الشاعرة الكردية السورية دلشا يوسف في (شمال القلب): تتصالح مع الأحاسيس الداخلية

حجم الخط
0

لقمان محمود تنفرد المجموعة الشعرية (شمال القلب) للشاعرة دلشا يوسف، بالبوح الشفيف للأحاسيس الحميمة، المشدودة إلى جماليات الفعل الإنساني المماثل للفعل العاطفي، من خلال رؤية أنثوية تحمل معها هواجسها وحبها ومشاغلها وحزنها لاستعادة تاريخ المرأة بإعتبارها الحاضنة الأولى للشعر وللحب وللحرية وللسلام. فالشعر عند الشاعرة دلشا يوسف جزءٌ من ذاتها، وجزء من وعيها، وجزء من قوتها، وجزءٌ من نضالها. وما حققته الشاعرة في مجال الإبداع الشعري والترجمي، دليلٌ على أنّ الشعر شكل من أشكال الحوار، وطموح نحو بلورة شخصية القصيدة النسوية:

أتعرفونمتى أفطم عن الشعر؟

عندما تستحيل المسافةبين الحقيقة والرغبةخاتماًألبسه إصبع يسار القلب! بهذا المزيج المتجانس من المعنى العميق والصورة المجردة، تعمل قصيدة ‘رغبة’ على دلالات مفتوحة تقترب من خصوصية ‘الأنا’ للبرهنة على وجود حياتي، يختصر الآمال، بحواس مدرّبة على إلتقاط الذات وتحولاته كتعبير رمزي عن خطاب المرأة المبدعة من التهميش إلى التحدي، وكإستجابة للوعي الأنثوي الذي عرف طوال التاريخ استبعاداً وتمييزاً واستعباداً. واللافت في (شمال القلب) أنّ الشاعرة تختار موقفاً واضحاً من الحياة، ومن الآخر، والتعبير عنهما بصدق وبإرادة قوية:

حين كنتُ كنهرأسير عكس البوصلةكنتَ أنتَتشيّد لنفسك قِبلة!

حين كانت الشمسترتفع من مشرقيكنتَ أنتَ في الغربتنصب الفخاخأمام الأماني! تعلن الشاعرة عن حضورها المتماهي بالراهن الثقافي والسياسي والاجتماعي للتعبير عن وجعها بلغة معبّرة تشكل في جوهرها تحدياً فنياً لمجمل المشاعر والأحاسيس والأفكار كدفاع رغبوي لإثبات هويتها. وهذا ما دفع بقصيدة ‘القطب الآخر’ بالانتقال من حالة الاحتباس إلى حالة التدفق. فالقصيدة تعكس بكل وضوح جرأة الشاعرة على الاحتفاظ بوجودها الإنساني كدلالة حسية لعشق المرأة الكردية للحرية، من خلال تركيزها على جوهر العلاقة الإنسانية المشتركة:

ألم تكن أنتحين تصادفنا عند نجم سهيل؟

وعلى مفترق درب التبانةكنت تلملم النجوم المتساقطة!

متى تبلغ الفطاموتدع شمشمة تلابيبي؟

لن ننهمر معا، ًما لم تستحل أنت قطباً آخر! يمكننا إقتفاء أثر (شمال القلب) في القصائد المتصالحة مع الأحاسيس الداخلية للقلب، وهي مجتمعة في نسق الكتابة العاطفية، كمساهمة حقيقية في إعادة صياغة الحياة الجديدة، التي تعكس جوهر هذا التحول الاجتماعي الجديد، وهنا، لا تتعامل الشاعرة مع الأفكار وإنما مع الحقيقة، ولا تتعامل مع اللغة وإنما مع الأحاسيس، لخلق وجود رمزي موازٍ للوجود المادي بإسلوب شفاف أقرب إلى الدعاء.

