الحمام الفائض من الدماء

حجم الخط
0

محمولا على الأكتاف، ملفوفا بالعلم الوطني، مودعا الأحباب والأصحاب وسط زغاريد النسوة وهن ينثرن الورد فوق الجسد الطاهر، يجتاز الشهيد جسر الحياة في رحلته الخالدة إلى جنة النعيم، عسكريٌ لم يتجاوز العشرين من العمر سقط شهيدا بيد آثمة جبانة، جندي التحق بجيش الوطن، ليرابط على حدود الوطن، كي يدافع عن كرامة وحرية بلاده في وجه العدو الخارجي، لكنه وفجأة وجد نفسه في معركة داخلية بين دولة تدافع عن نظامها ومتظاهرين يطالبون بالإصلاح والحرية، ليُقتل في النهاية قنصاً ومن جهة مجهولة، الدولة تقول في روايتها عن استشهاده انه قتل على يد عصابات إرهابية، والمحتجون الذين خرجوا مطالبين بالحرية يقولون انه قتل على يد قوات الأمن، وبين الروايتين تضيع أرواح المئات من الأبرياء عسكريين ومدنيين في مسلسل للقتل يأبى أن ينتهي.لكل مدينة في هذا الوطن موعد مع الموت، ولكل مدينة حكاية عن هذا الموت وفظاعته، حكاية عن الرعب الذي تعيشه مدن الشمال والجنوب والوسط وعلى امتداد الوطن السوري، ففي كل يوم يسقط المزيد من الضحايا، قرابين في ميدان الحرية الغالية جدا. أطفال، شيوخ، نساء وآلاف المعتقلين، توحدوا اليوم في معركة الدم المستمرة منذ اكثر من شهر.عندما بدأت شرارة الثورات العربية من تونس وامتد لهيبها إلى مصر لتنجح في هاتين الدولتين وبأقل عدد من الخسائر، بسبب وقوف الجيش إلى جانب الشعب وتفضيله استقرار وبقاء الوطن على بقاء النظام، أيقن الجميع أن عدوى هذه الثورات ستعم معظم الدول العربية، لتشابه الظروف وتوفر المقومات، وفعلا وصلت إلى ليبيا ثم إلى اليمن فالبحرين وأخيرا بلاد الشام، خرج الناس متتبعين خطا إخوانهم العرب مطالبين بالحرية والقضاء على الفساد وبحياة معيشية افضل، خرجوا في مسيرات سلمية مطالبين بالتخلص من قبضة الأجهزة الأمنية وسطوتها على مختلف مناحي الحياة، لكن ما كان في مصر لم يحدث هنا، مثلما لم تكن ليبيا كتونس، فهنا ظهر القناصون والمندسون والعصابات التي توارت عن قوى الأمن لسنوات عديدة، حتى في أحلك الأيام وأصعبها، عندما كانت البلاد تمر بعزلة دولية وحصار خانق، لكنها تظهر اليوم على شكل مؤامرة حيكت في الخارج ويشرف على تنفيذها الخارج، هنا بلد الممانعة والبلد الذي دعم المقاومة ووقف إلى جانبها وفضل الوقوف صامدا في وجه العدو الخارجي وعدم التنازل عن مبادئه وخياراته الاستراتيجية، هذا ما تقوله السلطة وتبرر بالتالي لجوءها إلى استعمال العنف في الداخل للحفاظ على هذه المكتسبات، لكن الداخل الذي ظل وفيا دائما للنظام في وجه الخارج، لم يعد يقتنع بمبررات كهذه، خصوصا بعد سقوط المئات من الضحايا وسط المتظاهرين المطالبين بحياة حرة كريمة.الشعب اليوم ومن خلال خروجه المتواصل إلى الشوارع والساحات يعبر عن رغبته في الحصول على حقوقه الكاملة في الحرية والكرامة والعدالة، فالحرية تمنح المواطن القدرة على التعبير عن طموحاته ومواهبه على اكمل وجه، مثلما تمنحه العدالة الفرص المتساوية في الحصول على التعليم والطبابة والثروة والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، لكن يبدو ان نيل هذه الحقوق سوف يكلف الكثير والكثير من الأرواح والضحايا، فالدماء مازالت تسيل، والنساء الأرامل واليتامى من الأطفال في ازدياد كبير، إنها حكاية القتل الذي مازال مستمرا، ويبدو أن فصولها ستتوالى على مدى شهور قادمة، من دون وجود أفاق للحل، خاصة مع إصرار الدولة على التعامل الأمني مع الاحتجاجات، ومع إصرار المحتجين أيضاً في المضي حتى النهاية لتحقيق أهدافهم، ولاسيما بعد شلالات الدم المراقة.إن الشرفاء في هذا الوطن العزيز وفي العالم يستنكرون القتل لأي مواطن أكان عسكريا ام مدنيا، رجلا كان او امرأة أو طفلا، فالقتل ليس الحل لازمة البلاد، ويجب ألا يكون الرد على صيحات الحرية، لان الدماء تلد دماء اغزر، والقمع يولد عنفا وإصرارا اكبر، ونيران المدافع والرشاشات تولد أحقادا لا تنتهي، وعلى الجميع اليوم وقبل البحث في أية مواضيع، وقف هذا الحمام الفائض من الدماء، والتوافق على قدسية هذا الوطن وكرامته ووحدته وضرورة حمايته والحفاظ على كيانه، لأنه هو من يمنحنا أسماءنا وألقابنا وكبرياءنا، فمن لا وطن له لا كبرياء له ودونه لا معنى لوجودنا رعاة كنا أم رعية، مسؤولين أم مواطنين عاديين، وهذا الوطن لا يمكن أن يبنى أبدا على جماجم أبنائه، بل سينهار حتما حين تلامس جدرانه قطرات دماء بريئة زكية مطالبة فقط بالحرية والكرامة الوطنية. د. شمدين شمدين [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية