الاحتفاء بالموت على الطريقة الأمريكية

حجم الخط
0

لكل الأمم على مدار التاريخ طقوس للاحتفاء بالموت، وهذه الطقوس على تنوعها تعامل الميت أيا كانت صفته وأيا كان موقفه وسلوكه أثناء حياته معاملة تتلاءم مع إنسانيته، وهذه المعاملة تنم عن أخلاقيات الشعوب والأنظمة على مدار التاريخ، فالميت بعد موته أو الاقتصاص منه بسلبه أعز ما يملك، تصبح جثته ملكا لولي أمره وورثته يتصرفون بها بالطريقة التي تناسبهم وتنسجم مع معتقدهم، والحالات الشاذة في التاريخ البشري خارج هذه المعادلة، مارسها الجلادون والحاقدون الفاقدون للمرجعيات الخلقية والدينية والحضارية، وهي على العموم كثيرة في التاريخ وليست حكرا على السيد اوباما.

احتفى الشعب الأمريكي بالموت بشماتة تتناسب مع وجعه ومع حجم الحشد الإعلامي الذي شحن به على مدار سنوات إزاء تنظيم القاعدة الذي صنعته أمريكا نفسها، وبررنا له شماتته وفرحه بعدو مفترض، فهتف وابتهج وربما رقص وغنى، وذلك وفق مرجعياته وأخلاقه، ولكننا نحن العرب عموما عرفا ودينا ننطلق من قاعدة خلقية ثابتة مفادها أن لا شماتة في الموت تحديدا حتى موت الأعداء، لأن الموت قدر كل إنسان، فما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولكن الذي استوقف المسلمين وأنصاف المسلمين بل وأرباعهم الاحتفاء الرسمي الأمريكي بالموت، فبعد أن اقتصت أمريكا من خصمها برصاصة بالرأس أيا كانت ملابسات تلك اللحظة، يظل الأمر سائغا حتى مفارقة الروح للبدن، لكن ما حدث بعد ذلك أمر ليس له مسوغ أخلاقي، حيث نصب اوباما من نفسه وريثا وولي أمر وتصرف بجثة رجل تطهر بالقصاص بطريقة لم تحدث في التاريخ فهي صناعة أمريكية مسجلة، الدفن في البحر، تحت ذرائع مختلفة دون الرجوع إلى الورثة وولي الأمر الذي له الحق الشرعي والخلقي في كل طقوس ما بعد الموت، لذلك فهل ضاقت الأرض بما رحبت على السيد اوباما ولم يجد متسعا لجثة ميت حتى يدفنها فيه، وهل قدم خيارات للورثة وأعلن على الملأ ليجد مترين مربعين لميت أيا كانت صفته في حياته ليرقد جثمانه فيها؟ لم يستفت أحد في هذا الأمر وحتى لو رفض العالم كله تكريم جثة ميت على أرضه هل عجز السيد اوباما عن إيجاد طريقة محترمة ومكان ملائم لهذه الغاية؟ كان بإمكان الرئيس الامريكي أوباما أن يدفن الميت حيث يدفن الأحياء في غوانتنامو أو في مقبرة الأرقام الإسرائيلية ويبقي ذلك سرا ريثما تتهيأ الظروف لنقل الجثة، إذ ليس هناك تفسير واحد يبرر هذا السلوك إلا الخوف من عودة الميت للحياة. وهذا خوف مبرر لا يؤرق غير الجبان الموتور الذي يخشى أي امتداد معنوي للميت في الحياة، وهذا سيحدث في كل الأحوال، وعلى العموم مبارك عليك فقد جئت بأمر مبتكر لم يسبقك إليه الأوائل وستكون طريقتك في التعامل مع الموت ماركة مسجلة باسمك شخصيا وستكون في هذا الأمر قدوة للكثيرين، وليس لك أن تعترض على أي سلوك مشابه بعد اليوم لا بصفتك الرسمية ولا بصفتك الإنسانية، لقد دخلت التاريخ من باب خاص لم يدخله أحد قبلك ولا ندري من يدخل من الباب نفسه بعد اليوم لقد احتفيت بالموت على طريقتك وتجاوزت كل المشاعر والأصول مستهينا بمشاعر ملايين البشر ولو استفتيت شعبك بطقوس ما بعد موت خصمك لما أقرك عليها ثقة منا بأن الشعب الأمريكي أيا كانت مشاعره لا يوافق على هذا الاستخفاف السافر بالمشاعر الإنسانية. لقد اختلفنا مع بن لادن في حياته جميعا لا بأس، ولكن الأخلاق تقتضي سلوكا آخر بعد موته لذلك معذرة يا سيد البيت الأبيض ـ فإن كل إناء بما فيه ينضح. ومبارك عليك الحصاد الانتخابي، ولكنك رسبت أخلاقيا، وستعترف بذلك يوما عندما ينتهي ربيعك المزيف.

وإلى السيد زرداري نقول: نعذرك على هذا التيه وهذا الإرباك الذي أنت فيه وأقول لك ما قال الشاعر: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم وفي كل الأحوال كان الله في عونك.

د. أحمد عرفات الضاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية