عودة الأولوية إلى العمليات السرّية القذرة

حجم الخط
0

نصر شمالي

حسمت الانتفاضتان الثوريتان الشعبيتان في تونس ومصر مسألة ثقة الأمة العربية بنفسها، وبجدارتها، وبقدرتها على استرداد ذاتها، حتى أنّ أعداءها، الذين فوجئوا وذهلوا للوهلة الأولى أمام سويّة الأداء الإنساني الرفيع للشعبين الثائرين، أقرّوا للعرب بالتميّز الإيجابي الرائع في الخطاب والأداء، وقد رأى الكثيرون أنّ ما أنجز في تونس ومصر سوف يتوالى متتابعاً ومتزامناً بلا انقطاع في بقية الأقطار العربية. غير أنّ توالي الثورات العربية، الذي كان متوقعاً من قبل الكثيرين على المنوال السلس الواضح ذاته، سرعان ما أصابه قدر كبير من الارتباك والتعثّر والغموض، في القطر الليبي ثم في غيره، فكانت هيمنة الضجيج الأجوف والصخب الأحمق والعنف الأعمى على المشهد العربي العام، وكان هذا التشويش والخلط بين الفرعي والأساسي، وبين الثانوي والرئيسي، وبين المرحلي العابر والتاريخي الثابت. لقد نسي الكثيرون، على سبيل المثال، إعلان القذافي مبكّراً (قبل أن تنطلق الأحداث في بلده) عن انحيازه بالكامل إلى الرئيس التونسي الهارب والرئيس المصري المخلوع، وعن قناعته ورغبته ببقاء كلّ منهما في الحكم مدى الحياة كشخص وإلى الأبد كأسرة أو سلالة، موبّخاً ومقرّعاً وشاتماً شعبيهما اللذين ثارا ضدّهما. إنّ الكثيرين لم يأخذوا بعين الاعتبار أنّ ذلك لم يكن إلاّ إعلاناً مبكّراً صريحاً، بل وقحاً، عن انطلاقة الثورة السلطوية المضادة التي التقطت أنفاسها بصعوبة، والتي سرعان ما سيجد الأعداء الأطلسيون ضالتهم فيها بحكم نوعية ووحدة تركيبتها التي تخدمهم، وبحكم طبيعة وتشابك مصالحها التي تتقاطع مع مصالحهم!

إنّ ما ينبغي عدم نسيانه أبداً هو أنّ الأطلسيين، وأولهم حكام الولايات المتحدة، يتعاملون مع البلاد العربية جميعها على أنها مناطق نفوذ دائم لهم، بل هي من ممتلكاتهم، بما فيها تلك التي يختلفون مع حكوماتها إلى هذا الحدّ أو ذاك وحول هذه القضية التفصيلية أو تلك. إنهم يعشّشون في نسيج هذه البلاد منذ أكثر من قرن أو قرنين، وهم يتحكّمون إلى حدّ كبير بسياساتها الرئيسية منذ النصف الثاني من عقد السبعينيات الماضي، استناداً إلى اتفاق البترودولار، فهم في موقع الدفاع عنها ضدّ شعوبها وليس في موقع الهجوم عليها كما يتوهّم البعض، فإن هاجموها فذلك في معرض الدفاع عن تجذّرهم فيها! ولقد حدث أنهم تطلعوا، في حقبة صعود المحافظين الأمريكيين الصهاينة، إلى السيطرة والهيمنة أكثر على البلاد العربية، بمزيد من إضعافها وتجزئتها، وبمزيد من التحكم المباشر بإداراتها، كما هو حال الأقاليم اليوغسلافية وتيمور الإندونيسية، فكان احتلال العراق هو بداية هذا الاتجاه الذي فشل فشلاً ذريعاً في محطته الأولى.

في أواخر العام 2003، قبل أن يمرّ عام واحد على احتلال العراق، أقرّت حكومة واشنطن سياسة التحوّل إلى ‘العمليات السرية’ في حربها ضدّ المقاومة العراقية، وذلك بعد أن تشوّه وجه قواتها النظامية الجبارة بالجروح وتلطّخ بالوحل، وبعدما صار واضحاً أنّ فشلها أصبح مؤكّداً، وأنّ وضعها في العراق، بمجمله، صار بحاجة إلى عملية إنقاذ مستعجلة، فكان أن انطلقت العمليات القذرة الفظيعة، التي تبرّر كلّ وسيلة لتدمير المقاومة وتمكين الاحتلال، فلا مانع من إحراق بلدة بأكملها، بمن فيها وما فيها، من أجل اصطياد مقاوم واحد، أو من أجل أن لا تكون البلدة ‘ملاذاً للإرهابيين’ حسب التعبير الأمريكي، كذلك لا مانع من هتك الأعراض، والتعذيب الرهيب لجموع لأبرياء وقتلهم، وإلقاء جثثهم في الشوارع والأنهار لإرهاب الناس عموماً، ولا مانع من تفجير الأسواق ودور العبادة.. الخ. لقد استخدم ذلك كلّه، وما هو أفظع منه، بهدف تحويل الأنظار والجهود عن القضايا الأساسية، وأولها المحتلّ والاحتلال.

لقد عوّلوا في واشنطن على العمليات السرية القذرة لإعادة الاعتبار إلى قواتهم النظامية، غير أنّ تحقيق ذلك بدا صعب المنال، وقد جاءت نتائج العمليات العسكرية الإسرائيلية/الأطلسية ضدّ لبنان، في صيف العام 2006، كأنّما في معرض إعادة الاعتبار للجيش الأمريكي في العراق، وأيضاً للجيش الإسرائيلي المتقهقر بدوره أمام المقاومة اللبنانية منذ العام 2000، غير أنّ ذلك لم يتحقّق كما هو معروف، بل تحقّق العكس، وحدث الأمر نفسه في العمليات الإسرائيلية/الأطلسية ضدّ قطاع غزّة، فترتّبت على ذلك الذي حدث في العراق ولبنان وفلسطين حالة من الوعي الشعبي العربي العميق، والإجماع الشعبي العربي النادر، وهو ما مهّد موضوعياً ومنطقياً للانتفاضات الثورية العربية الحالية، فهل كانت الإدارات الأطلسية غافلة عن ذلك؟ أبداً! فهي توقعت ‘انتفاضات’ عامة، من نوع ما، لن تستطيع الحيلولة دون وقوعها، ولذلك راحت تتحدّث عن ‘حالة الفوضى الخلاقة’ الكامنة، مؤمّلة أنها سوف تنجح في اختراقها والسيطرة عليها واستثمارها!

هكذا رأينا واشنطن (الجمهورية/الديمقراطية) تحسم أمرها في العام 2007، وتعود إلى اعتماد العمليات السرية القذرة، والاستخبارات والعملاء، كخيار استراتيجي رئيسي، وإلى الاعتماد على القوات المحلية العسكرية وشبه العسكرية، والسياسية وشبه السياسية، كخطوط قتالية أمامية من جهة وكدريئة وقائية من جهة أخرى. وقد ظهر هذا التوجه علناً، واستقرّ بداية، خلال الربع الأخير من عهد بوش ومحافظيه الصهاينة، بعد إعداد تقرير هاملتون/بيكر (الجمهوري/الديمقراطي) ثمّ تصاعد هذا الاتجاه واتسع نطاق العمل على أساسه في عهد الرئيس باراك أوباما، ليبلغ أوجه في يومنا هذا. وجدير بالذكر أنّ أول مبلغ مالي رصد لصالح العمليات السرية كان ضدّ إيران، في أواخر عهد الرئيس جورج بوش الذي وقّعه شخصياً وأذاعه رسمياً.

هل يعقل أن ينجح الضجيج الأجوف والصخب الأحمق والعنف الأعمى في تشويه وإخفاء الحقائق والوقائع التاريخية المصيرية الثابتة؟ هل يعقل أن يغيب عن بالنا ذاك المشروع الإمبراطوري العظيم، مشروع أمركة وصهينة البلاد العربية والإسلامية والعالم على مدى القرن الواحد والعشرين، وانهياره المدوّي في العراق ولبنان وفلسطين، وأن تغيب عن بالنا الصلة الحميمة لانهياره بحالة الاستيقاظ والنهوض التي تعيشها الأمة العربية اليوم؟ وهل يعقل أن تغيب عن أذهاننا حقيقة مواجهة إيران للأطلسيين والإسرائيليين، وملئها على مدى عقود للفراغ الذي أحدثه غياب مصر، مهما كانت ملاحظاتنا سلبية على بعض سياسات الحكومة الإيرانية؟ هل يعقل أن نعادي الذين تصدّوا للمشروع الاستعماري الإبادي، مهما كانت أخطاؤهم ونواقصهم، وأن نسالم ونجاري من وضعوا ثقلهم بكامله في خدمة مشروع إبادة الأمة العربية والإسلامية؟ ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية