صبحي الزبيديالمتابع للنشاط والمنتوج الثقافي المصري في العقدين الاخيرين لا بد وان يلاحظ التنوع والغزارة في الاعمال التي كانت تتنبأ بـ أو تتمنى ان يحدث ما حدث، الزلزال الكبير الذي اطاح بفرعون واعاد للشعب حيويته وحبه للحياة. في السينما، على سبيل المثال في افلام يوسف شاهين، خالد يوسف، محمد امين، كاملة ابو ذكرى، رضوان الكاشف وآخرين كثر لا يتسع المجال هنا لذكرهم بالاسم، ولكنهم حاضرون في نسيج هذا المقال، افلامهم تشكل حالة يمكن تسميتها ‘سينما المواجهة’ وهي افلام غاصت في فساد الحكومة وبطش الشرطة وانهيار الاحساس بكرامة المواطن. هذه السينما كانت تواجه ايضا الاحتكار التجاري الذي اخذ ينمو في التسعينيات ليخلق ما يسميه النقاد المصريون سينما ‘المول’، حيث السينما التجارية التي تخضح الافلام فيها للتنافس على شباك التذاكر، والتي يملك معظمها منتجون – تجار يسعون لاكبر كسب على شبابيك التذاكر في صالات التريبلكس التي يملكونها في المولات، ولذلك دأبوا على تزويد دور العرض بأفلام لا اجد افضل من تسميتها بـ ‘أفلام شرم الشيخ’ وهي افلام معظم الاحيان مصورة في شرم الشيخ او الغردقة (وقد لا تكون مصورة هناك) ولكنها افلام تعج بالبنات والشباب في البارات والشطوط. حبكات كوميدية او درامية تعتمد في تسويقها على الممثلين ومدى نجوميتهم. ولكنها افلام لا تحكي قصصا ولا تعالج اي قضايا، افلام مثل الوجبات السريعة يتناولها الشباب في المول ويتحدثون عنها وهم يشربون الكابوتشينو في الكوفيه شوب في المول مثل فيلم ‘اشتاتا شلتوت’، اخراج احمد عبد العزيز 2004، ‘شورت وفانيلة وكاب’ اخراج سعيد حامد 2000، ‘حد سامع حاجة؟’، اخراج سامح عبد العزيز، 2009، افلام اللمبي. هناك ايضا نوع جديد من افلام العنف التي اخذت تغزو الانتاج السينمائي المصري وهي افلام ابطالها قتلة ساديون، وعصابات تمارس العنف بطريقة غير معهودة في الثقافة او السينما المصرية. سوف آتي إلى هذه الافلام بتفصيل اكثر فيما بعد. خلال احداث الثورة المصرية وبعد خلع مبارك عن السلطة، انتشر في الانترنت مقطع من فيلم ‘طير انت’ اخراج احمد الجندي، 2009، وهو المقطع الذي يلعب فيه احمد مكي دور ‘الكبير’ اي الزعيم. ولانه طاغية وظالم ولا يهتم إلا لنفسه، يثور الفلاحون ضده، يحملون مشاعل ويدورون حول بيته فيما يشبه طقس الحجيج وهم يرددون ‘الكبير لازم يرحل’ ‘لازم يرحل لازم يرحل’. هذا المقطع من الفيلم انتشر بسرعة في المدونات واليوتيوب والفيس بوك، وكأنه نبوءة تحققت. هذه النبوءة ايضا تحققت في مقتل الضابط الفاسد في فيلم ‘هي فوضى’ اخراج خالد يوسف، 2005. وفي الفيلم الكوميدي ‘الدكتاتور’ اخراج ايهاب لمعي، 2009، هناك مشاهد لاعتقال الرئيس وابنه، حبسهما والحكم عليهما بالاعدام. ولكنهما في هذا الفيلم ينجوان ويعودان للحكم من جديد. ما تقوله هذي الافلام هو ان المصريين لم يكفوا عن تأمل هذه اللحظة ولم