أحمد يهوى الثورة الليبية الشعبية انتهت، واشتعل منذ قرابة الشهر جنون الليبيين الذين تركوا الكلمة الفضلى في الثورتين التونسية والمصرية، وأقصد كلمة (سلمية)، وارتكنوا للسلاح، ولا بد أن لهم رأيهم ووجهة نظرهم التي تقنعهم قناعة دافعة نحو الانتحار الثوري المتمثل بالاستعانة بأصدقاء اليوم.. أعداء الأمس والغد أيضاً.
ولكن هذا الانتحار له أسبابه أيضاً التي لم تكن يد القذافي، شبه المخلوع، نظيفة منه أبداً، وهو الذي دفع الشعب الليبي المضــــغوط حد الاحتباس، إلى رد النار الكثيفة التي أصبحت على لعنتها هيّنة مقارنة بما يقوم به النظام السوري، الذي يدعي تفتحاً أكثر رشاقة على العالم الحر، من النظام الليبي المأفون والمغلق بحسب هوى العقيد المختل.
وحيث أن معمر يفهم ليبيا أنها هو، وان لا شيء يدعى ليبيا قبل معمر، ولا شيء بعده، فقد قام بعملية الانتحار، انتحاره هو أيضاً، حين فتح مخازن الأسلحة المملوكة للدولة أمام شعبه الذي يعرف كم يكرهه، هذا الشعب المُجهّل كما لم يتم تجهيل أحد، المفقر وهو غني، وأتبع سببا لهذه المشاعة الحربية، أن ضاعف سخط النار التي يوجهها ضد أبناء شعبه.
ان لحظة التسلّح الجماهيري تلك، حولت بالطبع الثورة إلى حرب، والانتفاضة الشعبية إلى مواجهة مسلحة بين جهتين تعتقدان كامل الاعتقاد أنهما تناضلان، الأولى تظن أنها تناضل لأجل ليبيا، التي استعان الثوار المتآمرون ضدها بالناتو والخواجات، والأخرى تظن أنها تناضل ضد الديكتاتورية والظلم المتمثل بالعقيد، الذي أفصح هو بلسانه أن إسرائيل وأمريكا بدونه في خطر محدق.
ولأنني أخاف من الدخول في كهوف المؤامرة، ولأنني مجايل لما عاناه العراق والعراقيون فأنا والشعب العربي نخجل كل الخجل من هذا الانعطاف في مسار الثورة الليبية، التي أصبح من الواضح أنها خطفت بواسطة عملاء محليين لجهات خارجية، وأن أبناء ليبيا الذين يتطوعون الآن ليكونوا ثواراً يعملون لتعزيز نظام أكثر تجبراً وجرماً من النظام السابق، تماماً كما في النسخة العراقية الحديثة.
صحيح أن القذافي أجرم بحق شعبه، إذ نقله هذه النقلة التي لا يقوم بها زعيم وطني، ولا حتى عميل محلي، ولكن بعض الثوار من وجوه إعلامية، وأسماء تم تسويقها من خزائن التقارير الاستخبارية الغربية، سرقوا ثورة 17 فبراير ووضعوها وليبيا في جيب الغول الذي لا يشبع.. ولذا فأنا أدعو الشعب العربي الليبي الأبي، الذي قال الكلمة الأولى ضد معمر الطاغي، أن يتخلص من النظامين.. الحالي أو الذي سيأتي بواسطة السلاح السري الذي اكتشف نجاعته التوانسة، ثم استمرأه بعدهم المصريون واليمنيون والسوريون والعراقيون والبحرينيون، سلاح العمل السلمي الذي رفع قبعة العالم كله لنا.. قبعته، وليس فواتيره المستحقة، ولا شركاته الجائعة للنفط والثروات.’ كاتب أردني