إنها الطبيعة الخاصة للخطاب الشعري الخافت، كونها تعبّر بالملموس أكثر من الكلام:

عزيزيحين أكون في أوج خصامي معكتيقن عند ذاكأنيفي أوج حبي لك. ما يتبلور في هذا المقطع من قصيدة ‘نبراس’ هو التعبير الأمثل عن مدى قدرة الشاعرة على الوعي بالرجل، وإعادة صياغته كحقيقة أزلية مقابل المرأة، عبر إنتاج خصوصية لغوية لها عناصرها المتميزة، في ترتيب وتهذيب هذا الحب:

في الحبّلا خصاملا تحت ولا فوقلا حدودلا أنا ولا أنت.

في الحبالأكاذيب أيضاً تصبح حقائقعند ذاكسأكذب عليك كذبة كبيرةإني أحبكَ! قصيدة تنفرد بوهجها وبخصوصيتها، وقد صاغتها الشاعرة بحرفية متقنة وبإحساس داخلي شديد الرقة، تشف عن شفافية روح الأنثى. حيث تعدّ هذه القصيدة من أجمل قصائد الحب وأغناها عاطفة. ومما لا شك فيه، أنّ الشاعرة دلشا يوسف قد نجحت في الوصول إلى نموذج شعري، ذي جوانب متعددة، وهي تعيد غسل مفردة ‘الكذب’ من تاريخها الدلالي. ولأنّ أكثر قصائد (شمال القلب) تميل إلى الانصات العميق لنبض الشاعرة، تأتي القصيدة أكثر إطمئناناً إلى نفسها:

كالمطرسأهدّ حيطانك الطينيةعلى قدك وقامتك!

لأشيّد محلهالهذا القلبقصوراً من العشق.

ومن السماءسأسرق قوس قزحأزيّن بها قدّي وقامتي! تحيلنا القصيدة إلى تشييد وجودها الجمالي، بلغة واضحة وأليفة، تنسجم مع المشاعر بكل إنعكاساتها واسقاطاتها وتنوعها، بتمظهر ‘أنوي’ تخضع كل شيء إلى رؤية ‘الأنا’ العاشقة. فموضوع الحب ما زال يشغل القلوب الدافئة، من النساء، بإعتباره مانح الأمان العاطفي والنفسي والطمأنينة. ولعلّ قصائد الحب في مجموعة (شمال القلب) هي التعبير الأمثل عن مدى ما تختزنه المرأة في داخلها من مشاعر وأحاسيس، كما في قصيدة ‘القلب’ المكتوبة بوعي أنثوي لافت وبلغة أنثوية بإمتياز:

جرّة من مشاعرتشوى في فرن الحياة!

بابه مفتوح على مصراعيه.

حارسه منه وفيهلكنه لا يصبح مفرشاًلأي ضيف! داخل هذه الخصوصية ثمة ألم وحسرة، يحضر أحياناً بأثره العميق وكأنه جرحٌ أبدي ملازم لخصوصية هذه القصيدة التي أعادت لهذا الحب وجهه الإنساني الخالد:

شمال قلبي هوفي عينيهأروّب عسل مرار الحب.

شمعتي هوفي كل ليلةحين تكون أماسي الوحدة ملتقاي.

ذات يوم في غرة الخريفوقد نديت الأرض بالرهمةأضعته من دون وداعهناك في شمال القلب! قصيدة عالية على المستوى الجمالي، وعلى المستوى المضموني، فأمثال هذه القصائد لا تنغلق على نفسها، بل تظل تحاور كل نساء الأرض للإقامة في شمال القلب. هامش:

دلشا يوسف: شاعرة وصحفية ومترجمة (عن اللغة التركية) وناشطة سياسية كردية. لها أكثر من عشرة كتب في الابداع والترجمة. وهي عضوة في جمعية القلم الكردية والعالمية.

في بداية هذا العام تم تكريمها من قبل اتحاد الادباء الكرد في السليمانية.

منذ عشرين عاما تعيش دلشا يوسف في المنافي. ففي تموز/يوليو 2010، تم تسريب القائمة السوداء (خطر على أمن الدولة) ونشرت هذه القائمة في معظم المواقع الانترنيتية، حيث كانت فيها (182) اسما لادباء وفنانين كرد سوريين، وكانت اسم دلشا ضمن هذه القائمة السوداء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية