دبي ـ ‘القدس العربي’ ـ من فاطمة عطفة: الأميرة فاي جهان آرا، إيرانية المولد أمريكية الجنسية، مشهورة بالأعمال الإنسانية الخيرية، درست الفنون وإدارة الأعمال في الجامعات الامريكية والألمانية وهي تزاول العمل التجاري منذ 1975. لم تشأ أن تعرفنا باسم أبيها الملك، لأسباب تتعلق بحريتها وسلامتها، لكنها آثرت أن تظل معروفة باسم عائلة أمها التي هي أيضا من أسرة ملكية هندية. كان لقاؤنا في دبي بمناسبة حضورها ضيفة على ندوة جائزة الشيخ راشد للدراسات الإنسانية في دورتها الحادية عشرة، وهي الدورة الأولى للمنتدى الإنساني الأول الذي أقيم تحت عنوان ‘المرأة.. خدمة لذوي الاحتياجات الخاصة’. وقد تفضلت الأميرة بالموافقة على إجراء هذا الحوار وكانت أميرة، بكل معنى الكلمة، في كل شيء بإطلالتها الرصينة وحديثها المعبر عن حضورها الجميل وثقافتها الواسعة ومحبتها واحترامها للآخرين. ولعل أجمل ما يلفت النظر في حديثها وتطلعاتها الإنسانية هو تأييدها لانتفاضات الشباب ومطالباتهم بالتغيير على أن تكون مزودة بالعلم والمعرفة، لكي تتجنب المزالق والأخطار التي يمكن أن تتعرض لها مثل هذه الحركات. كنت سعيدة وشاكرة لهذا اللقاء، ويطيب لي أن أترك الأميرة لتتحدث إلى قراء ‘القدس العربي’ عن أهمية الحرية والتربية والمسؤولية في الحياة ومدى أهمية التواصل مع الناس. * أنت أميرة، لذلك سنبدأ من التربية، هل تربية الأميرة تختلف؟ وهل الطفل يشعر بالحرية كما هو الأمر مع تنشئة الأطفال الآخرين؟ * نعم، التربية مختلفة جدا، والاختلاف يبدأ من المسؤولية تحديدا، لأنهم يحاولون أن يعلموك تحمل مسؤولية أكبر تجاه وضعك ولقبك. أنت مسؤولة عن الحفاظ على اسمك ومكانتك في كل كلمة وكل تصرف وكل موقف، لأنك ستحاسبين على ذلك. نعم مجال الحرية ضيق ومحدود وهو مثقل بالتبعات والمهام والمسؤوليات، وعلى نطاق واسع. أنت لست مسؤولة عن نفسك وشخصيتك وحدك، ولكنك ستكونين مسؤولة عن مهام كبيرة والتواصل مع شعبك وعلاقتك بهذا الشعب، كما أنت مسؤولة عن نفسك وعن أسرتك وحتى عن العرش الذي كان يجلس عليه والدك. إنها تربية صعبة ومختلفة، ولها كثير من التبعات. الأطفال العاديون يملكون حرية واسعة، أما الأميرة فمحكومة بمراسم وتقاليد وقواعد محددة وصارمة لا يجوز تخطيها أو اختراقها. حتى حرية اللعب واللهو البريء وأنواع الدمى التي يتمتع بها الأطفال عادة، أنت لا تملكين هذه الحرية ولا تنعمين إلا بالقليل القليل منها. كل شيء يجب أن يكون حسب الأصول والتقاليد المتوارثة أو المتجددة والمكتسبة من بلدان وممالك أخرى بفعل التطور. * هل يمكن هذه التربية بعد عمر معين أن تترك فاصلا ما بين الأمير والآخرين؟* ‘هذا ما عملت عليه بقدر المستطاع طوال حياتي لأكسر هذا الحاجز وأزيل الفاصل بيني وبين الناس الآخرين، لأن هذا الفاصل يحد من التواصل مع أبناء شعبك، لأن هذا الشعب هو الذي أعطاك اللقب. أنا لم أكن أرتاح كثيرا لقيود البروتوكول، لا في حياتي ولا في مكتبي وعملي، لأني أريد أن أكون في تواصل مع الناس، وأكون مع نفسي بكامل حريتي في التعبير والحكم على الأشياء ومعالجتها’.* أنا أنظر للأمراء والملوك، والمسؤولين بشكل عام، بأنهم لا يملكون الحرية التي يتمتع بها الشخص العادي، لأنهم محاطون بحراس ومراسم لا تسمح لهم بالخصوصية، هل الأميرة تحن للحياة الطبيعية بدون قيود؟ * ‘فعلا هناك حلقة تحيط بصاحب اللقب وتقيد حريته، ولكني لا أحب هذه الحلقة المفروضة لأنها تحد من الحرية، وتسمح للمحيطين به أن يستغلوا هذه الحلقة ويحصلوا على امتيازات لصالحهم، كما أن هذه الحلقة تشكل مسافة بين المسؤول والناس العاديين، ومن هنا نجد أن ذلك في بعض البلدان يسبب مشاكل للعائلات الملكية، وأنا لا أحب استمرار هذه الحالة. لذلك أسافر وحدي، أحب أن أرى الناس وأتعامل معهم، أريد أن أعرف ماذا يريدون وما هي المشكلة التي تشغلهم، وأحب أن أعمل بلا مراسم ولا ألقاب أو قيود، ولكي أنجح بعملي بعيدا عن تأثير الآخرين، فإن من يعملون في مكتبي هم الذين يستمعون إلي ولست أنا التي تستمع إليهم’.* هل يعني هذا أن المستشارين لا يستطيعون أن يلعبوا دورا سلبيا في عدم توصيل الحقيقة وإخفائها عن الأمير أو الأميرة؟ * ‘ما قلته هو حقيقة موجودة، إذا بقيت العائلة الملكية في عزلة عن الناس، في هذه الحالة تستغل الحاشية هذه الوضع لصالح امتيازاتها الخاصة، لذلك أرى أن عليهم أن يخرجوا إلى الناس ويتواصلوا معهم مباشرة بدون وسطاء. وإذا كنت غير قادرة على تحمل مثل هذه المسؤولية فاتركيها لغيرك لعله يكون أكثر معرفة بمشاكل الناس وأقدر على حلها. هذا رأيي وهذا ما أحاول أن أعمل به، على العائلة الملكية ألا تحصر نفسها بامتيازاتها وخصوصيتها لأن أهمية هذه الخصوصية تكون إذا كان شعبك سعيدا معك’.* لماذا تختلف الدول المتقدمة في علاقتها مع مجتمعاتها عن دولنا نحن في المنطقة؟ وما هي أهم الأسباب لذلك؟* ‘لأن الدول الغربية، سواء كانت ملكية أو جمهورية، منفتحة على شعوبها وتتواصل معهم في الأجواء الديمقراطية السائدة، خاصة أن هذه الحكومات كلها تأتي عن طريق الانتخابات الحرة’.* أجمل ذكرى ما زلت تحتفظين بها من والدك يوم كان على عرش بلادك؟* ‘أهم ذكرى هي اهتمامه الكبير بحرية المرأة، المعرفة والحرية، وشتان بين الوحشية والحرية، لا يجوز أن نخلط بين الحرية والوحشية، لأن الحرية مزودة بالمعرفة والمسؤولية، هذه هي أجمل الدروس وأجمل ذكرى لا يمكن أن تغيب عني’.* كيف ترى الأميرة ما يجري في المنطقة من ثورات مطالبة بالحرية التي تؤمن هي بها؟ * ‘هذا تحول جديد يبشر بنشوء نظام جديد في العالم، إذا كان الشعب يفتقر إلى الوعي، فهذه مسؤولية الحكام. وإذا كان الشعب واعيا وملما بالمعرفة الكافية، فمن حقه أن ينزل إلى الشارع ويطالب بالتغيير الشامل لأن العالم كله يتغير، وهذه أهم سمة من سمات العصر، وأسبابها معروفة: الشعوب بفضل المعرفة صارت تعرف حقوقها، كما أن ثورة الاتصالات جعلت أجواء العالم كلها منفتحة على بعضها، وما يحدث في أي مكان ينتشر في العالم كله، وليس بمقدور أي سلطة أن تخفي الحقيقة، وليس باستطاعتها أن تستغبي شعبها’.* هل تعتقدين أن هذه الحركات الشعبية ستصل إلى كل دول المنطقة بما فيها إيران وإسرائيل؟* ‘أنا غير مهتمة بما يجري في إيران، ولكن هذه الحركات أمر طبيعي يأتي مع التطور في الحياة، ولكن النتيجة قد تكون سلبية وقد تكون إيجابية، وهذا يعتمد أساسا على مستوى الوعي والمعرفة عند هذا الشعب أو ذاك، فالتربية والثقافة ومستوى التعليم، هذه كلها أمور مهمة في الوصول إلى الهدف وتحقيق التغيير المطلوب. أنا آمل أن تكون هذه الثورات ناجحة في تحقيق أهدافها الإيجابية السليمة. لقد بدأ التغيير من أجل الديمقراطية مع انتفاضة هؤلاء الشباب، وعلى أبناء الشعب أن يتكاتفوا، أن يضعوا أيديهم بأيدي بعضهم حتى يحققوا التغيير المطلوب، كما ذكرت من قبل، التغيير المعتمد على مبادئ التربية والمعرفة وتحمل المسؤولية’.