ناصر العبدلي لم يتوقف العقل البشري يوما عن مراجعة نتاجه من أنظمة الحكم والأفكار التي استندت عليها عند قيامها ولم تكن تلك الخطوة سوى رغبة في الوصول إلى الوضع المثالي المفترض بلوغه عندما بدأت تلك الخطوة بطرح الأسئلة الكبرى عن ‘ماهية’ الطبيعة وتأثيراتها على السلوك البشري في كل مرحلة من مراحل التطور وإنتهاء بفكرة إنتصار الليبرالية الغربية على ماعداها في صراع الأنظمة والأفكار.
في كل برهة ثمة فكرة تطرح في هذا العالم المترامي تحمل في جوهرها إعتراض عما سبقها من أفكار في الفضاء السياسي وتثير بدورها الكثير من الجدل حتى يأتي من ينقضها ويبني على أنقاضها أفكار جديدة لتتعرض بدورها للنقد والتشكيك في إشتباك لا متناه إن على صعيد الوقت أو على صعيد المادة مادامت الأفكار تتجسد بدورها في آليات محسوسة.
كل ما نراه في إطار التطور والتراكم التاريخي ليس نتاج طفرة واحدة إنما هو تراكم لم يتوقف منذ بداية التاريخ وما يزال مستمرا وفي هذا الإطار يندرج الحراك السياسي في الكويت وتداعياته رغم شح الأفكار على الصعيد المحلي ورغم عجز النخبة المثقفة في الإنخراط في هموم ذلك الحراك ومحاولة ترشيده والإستفادة من الزخم الموازي له في تحريك الجمود السائد على الساحة. منذ نشوء الكويت ككيان في المرحلة الأولى على فرضية ‘حالة الطبيعة’ في التجمعات البشرية وهي إنعكاس لطبيعة تلك النشأة فهي نتاج هجرات بشرية من منطقة ‘معزولة’ في وسط الجزيرة العربية تحت ضغوط فكرية تارة وضغوط إجتماعية تارة أخرى أدت بها في نهاية المطاف إلى الإستقرار في الجزء الشمالي من الخليج العربي رغبة في الإبتعاد قدر الإمكان عن ‘منغصات’ الإستقرار الذي يحتاجه كثيرا العمل التجاري ورغبة في القرب من خطوط النقل القائمة على منفذ وحيد في ذلك الوقت هو الميناء البحري، وقد تحقق ذلك في الموقع الجديد وسارت الأمور بشكل يتوافق مع تطلعات المهاجرين الجدد.
لم يكن ينشغل أهل ذلك الكيان الجديد بفكرة السلطة وأهمية وجود عقد إجتماعي ينظم الحراك بين مكوناته فالمكونات متشابهة إلى حد كبير وتستند في مجملها على العلاقات الإجتماعية أكثر من غيرها ولم يكن هناك حاجة لتفسير طبيعة العلاقة التي تربط بين أهل ذلك الكيان وأسباب إنخراطهم في إطار تجمع بشري، وفيما إذا كان ذلك ضمن ‘تناقض’ مقولتي أن ‘الإنسان إجتماعي بطبعه’ أو ‘الإنسان ذئب للإنسان’، أو غيرها من الأفكار بل كان الهم الرئيسي الإستفادة من الموقع والإنفتاح الإقتصادي الذي يمكن أن يجلبه على أهل الكيان الجديد، والفكرة بسيطة غير معقدة قائمة على البقاء في منطقة مليئة بالتحديات، لكن الأمور تغيرت فيما بعد نتيجة لسقوط الدولة العثمانية من جهة وإكتشاف النفط من جهة أخرى، والتدخل الدولي لإقتسام تركة الرجل المريض والإستفادة من الإكتشافات النفطية لإشباع الآلة الإستعمارية الضخمة التي تمثلها بريطانيا.
كان للنفط تأثير كبير على طبيعة العلاقات الداخلية فيما بين مكونات الكيان الجديد وبرزت ملامح صياغة جديدة للفكرة التي قام عليها التجمع البشري الجديد فبعدما كان المحور الرئيسي هو التعاون بين تلك المكونات على مبادئ إقتصادي بحتة رغم بدائيتها أحست الجهة المكلفة بتنظيم العمل بإستقلالية وفرتها الثروة النفطية الجديدة، ووفرها العامل الخارجي لضمان مصالحه، فيما رأت بقية المكونات أن هناك رغبة من الجهة المكلفة بالإدارة في الإنسحاب من إتفاق ‘ جنتلمان ‘ طبع الحياة السائدة في المجتمع الجديد يقضي بالتفريق بين الإدارة والتجارة، لتؤشر تلك الأجواء إلى مرحلة مقبلة قائمة على الصراع بدل التعاون محورها الفوائض المالية الضخمة. تحدثنا في مقالات سابقة عن ‘تطور’ جزئي يمر به المجتمع الكويتي نتيجة للتحديث الذي أصاب بعض المجالات كالتعليم والصحة والإنفتاح الإقتصادي والإعلامي المحدود بعد توفر العوائد المالية الضخمة من بيع النفط، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التطور المطلق المنشود ‘الحداثة’ ولم يمس بالأفكار القائمة لجملة من الأسباب أبرزها الإحجام عن التخلي عن الآليات الإقتصادية البائدة القائمة على الإقطاع ودخل النفط بالإٌضافة إلى التشبث بالهياكل الشكلية وعدم تطويرها وكذلك الحفاظ على مظاهر التخلف الإجتماعي لتخدم جميعها أجواء الجمود السائدة حتى اليوم. تغيرت الأجواء السياسية وأصبح الصراع أكثر وضوحا بين عقليتين أحداهما تريد الإبقاء على الأوضاع كما هي قبل ظهور النفط وقبل تحديث المجتمع وتمثلها السلطة الحاكمة وقد استخدمت في ذلك الموارد النفطية وأخرى تريد إعادة النظر في جميع الأفكار السائدة وهي النخبة المثقفة بغض النظر فيما إذا كان إرتباطها بالنصوص المقدسة أو بالتراكم الإجتماعي ويبدو أن الغلبة للأولى رغم تحقيق بعض الإختراقات محدودة التأثير، وهو ما أستمرت عليه الإدارة الحالية فهي تفعل كل شيء حتى لايتغير شيء، وأبرز ما تقوم به إشغال المواطن والكتل البرلمانية والسياسية بجدلية عقيمة تتمحور حول شخص رئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح ليتحول عندها إلى ورقة للتفاوض بدلا من أن يكون مسؤولا بحسب موقعه عن الإنتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل التطور السياسي.
هناك ‘حتمية’ تاريخية تحدث عنها أغلب المفكرين تتعلق بتآكل السلطة مع تطور الحياة السياسية مهما حاولت السلطة القائمة ‘فرملة’ هذا التآكل فان كل محاولاتها ستبوء بالفشل، لكن للأسف الإدارة الحالية عجزت عن إستيعاب هذه الحتمية التاريخية، وظلت تعمل على بقاء الأجواء السائدة حاليا وتكريسها، مما أنعكس على علاقة السلطتين التشريعية والتنفيذية وتحول الصراع بينهما إلى صراع إرادات بين الأسرة الحاكمة من جهة وبين الشعب تعبيرا عن المادة السادسة من الدستور الكويتي ‘الأمة مصدر السلطات’، وهما فعليا طرفا العقد الإجتماعي ‘الدستور’ لتدخل البلاد في ‘مأزق’ سياسي يعبر عن نفسه في بعض الأحيان بإستجواب رئيس الحكومة ومحاولة إزاحته من موقعه، وتمرير بعض القوانين بقوة الدستور والشرعية الشعبية رغم إعتراض أمير الكويت عليها في أحيان أخرى، لكن الحقيقة تكمن في الرغبة في التحول إلى ملكية دستورية تكون فيها الحكومة للشعب الكويتي والحكم لاسرة الصباح حسب المادة الرابعة من الدستور والقانون المرتبط به.
الأسرة الحاكمة في الكويت بدأت تحس أن هناك تآكلا لسلطتها داخل أوساط الطبقة الشعبية وخسرت نتيجة لذلك تحالفاتها الحقيقية مما جعلها تركن إلى تحالفات ‘ وقتية ‘ تتكون من خليط مناطقي ومذهبي محدود لا يشمل جميع المكونات التي ينتمي لها ذلك الخليط وهي بهذا الإجراء تخدم فكرة التحول إلى الملكية الدستورية دون أن تدري لأن التحالفات المرحلية لا يمكن أن تستمر وستزول بزوال أسبابها وعندها ستواجه تلك الأسرة معضلة أكبر من ترك موقع للشعب الكويتي كان يستحق الحصول عليه منذ زمن طويل.