يتوقفوا عن الايمان بحدوثها. على صفحة الانترنت التي تشاهد عليها هذا المشهد من الفيلم سوف تكون هناك روابط كثيرة لفيديوهات عن مصر والثورة المصرية والتونسية. واحد من هذه الروابط سوف يأخذك الى فيديو يظهر فيه الشاعر المصري الكبير والمتواضع، احمد فؤاد نجم. سوف تراه ضيفا على حلقة ‘توك شو’ مع الفنانة المصرية هالة سرحان. امامه جمهور صغير في الاستوديو من الشباب يستمعون له وهو يقرأ من قصيدة ‘البتاع’ والكل يضحك. لمن لا يعرف قصيدة البتاع، اذكر منها مطلعها:
يا للي فتحت البتاع فتحك على مقفوللأن أصل البتاعواصل على موصولفأيّ شيء في البتاعالناس تشوف على طولوالناس تموت في البتاعفيبقى مين مسؤول؟
اذا كنت من متحدثي العربية فانك حتما سوف تقع في غرام الرجل لانها في مجال الشعر العامي وبالذات المصري قصيدة عبقرية في شكل استجلائها للثقافة الشعبية المصرية، في موسيقاها وقدرتها على اعادة خلق فضاءات جديدة لمصطلح ‘البتاع’ الدارج في اللهجة المصرية، والذي يتندر عليه المصريون لكثرة استعماله. البتاع قد يعني اي شيء وشيئاً محدداً جداً في نفس الوقت. هذه هي معجزة ‘البتاع’ المصرية والتي ابدع احمد فؤاد نجم في استحضارها شعريا. المضيفة والجمهور يضحكون، وضحكهم يبدو مثل لعبة احتمالات للمعاني التي يمكن ان يحملها الشاعر كل لحظة لتعبير البتاع. في لحظة يبدو ‘البتاع’ وكأنه رمز جنسي، في لحظة اخرى يصبح الدولة، او المتاهة. في كل الاحوال فهو يعكس حالة ثقافية يعيشها المصري ويعبر فيها عن جملة من التجارب المعيشية ان كانت اقتصادية، سياسية او اجتماعية.
على يمين الشاشة حتما سوف ترى صورا لفيديوهات اخرى يظهر فيها احمد فؤاد نجم. ولأنك تكون قد احببت الرجل وخفة ظله، فانك سوف ترغب في مشاهدة فيديو آخر. سوف تراه وتسمعه ضيفا على برنامج ضد التيار مع المضيفة وفاء الكيلاني (سنة 2009)، وسوف تسمعه يقول لها بان مبارك هو اسوأ زعيم حكم مصر. سوف تسمع هذا الشاعر يتحدث بلغة بسيطة، بوضوح ومباشرة عن فقدانه الامل بالرئيس الموجود وايمانه بان التغيير حاصل. تعجبك جرأة الرجل، ومن رابط لآخر سوف يأخذك الى فيديو تسمع فيه صوت الشاعر يتحدث عبر قناة الجزيرة في اليوم الخامس من بدء الانتفاضة الشعبية، تسأله المذيعة ‘ما الذي تتوقعه’ فيجيبها ‘الانتصار. ما فيش غيره’. رابط آخر يأخذني الى فيديو آخر (على اليوتيوب منذ 2009)، هذه المرة لا ارى احمد فؤاد نجم، بل شابا مصريا يجلس في غرفة في بيته مقابل الويبكام ويلقي قصيدة ‘يا شعبي حبيبي’ لاحمد فؤاد نجم والتي مطلعها يا شعبي حبيبي يا روحي يا بيبي يا حاطك في جيبي يا ابن الحلال يا شعبي يا شاطر يا جابر خواطر يا ساكن مقابر وصابر وعال وينهيها بقوله حتقبل ححبك، حترفض حلبك حتطلع حتنزل حجبلك جمالالشاب يلقي القصيدة بعفوية وانفعال يضفيان على الكلمات حميمية وصدق، بالذات وانه يجلس امام الكاميرا وحيدا في غرفة متواضعة يؤدي دوراً لجمهور يعرف انه موجود ولكنه لا يراه. في فيديو آخر يظهر الاعلامي المصري الكبير حمدي قنديل يفتتح برنامجه ‘قلم رصاص’ بأداء ابيات من نفس القصيدة. في فيديوهات اخرى شعراء وشاعرات يقولون كلاما اكثر مباشرة ويرسمون صورا واضحة لما يجري، يفكرون بحرية مع انهم يعرفون انهم ليسوا في بلد حر. وانت تتابع كل هذه اللحظات من حياة المصريين في الافلام، في القصائد، في الصحافة والادب وعلى الانترنت فانك حتما سوف تستنتج ان الثورة كانت قادمة لا محال. الاجواء كانت مهيأة لان القاسم المشترك الاغلب بين الناس هو السخط على السلطة، وهذه الحالة كانت تجد صدى في المنتوجات الثقافية، ولحسن الحظ وفرت التكنولوجيا مساحة معارضة لم تكن موجودة في العالم العربي، واصبح بالامكان ان تنتشر هذي الاعمال رغم الرقابة وتقليص الحريات. ‘الافكار لها اجنحة’ كما كان يردد يوسف شاهين في فيلم ‘المصير’ وحتما يمكن القول ان تكنولوجيا المعلومات وفرت اجنحة للكثير من الافكار لكي تسافر من مكان إلى آخر ومن شخص إلى آخر. في وقت مثل هذا، وقت الانترنت والخلويات والساتلايت، والهاي فاي، والآيفون والبلاكبيري، واليوتيوب والفيس بوك، وقت اصبح فيه الناس اكثر دراية ومعرفة بوسائط التواصل بشكل عام وكيف تصنع الاخبار والافلام والويبسايت، في وقت مثل هذا تقوم اعرق مؤسسة صحافية مصرية ـ الاهرام ـ بارتكاب واحدة من اسوأ اللحظات في تاريخ الصحافة في مصر، وهي تلك اللحظة التي منتجت فيها الجريدة صورة مبارك مع عباس ونتنياهو في البيت الابيض سنة 2010. في الصورة الاصلية يبدو مبارك بطيئا يسير خلفهم على يمين اوباما. في ‘الاهرام’ كان مبارك يسير في الامام وكأنه رئيس البيت الابيض. هذه اللحظة ربما تلخص مستوى الانحدار الذي حل بمصر في ظل هكذا منظومة تفكير وعمل. لقد اهانت هذه الصورة عقول المصريين الذين لم يسكتوا بل احتجوا، وكتبوا، وقالوا نكات كثيرة عن الموضوع. صورة مبارك وهو يقود الرؤساء الثلاثة في البيت الابيض فيها كم كبير من الزيف والاستخفاف بعقول الناس، ولكن فيها ايضا حكمة غير مقصودة وهي ان النظام يحتاج لبعض الفوتوشوب لكي يبدو ناجحا. الذين سارعوا إلى تسمية الثورة بـ ‘ثورة الـفيس بوك’، لمسوا جزءا من الحقيقة بلا شك وهو ان هذا الجيل من الثوار يعرف كيف يستخدم تكنولوجيا المعلومات اكثر من حكومته التي تلجأ للتزييف وبطريقة فجة. ولكن الثورة المصرية ليست ثورة فيس بوك لانها ثورة شعب اكثر من نصفه يعيش تحت خط الفقر. وهي ليست ثورة فيس بوك لانها ثورة كبرت في الشعر والادب والسينما والنكات والاغاني ونشاطات المنظمات الاهلية واحزاب المعارضة التي لم تتوقف يوما عن توجيه النقد للنظام القائم. انها ليست ثورة فيس بوك الا اذا كان المقصود من مصطلح ‘فيس بوك’ هو الاشارة الى تكنولوجيا المعلومات بشكل عام ودورها في فتح فضاءات جديدة للتواصل بين الناس في ظل حكومات ادمنت الاحكام العرفية.