئا عن طبيعة اجتماع مجلس الأمناء ولا مدى اكتمال نصابه القانوني حيث أن التصويت يكون بترجيح الأغلبية ولا يكتمل نصابه إلا بتوافرها حال غيبة الدعوة من الرئيس بغيابه عن رئاسة الدولة، فهل حضر العدد المقرر من أعضاء المجلس، وهم ينتمون، حد علمي، إلى عدد من مختلف الثقافات والأقطار: الأمريكية، الهندية، الباكستانية، الأفريقية، الأوروبية، والعربية بالإضافة إلى المصرية بطبيعة الحال. هذه الأسئلة وغيرها، لا تقصد، لا سمح الله، التشكيك في ذمة الدكتور اسماعيل سراج الدين، فالمتواتر عن سيرته يشير إلى أنه رجل نظيف اليد. لكن هذه الأسئلة وغيرها مصدرها ما يقر في يقيني ويقين غيري، بأن سراج الدين يعلم علما نافيا لأية جهالة بحقيقة الأموال التي استولى عليها الرئيس المخلوع وقرينته، ويبدو نفيه الملحاح لهذا العلم مثيرا للشكوك، ويتعاظم الأمر كلما أصر على إنكاره هذا العلم. ويقيني أن هذا قائم على شاهدين اثنين.

الأول: أن الرئيس المخلوع وقف بنفسه أمام كافة وكالات الأنباء العربية والعالمية عام 1991 في المؤتمر الصحافي الذي عقده في مدينة أسوان للإعلان عن وضع حجر الأساس للمكتبة ليقول إن أموال التبرعات ستذهب إلى حسابه الشخصي، مبررا ذلك بخوفه على هذه التبرعات من التبديد والسرقة، ومن ثم فهو علم توفر للكافة وسراج الدين في مقدمتهم، وكونه يحاول إنكار هذا العلم الذي توفر لخاصة الناس وعامتهم يبدو أمرا مثيرا للريبة والدهشة كما أسلفنا.

ثاني هذه الشواهد: تلك الرواية التي سمعتها من رائد علم المكتبات الدكتور شعبان خليفة قبل حوالي تسع سنوات، وترددتُ كثيرا في روايتها على لسانه، غير أن قيام الرجل، على استحياء، بإعلان جانب منها في جريدة ‘الأخبار’ ثم الوفد أعفاني من هذا الحرج.

ففي العام 2002 التقيت الأكاديمي المرموق لإجراء حوار لجريدة ‘القدس العربي’ وأظنه كان لم يزل عضوا في مجلس أمناء المكتبة، وبعد انتهاء الحوار أخذنا الحديث عن تأخير افتتاح مكتبة الإسكندرية لزمن وصل إلى خمس سنوات، فأجابني الرجل بحسرة عالم أعزل: السبب هو مبارك. كيف ذلك؟. في مطلع العام 1991، ‘يحكي خليفة قصة المؤتمر الصحافي الذي أشرت إليه في الشاهد الأول’، ثم يضيف: في نفس يوم مؤتمر أسوان وصل حجم تبرعات الحكومات العربية والأجنبية إلي حوالي مئة وخمسين مليون دولار، وضعها مبارك في حسابه الخاص، وعندما بدأت الأعمال الإنشائية بالمكتبة، رفض مبارك دفع أية أموال، وكان يحيل الأمر إلى وزارة البحث العلمي للصرف على هذه الإنشاءات. وكان من نتيجة ذلك أن كانت الوزارة تدفع معظم ميزانيتها في بداية العام ويتوقف نشاطها على مدار العام بسبب نفاد التمويل، وقد استمر هذا الوضع حتى العام 1995، ولم يكن أحد يجرؤ على مطالبة مبارك بسداد مستحقات الإنشاءات من حسابه الذي هو حساب المكتبة، وكانت النتيجة الحتمية هي توقف الأعمال الإنشائية للمكتبة لمدة ربما وصلت إلى خمس سنوات، حيث كان قد تقرر افتتاحها في 1995، أما الواقع فيقول إن افتتاحها لم يتم سوى في العام 2001، بعد أن عجزت ميزانية وزارة البحث العلمي عن الاستمرار في سداد نفقات الإنشاء، وهنا ينتهي شاهدي من حديث الدكتور شعبان خليفة.

عقب الافتتاح كان على مبارك أن يقوم بإيداع هذه التبرعات في حسابات المكتبة طبقا لنص المادة السادسة’من القرار الجمهوري رقم 1 لسنة 2001 الصادر بإنشائها والتي تنص في فقرتها الثانية على أن ‘… يكون للمكتبة حسابٌ خاصّ ٌ في البنك المركزي المصري أو في أحد البنوك التجارية بموافقة وزير المالية تودع فيه حصيلة مواردها، ويرحل فائض هذا الحساب من سنة مالية إلى أخرى’. غير أنه بدلا من أن يفعل ذلك قام بوضع المكتبة، بقضها وقضيضها، تحت الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية باعتقاد أن ذلك يمنحه الحق في الاحتفاظ بتلك الأموال. من هنا، كان على سراج الدين، بدلا من هذه البيانات التي تكتظ بالرطانة، أن يطالب رئيس الجمهورية بنقل هذه التبرعات من حسابه الشخصي إلى حسابات المكتبة، وكان عليه أن يقدم لجهات التحقيق ما يفيد بقيامه بهذه المطالبات، وإلا فإنه، طبقا لأحكام قانون العقوبات، شريك في تسهيل الاستيلاء على المال العام، قصد ذلك أم لم يقصد. فالحقيقة أننا لم نكن في حاجة إلى كل هذه البيانات ولا تلك الاجتماعات التي تنعقد وتنفض لتجديد الثقة بالحق حينا وبالباطل أحيانا. وأدنى درجات الشفافية كانت تقتضي اعترافا بالحقيقة، كما كانت تقتضي كذلك الاعتراف بأن اللحظة التي كان يجتمع فيها مجلس الأمناء لتجديد الثقة في سراج الدين، كان العاملون في المكتبة يتظاهرون، بشكل صاخب، للمطالبة برحيله. شاعر من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية